عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: من بلاغة القول إلى فلسفة التبليغ والتواصل

الجاحظ وسيمياء العلامات

تتجلّى عبقرية الجاحظ في قدرته على النفاذ إلى ما وراء اللغة، واستكشاف أنظمة الدلالة التي تنتظم بها علاقة الإنسان بالعالم. فلم يحصر التبليغ في اللفظ المنطوق، بل أدرك أنّ الإشارة والخطّ والعقد والهيئة جميعها علاماتٌ قادرة على إنتاج المعنى ونقله. ومن هذا المنظور، تكتسب رؤيته للدلالة أهميةً استثنائية في مقاربتها للأسئلة التي ستنشغل بها السيميائيات الحديثة، بما يجعل استقراء نصوصه مدخلاً معرفياً لإعادة اكتشاف العمق اللغوي والبلاغي في التراث العربي.

لم تكن العلامة في التراث العربي القديم مجرّد وسيطٍ عابرٍ بين اللفظ والمعنى، بل كانت أفقاً معرفياً تتجلّى فيه قدرة الإنسان على إنتاج الدلالة، وتبادل المعرفة، وتأويل العالم. وفي هذا الأفق يبرز أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (159–255هـ)، بوصفه واحداً من أعلام الفكر العربي الذين أدركوا، بوعيٍ لغويٍّ وبلاغيٍّ نافذ، أنّ التواصل لا يستنفد إمكاناته في الكلام المنطوق، وأنّ المعنى قد يتشكّل في الصمت كما يتشكّل في القول، وفي الإشارة كما يتشكّل في العبارة، وفي الهيئة كما يتشكّل في بنية اللفظ.

لقد تجاوز الجاحظ، في تصوّره للدلالة، حدود اللغة بوصفها نظاماً من الأصوات والتراكيب، ليفتحها على منظومة أوسع من العلامات اللفظية وغير اللفظية؛ وهي رؤية تمنح خطابه قيمةً تأسيسية في تاريخ التفكير الدلالي، وتتيح قراءته اليوم في ضوء السيميائيات الحديثة، من غير أن يعني ذلك إسقاط المصطلحات المعاصرة على سياقه التاريخي أو ادّعاء تطابقٍ تامٍّ بين نظريته ومناهجها الراهنة.

في كتابه «الحيوان»، يحدّد الجاحظ أصناف الدلالات بقوله: «وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد»، ثم يذكر: اللفظ، والإشارة، والعقد، والخط، والحال التي تسمّى النِّصبة. ولا تكمن أهمية هذا التصنيف في حصر وسائل التعبير فحسب، بل في إدراكه أنّ الدلالة ظاهرة متعددة الوسائط، وأنّ الإنسان لا يتواصل بالكلمات وحدها، وإنما يستعين كذلك بحركات الجسد، والرموز العددية، والكتابة، والأحوال والهيئات التي تكتسب قيمتها من سياقها ومن قدرة المتلقي على تأويلها.

إنّ هذا التصوّر يكشف عن حسٍّ تحليليٍّ مبكر بطبيعة العلامة ووظيفتها؛ فاللفظ علامة صوتية تستدعي معنى، والإشارة حركة تختزن قصداً، والخط أثرٌ مرئيٌّ يحفظ القول من التلاشي، والعقد نظام رمزيٌّ يتيح التعبير بوسائل غير لغوية، أمّا النِّصبة فهي هيئة أو حالٌ يستدلّ بها على ما وراء ظاهرها. وهكذا تصبح الدلالة شبكةً من العلاقات، لا خاصيةً معزولةً في كلمة أو صوت، ويغدو المعنى حصيلة تفاعلٍ بين العلامة وسياقها، وبين المرسِل وقصدِه، والمتلقّي وقدرته على الفهم والتأويل.

ومن هنا تتجلّى إحدى القضايا الجوهرية في فكر الجاحظ: أنّ الصمت لا يعني انعدام الدلالة، وأنّ غياب الكلام لا يستلزم غياب التبليغ. فالشيء قد يدلّ على معنى من غير أن ينطق، وقد يكشف عن حقيقة من غير أن يصرّح بها. إنّ الهيئة قد تفضح ما يستره اللسان، والنظرة قد تختصر ما تعجز العبارة عن احتوائه، والحركة قد تؤدي وظيفة الجملة الكاملة، كما تستطيع الكتابة أن تنقل خطاباً عبر المسافات والأزمنة، بعد أن يغيب صاحبه عن مجلس التلقي.

وهذه الرؤية تنقلنا من التصوّر الذي يحصر التواصل في اللغة المنطوقة إلى تصوّر أرحب يجعل العلامة مبدأً منظّماً لعلاقات الإنسان بالعالم. فالعلامة لا تؤدي معناها بمعزل عن قارئها، ولا تستنفد دلالتها في صورتها الظاهرة؛ إذ تتوقف فاعليتها على معرفة المتلقي بشفراتها، وإدراكه للسياق الذي تنتظم فيه، وقدرته على الربط بين الظاهر والمضمر، وبين ما تقوله العلامة وما تتركه للاستنتاج.

وفي هذا الإطار، تتبدّى أهمية التمييز الذي يقيمه الجاحظ بين اللفظ الموجّه إلى السامع والإشارة الموجّهة إلى الناظر، مع توسيعه مجال المعرفة ليشمل اللمس في إدراك بعض العلامات. إنّ هذا التمييز يلفت النظر إلى تعدّد قنوات التواصل واختلاف شروط إدراكها؛ فلكل وسيط خصائصه، ولكل علامة مجالها الحسيّ، ولكل متلقٍّ نصيبٌ من المعرفة يتحدّد بوسيلة إدراكه وبما يمتلكه من خبرة. وبذلك لا يعود التبليغ فعلاً أحادي الاتجاه، بل يصبح علاقةً تتشابك فيها طبيعة الرسالة، ووسيلة نقلها، واستعداد المتلقي لفكّ رموزها.

ولعلّ أعمق ما يلفت في معالجة الجاحظ للخطّ أنّه لا ينظر إليه بوصفه رسماً للكلمات فحسب، بل باعتباره أداةً لحفظ المعرفة من النسيان، ووسيلةً لمدّ جسور التواصل بين الغائب والحاضر. فالكتابة، في هذا المنظور، ذاكرةٌ خارج حدود الجسد، ومستودعٌ للأفكار التي يخشى الإنسان ضياعها، وواسطةٌ تصل المرء بأعوانه ومخاطَبيه حين تفصل بينهم المسافات أو تحول الظروف دون اللقاء. إنها تمنح المعنى حياةً تتجاوز عمر قائله، وتحوّل التجربة الفردية إلى إمكانٍ مشترك للتعلّم والتداول والتأويل.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تصوّر الجاحظ بوصفه اقتراباً مبكراً من بعض الأسئلة التي ستنشغل بها نظريات التواصل والسيميائيات الحديثة: كيف تنتج العلامة معناها؟ وما الذي يجعلها مفهومةً لدى المتلقي؟ وكيف تتغيّر دلالتها باختلاف السياق؟ وما العلاقة بين قصد المرسِل وتأويل المستقبل؟ غير أنّ القيمة العلمية لهذه المقاربة تقتضي التمييز بين الاستباق الفكري والتطابق الاصطلاحي؛ فالجاحظ لم يكتب داخل الحقل السيميائي بمفهومه المعاصر، لكنه قدّم تصوّراً تراثياً غنياً يتيح الحوار مع أسئلته ومناهجه.

كما أنّ أهمية هذا التصوّر لا تنحصر في الجانب النظري، بل تمتدّ إلى البلاغة العربية ذاتها؛ فالبلاغة، في أحد أبعادها العميقة، ليست صناعة القول الجميل وحدها، وإنما هي معرفة شروط الإفهام، ومقتضيات المقام، وطرائق التأثير، ووسائل نقل المعنى إلى المتلقي. ومن ثمّ، فإنّ دراسة العلامات عند الجاحظ تفتح أفقاً لإعادة النظر في العلاقة بين البلاغة والسيمياء، لا باعتبارهما حقلين متطابقين، بل باعتبارهما مجالين يلتقيان في مساءلة الدلالة، وآليات إنتاجها، وفاعليتها في الخطاب.

إنّ الجاحظ، بهذا المعنى، لا يقدّم تصنيفاً لوسائل التعبير وحسب، بل يكشف عن وعيٍ بأنّ العالم نفسه قابلٌ للقراءة، وأنّ الإنسان لا يعيش بين الأشياء بوصفها موجودات صامتة فحسب، وإنما يتعامل معها باعتبارها علاماتٍ تشير، وتوحي، وتكشف، وتستدعي التأويل. فالحركة خطاب، والهيئة قرينة، والخط ذاكرة، واللفظ أثرٌ صوتيٌّ يعبر من ذاتٍ إلى أخرى، حاملاً إمكان الفهم واحتمال الالتباس معاً.

وخلاصة القول، إنّ استعادة الجاحظ في ضوء السيميائيات ليست محاولةً لتحديث التراث بتغيير أسمائه، بل قراءةٌ معرفية تكشف عن طاقاته الكامنة، وتعيد وصل أسئلته القديمة بأسئلة الحاضر. ففي تصوّره للعلامات تتجاور اللغة والجسد والكتابة والحال ضمن أفقٍ واحدٍ هو أفق الدلالة والتبليغ. ومن هنا تتجلّى فرادته: لقد أدرك أنّ المعنى أوسع من اللفظ، وأنّ التواصل أعمق من الكلام، وأنّ العلامة، مهما اختلف شكلها، لا تكتمل وظيفتها إلا حين تجد من يقرؤها، ويفكّ شفراتها، ويعيد بناء معناها في وعيه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم