عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

غدير الزبون: ألفُ حكايةٍ تُروى وراءَ اللون

بدأت الحكاية بلون في صفحةٍ من كتاب استوقف عيني أكثر مما استوقفتها الجملة التي احتوته.

بقيتُ لحظاتٍ أمامه، أقرأ ما حوله، ثم أعود إليه، ويكأنّ في ذلك اللون شيئًا يطلب مني أنْ أمهله قليلًا.

كنت يومها أقرأ محمود درويش كما أفعل دائمًا، وأترك للقصيدة أنْ تقودني بين صورها وموسيقاها وذاكرتها، وأتنقل بين الكلمات التي أحبها حتى بدأت ألتقط حضور الألوان بين السطور.

كان اللون يطلّ من النص بخفة، ثم يستقر في الذاكرة بثقلٍ أكبر من حجمه.

تكررت الحكاية.

لونٌ هنا.

وظلّ هناك.

بياضٌ يتسع في موضعٍ ما، وسوادٌ يكتسب كثافةً في موضع آخر، وأخضرٌ يحمل رائحة الأرض، وأحمرٌ يمرّ في النص محمّلًا بذاكرة الدم والحب والحياة.

وبدأتُ أعود إلى النصوص بعينٍ مختلفة. صرت أتعقب اللون كما يتعقب القارئ أثرًا قديمًا في مدينة يعرفها جيدًا، ثم يكتشف فيها للمرة الأولى بابًا صغيرًا يقوده إلى شارعٍ آخر.

كان اللون يتكاثر أمامي كلما تعمقت في القراءة، ومعه كانت تتسع مساحة الدلالة.

وفي إحدى قراءاتي لديوان "لا تعتذر عما فعلت" شعرت أنني دخلت إلى طبقة أخرى من شعر درويش، طبقة تسكن تحت الكلمات، وتتحرك في ظلالها، وتمنح الصورة الشعرية طاقةً تتجاوز حدود الوصف.

كان اللون هناك كائنًا حيًا يتبدل موقعه، وتتغير نبرته، وتتشكل علاقته بما يجاوره، ثم يعود في موضع آخر محملًا بذاكرة جديدة.

منذ تلك اللحظة بدأت علاقتي الأكاديمية باللون، وأخذت دفاتري تتغير.

صفحاتٌ امتلأت بملاحظات صغيرة، وأسماء ألوان، ومواضع ورودها، وعلاقاتها بالصور الشعرية.

كنت أضع إشارات متجاورة، وأعود إليها بعد أيام، ثم أكتشف خيطًا جديدًا يصل بينها.

شيئًا فشيئًا أخذت تلك الخيوط تتشابك حتى بدت أمامي خريطة كاملة، خريطة من الألوان، وكلّ لون فيها يفتح ممرًا إلى معنى، وكلّ معنى يقود إلى طبقة من التجربة الدرويشية، وفي قلب تلك الخريطة كان اللون علامة.

هنا اتخذت الحكاية شكلها الأكاديمي، فاخترت أطروحتي للدكتوراه حول "سيميائية اللون ودلالاته الرمزية في ديوان لا تعتذر عما فعلت لمحمود درويش"، وكان الاختيار امتدادًا طبيعيًا لتلك اللحظة الأولى التي توقفت فيها أمام لونٍ صغير، ثم اكتشفت أنّ وراءه عالمًا واسعًا من العلامات.

قادني البحث إلى السيميائيات، فوجدت أمامي فضاءً رحبًا لفهم الطريقة التي تتشكل بها الدلالة، وكيف تتحول التفاصيل البصرية إلى إشارات ثقافية ونفسية وحضارية.

ومع كلّ صفحة كنت أكتبها كان اللون يبتعد أكثر عن مفهومه البسيط، ويقترب من جوهر التجربة الشعرية.

صار الأخضر ذاكرةً للأرض، وصارت بعض درجات الأبيض مساحةً للصفاء والغياب والبدء، واكتسب الأحمر طاقةً تتصل بالحياة والدم والحب والجرح، وتحوّل الأسود في سياقات مختلفة إلى كثافةٍ شعورية، وإلى ظلٍّ يرافق الذاكرة.

أما الأزرق فكان يفتح فضاءات البحر والسماء والامتداد والحلم.

هكذا أخذت الألوان تتحول أمامي من مفرداتٍ بصرية إلى مفرداتٍ دلالية.

ومن هنا اتسعت رؤيتي للفن كله.

أدركت أنّ العين تحمل ذاكرةً خاصة بها، وأنّ اللون يستطيع أنْ يستدعي مكانًا كاملًا، وأنّ علامة صغيرة قادرة على استحضار وطن، وأنّ تفصيلًا بصريًا قد يحمل تاريخًا طويلًا من الثقافة والهوية.

وعندما خرجت من صفحات درويش إلى فضاء الفن التشكيلي بدا الانتقال طبيعيًا.

فاللوحة تفعل باللون ما تفعله القصيدة بالكلمة، وتضعه في سياق، وتمنحه علاقات، وتفتح له أبوابًا من الدلالة.

هناك، على سطح القماش تصبح الألوان لغةً صامتة، وتصبح الخطوط إيقاعًا، وتصبح المساحات ذاكرة، ويصبح الضوء شريكًا في صناعة المعنى.

ومن هنا بدأت أنظر إلى اللوحة بعين الباحثة التي تعلّمت من الشعر أنّ لكلّ تفصيل مكانه، وأنّ لكلّ لون نبرته، وأنّ خلف المرئي طبقاتٍ من المعنى.

صرت أرى في اللوحة أكثر من مشهد.

أرى زمنًا، وأرى مكانًا، وأرى ثقافةً، وأرى هويةً، وأرى يد الفنان وهي تترك أثرها على ذاكرة العالم.

وهنا اكتملت لديّ صورة العلاقة بين المثقف والفن، فالمثقف الذي يقرأ اللون في القصيدة يستطيع أنْ يقرأه في اللوحة، والذي يفتش عن الرمز في النص يستطيع أنْ يتتبع الرمز في الصورة، والذي يعرف أنّ الذاكرة تسكن التفاصيل يدرك أنّ شجرةً في لوحة قد تحمل تاريخ وطن، وأنّ ثوبًا مطرزًا قد يحفظ سيرة شعب، وأن ّبيتًا حجريًا قد يستعيد قرية كاملة، وأنّ نافذة صغيرة قد تفتح على وطنٍ بأسره.

ومن هذه المسافة بين القصيدة واللوحة بدأت أرى الفن التشكيلي واحدًا من أعمق أشكال الذاكرة الإنسانية.

فالإنسان القديم ترك كفّه على جدار الكهف، فحفظ لنا حضوره عبر آلاف السنين.

والحضارات تركت ألوانها ونقوشها وتماثيلها وزخارفها، فبقيت أصواتها حاضرةً بعد رحيل أصحابها.

والفنان المعاصر يواصل الحكاية بالأدوات الجديدة فيحمل ذاكرة المكان إلى اللوحة، ويمنح الهوية صورةً قادرةً على السفر.

هكذا أصبح اللون بالنسبة إليّ أكثر من مادة جمالية، لقد صار أثرًا، وصار ذاكرة، وصار لغةً ثانية للهوية.

ومن هنا تأتي علاقة المثقف بالفن التشكيلي، هي علاقة تتصل بالوعي والذاكرة والجمال والانتماء، وتمتد إلى مسؤولية أوسع في حماية الصورة الثقافية للمجتمع، وفي تقديم وجوه الحضارات إلى العالم عبر لغة يفهمها الجميع.

لقد بدأت رحلتي مع اللون من صفحةٍ في كتاب، وانتهت إلى عالمٍ كاملٍ من الفن.

وما بين الصفحة واللوحة خيطٌ رفيع اسمه المعنى.

وما بين اللون والذاكرة خيطٌ آخر اسمه الهوية.

أما بين الفنان والمتلقي، فهناك مساحة واسعة اسمها التأويل.

ومن تلك المساحة تولد الحكايات، فكل لوحة تحمل حكايةً يكتب الفنان بدايتها، ثم يترك للعين والذاكرة والثقافة أنْ تكمل فصولها.

وكلّ لون يحمل أثرًا من حياة صاحبه، ومن زمنه، ومن المكان الذي جاء منه.

لهذا حينما أقف أمام لوحة اليوم أتذكر ذلك اللون الأول الذي أوقفني أمام قصيدة لدرويش.

وأتذكر كيف قادني من صفحةٍ صغيرة إلى أطروحةٍ كاملة، ومن الشعر إلى السيميائيات، ومن الكلمة إلى الصورة، ومن الصورة إلى سؤال الهوية والذاكرة والحضارة.

وأشعر أنّ الرحلة ما زالت مفتوحة.

فاللون الذي ظننته يومًا تفصيلًا صغيرًا كشف لي اتساع العالم.

ومنذ ذلك الحين أصبحت أرى وراء كلّ لون حكاية، ووراء كلّ لوحة ذاكرة، ووراء كلّ صورة وطنًا صغيرًا يبحث عن عينٍ تمنحه فرصةً أخرى للحياة.

فثمّةَ لحظةٌ غريبةٌ تحدث عندما نقف أمام لوحةٍ لا نعرف صاحبها، ولا نعرف تاريخها، ولا نملك مفاتيح المدرسة التي تنتمي إليها، هي لحظةٌ تشبه أن تفتح بابًا لا تعرف ما وراءه، ثم تدخل.

في البداية ترى اللون، ثم ترى الخط، ثم شيئًا لا تستطيع أنْ تسميه.

تتقدم خطوة فتتخيّل أنّ اللوحة تناديك. تنظر إلى وجهٍ مرسوم، فتشعر أنك رأيت هذا الوجه من قبل، لا في شارعٍ ولا في صورة، وإنما في مكانٍ أعمق.

إنها الذاكرة، نعم هي الذاكرة لا غيرها تلاحق نافذةً صغيرة في زاوية اللوحة، فتتساءل: لماذا وضعها الفنان هناك؟ ولماذا ترك نصفها في الظل؟ ولماذا يبدو الضوء الخارج منها مثل وعد بعيد؟

ثم تكتشف أنك لم تعد تنظر إلى اللوحة، فاللوحة هي التي بدأت تنظر إليك.

وهنا تحديدًا يبدأ الفن.

إنّ الفن الحقيقي لا يكتفي بأنْ يُرى، فسرعان ما يستدرجنا إلى أنْ نرى أنفسنا في ما نراه.

وقد ندخل قاعة المعرض بحثًا عن لوحة، ثم نخرج منها حاملين سؤالًا عن الوطن، أو الذاكرة، أو الحب، أو الفقد، أو الإنسان، أو الزمن.

ذلك أنّ اللوحة ليست ألوانًا موضوعة فوق قماش.

إنها لغة أخرى للإنسان في اللحظة التي تضيق فيها الكلمات عن حمل ما في داخله.

ومن هنا يأتي السؤال: ماذا يعني أنْ نقرأ لوحة؟

ولماذا يحتاج المثقف إلى الفن التشكيلي؟

وهل يمكن للون أنْ يحمل ذاكرة أمة، وأنْ يصبح الخطّ شاهدًا على حضارة، وأنْ تتحول اللوحة إلى وثيقة تقاوم النسيان؟

أظنّ أنّ الإجابة تبدأ من العودة قليلًا إلى الوراء عندما بدأ الإنسان يرسم قبل أنْ يعرف الكتابة، وقبل أنْ يكتشف الإنسان الحروف عرف الخط، وقبل أنْ يؤسس الكتب ترك أثر كفه على جدار.

وقبل أنْ يكتب حكايته بالحبر كتبها بالصبغة والحجر والفحم.

في الكهوف القديمة لم تكن هناك صحف ولا مكتبات ولا شاشات، ورغم ذلك رسم الإنسان الحيوان والصياد والحركة والطقس والمطاردة.

كانت تلك الرسوم محاولة الإنسان الأولى لأنْ يقول: كنت هنا، ورأيت هذا، وعشت هذه اللحظة.

لقد رسم كي يحفظ، ورسم كي يتواصل، ورسم كي يمنح تجربته فرصةً للعبور إلى من سيأتي بعده.

ومن هذه البدايات البعيدة يمكن أنْ نفهم أنّ الفن التشكيلي لم يولد ترفًا، وإنما وُلد من حاجة إنسانية عميقة إلى التعبير وتثبيت الوجود في مواجهة الزمن.

إنّ الإنسان الذي يرسم لا يكتفي بإعادة إنتاج الأشياء؛ إنه ينتزعها من زوالها، وهنا تكمن قوة الفن.

فالزمن يمحو الوجوه، لكنّ الفن يستطيع أنْ يعيد إليها ملامحها، والحروب تهدم البيوت، لكنّ لوحة واحدة قد تحفظ شكل نافذةٍ لم يعد لها جدار.

والأجيال ترحل، لكنّ وجه امرأة في لوحة قد يظل يحمل ملامح جيل كامل.

لقد تركت كلّ حضارة أثرها البصري في العمارة، وفي النحت، وفي الزخرفة، وفي الأثواب، وفي النقوش، وفي المخطوطات، وفي الفنون التي شكّلت علاقة الإنسان بالمكان والرمز واللون.

ولهذا فإنّ تاريخ الفن هو أحد مسالك تاريخ الحضارات الأساسية.

وعندما نتأمل الفن المصري القديم، أو الفسيفساء الرومانية، أو المنمنمات الإسلامية، أو الزخارف العربية، أو الخط العربي، أو العمارة الأندلسية فإننا نرى أشكالًا جميلة إلى جانب أنظمة كاملة من التفكير.

فالإنسان يرسم بالطريقة التي يفكر بها.

ويختار رموزه بالطريقة التي يرى بها العالم، ويمنح الألوان قيمًا ترتبط بعقيدته وبيئته وذاكرته وتصوراته عن الحياة والموت والجمال.

لهذا يمكن للفن أنْ يكون وثيقة حضارية لا تقل أهمية عن الوثيقة المكتوبة.

وقد نختلف في قراءة نص تاريخي، لكنّ حجرًا منقوشًا، أو لوحةً، أو زخرفةً قد يكشف لنا عن تفاصيل الحياة اليومية والرموز والأذواق والملابس والأماكن وطرائق التفكير.

الفن إذن هو مرآة للحاضر وحده، وأرشيفٌ للإنسان.

وعندما يتعلق الأمر بالوطن يصبح الفن أكثر من جمال فيتحول إلى ذاكرة.

وما أكثر ما نحتاج إلى الذاكرة في عالمٍ تتعرض فيه الأمكنة والوجوه والحكايات لمحاولات المحو.

في فلسطين مثلًا لا يمكن فصل الفن عن سؤال الأرض والهوية والاقتلاع والذاكرة.

فشجرة الزيتون، والبيت الحجري، والمفتاح، والثوب المطرز، والقبة، والقرية، والنافذة، والكرمة، والبحر داخل اللوحة تخرج عن كونها عناصر طبيعية بريئة من الذاكرة، وكلّ واحد منها يستطيع أنْ يحمل طبقات من المعنى.

قد يرسم الفنان بيتًا صغيرًا، لكنْ خلف البيت حكاية قرية، وقد يرسم امرأة ترتدي ثوبًا فلسطينيًا، لكنه في الحقيقة يرسم ذاكرة أمه وجدته ونساء المكان، وقد يرسم زيتونة، فيكون قد رسم قرونًا من العلاقة بين الإنسان والأرض.

وبالتالي تتحول اللوحة إلى فعل مقاومة للغياب.

إنها تقول إنّ ما تحاول الذاكرة أنْ تحتفظ به يمكن أنْ يجد لنفسه مكانًا في اللون.

ولا يقتصر دور المثقف على القراءة وملء الصفحات بالمعلومات، وإنما عليه أنْ يوسع مساحة الوعي في المجتمع، والفن التشكيلي واحد من أهم هذه المساحات.

إنّ المثقف الذي يهتم بالشعر والرواية والفلسفة ثم يعامل اللوحة كزينةٍ على هامش الثقافة، إنما يترك جزءًا من اللغة الإنسانية خارج دائرة اهتمامه.

فاللوحة نصّ، والموسيقى نصّ، والعمارة نصّ، والجسد في المسرح نصّ، واللون نصّ.

وكلها تحتاج إلى قارئ يمتلك الحساسية الكافية لاكتشاف ما وراء ظاهرها.

ومن هنا يمكن للمثقف أنْ يكون جسرًا بين الفنان والجمهور، وأنْ يقرّب الفن من الناس دون أنْ يسطّحه، وأنْ يشرح دون أنْ يغلق باب التأويل، وأنْ يفتح النقاش حول الأعمال بدل أنْ يحولها إلى طقوس احتفالية، وأنْ يدافع عن حق الفنان في التجريب، كما يدافع عن حق الجمهور في الفهم والسؤال.

ولكن لماذا نحتاج إلى المثقف التشكيلي؟

والجواب من وجهة نظري لأنّ المجتمعات التي تهمل ثقافتها البصرية قد تصبح أكثر عرضة لأنْ تستهلك صور الآخرين دون أنْ تنتج صورتها عن نفسها.

نحن نعيش في عصر الصورة، والصورة اليوم أسرع من الكتاب، وأحيانًا أكثر قدرة على الانتشار منه.

وقد يستطيع مشهد واحد أن يصل إلى ملايين الناس في دقائق.

لذلك لم يعد السؤال: هل نهتم بالصورة؟

لقد أصبحت الصورة جزءًا من حياتنا شئنا أم أبينا.

والسؤال الأهم هو: من يصنع صورتنا؟ وكيف نقرأها؟

هنا تبرز ضرورة الثقافة البصرية، فالمثقف يستطيع أنْ يساعد المجتمع على امتلاك أدوات قراءة الصورة حتى لا يصبح متلقيًا سلبيًا أمام ما تعرضه الشاشات.

كما أنّ قراءة اللوحة هو تدريب على قراءة العالم، ومن يتعلم كيف يسأل: لماذا اختير هذا اللون؟ ولماذا وضعت هذه الشخصية في المركز؟ ولماذا غاب هذا الجزء؟ ولماذا يظهر الضوء من هنا؟ يصبح أكثر قدرة على مساءلة الصور التي تحيط به في حياته اليومية.

فكيف نقرأ اللوحة؟

ربما لا تحتاج اللوحة إلى قارئ يعرف كل تاريخ الفن بقدر ما تحتاج إلى إنسان يعرف كيف ينظر.

لنبدأ من العين.

ماذا ترى أولًا؟

لونًا؟ أم وجهًا؟ أم خطًا؟ أم فراغًا أم حركة؟

ثم نسأل: إلى أين تقودنا العين؟

الفنان لا يوزع عناصر اللوحة اعتباطًا، فهناك مركز وثقل وإيقاع ومسارات بصرية، وهناك ما يقترب وما يبتعد، ما يضيء وما يختفي، ما يصرخ وما يهمس.

ثم يأتي اللون، فنسأل: لماذا هذا اللون هنا؟

الأحمر بجوار الأسود غير الأحمر بجوار الأبيض، والأزرق في السماء غير الأزرق في وجه امرأة، والأخضر في شجرة غير الأخضر في ثوب، لأنّ المعنى يولد من العلاقة، ثم ننتقل إلى الضوء: من أين يأتي؟ وما الذي يضيئه؟ وما الذي يتركه في العتمة؟

فأحيانًا يكون ما أخفاه الفنان أهم مما أظهره.

ثم نسأل عن الصمت: ما المساحة التي تركها فارغة؟ ولماذا؟

فالفراغ في اللوحة ليس دائمًا غيابًا، فقد يكون انتظارًا، أو فقدًا، أو مساحةً للمتلقي كي يدخل.

واللون ذاكرة، فلا يوجد لون بريء تمامًا في الفن، وتدخل الألوان إلى حياتنا محملة بتجارب وثقافات ورموز، فالأبيض قد يكون بداية أو حدادًا أو سلامًا، والأسود قد يكون خوفًا أو قوة أو مهابة، والأحمر قد يكون حبًا أو ثورة أو دمًا، لكنّ الخطأ هو أن نضع قاموسًا ثابتًا ونقرأ كلّ لوحة وفقه، فالفن لا يعمل بهذه البساطة، واللون يتغير بتغير السياق.

ولهذا فإنّ قراءة اللوحة تشبه قراءة الشعر، إذْ لا يكفي أنْ تعرف معنى الكلمة في القاموس، فعليك أنْ تعرف ماذا فعل بها الشاعر داخل القصيدة، وكذلك اللون، فليس المهم أن نعرف ماذا يعني الأزرق في الثقافة العامة، ويكفي أن نعرف ماذا يعني الأزرق هنا في هذه اللوحة، وفي هذه اللحظة، وبجانب هذه الألوان تحديدًا.

فهل نحتاج إلى معرفة قصد الفنان؟

نعم، لكنها ليست نهاية القراءة، فالفنان يشرح لوحته، ويضيء لنا جزءًا من الطريق، لكنه لا ينبغي أنْ يغلق الطريق كله، والفنان يرسم من تجربته، والمتلقي يقرأ من تجربته.

وقد يرى الفنان في نافذته ذكرى بيت طفولته، بينما يرى المتلقي فيها نافذة وطن، وقد يقصد الفنان امرأةً عابرة، فيراها المتلقي أمًا، وقد يقصد البحر على أنه مكان، فيراه آخر فراقًا، وليس معنى ذلك أنّ كل تفسير صحيح، فالقراءة الجيدة يجب أنْ تستند إلى أدلة داخل اللوحة، لكنها في الوقت نفسه لا تُختزل في نية الفنان وحدها، فبمجرد أنْ تخرج اللوحة إلى العالم تبدأ حياة جديدة.

هذا وإنّ الأمم التي تحترم الفن تحترم الفنانين، وتحترم صورتها عن نفسها.

والفن قادر على أنْ يصنع صورة حضارية للوطن تتجاوز الأخبار والسياسة، فعندما يبدع الفنان، فهو يقدم وطنه من زاوية أخرى.

إنه يقول للعالم: نحن لسنا مجرد أرقام، ولسنا مجرد أحداث سياسية، ولسنا مجرد أخبار عابرة، نحن أيضًا أصحاب ذاكرة وجمال وحكاية وذائقة ورؤية.

وهذا بالضبط ما يجعل الفن قوة ناعمة بالغة التأثير.

فاللوحة تستطيع أنْ تعبر الحدود دون جواز سفر، واللون يستطيع أنْ يصل إلى إنسان لا يعرف لغة الفنان.

والصورة قد تفتح بابًا للحوار في الوقت الذي تعجز فيه الخطب الطويلة.

لهذا فإنّ دعم الفن ليس ترفًا ثقافيًا؛ إنه استثمار في صورة الوطن، وفي ذاكرته، وفي قدرته على مخاطبة العالم.

وكلّ وطن مهدد بالنسيان إذا لم يروِ حكايته، والحكاية لا تُروى بالكلمات وحدها، فقد يكتب المؤرخ عن مدينة، ويكتب الشاعر عنها، ويغني المغني لها، لكنّ الفنان يستطيع أن يمنحها وجهًا، والوجه أخطر ما يمكن أنْ يضيع.

لذلك تصبح اللوحة في كثير من الأحيان شاهدًا صامتًا على زمنها، تحفظ ما مرّ بنا، وتحفظ ملامح الناس، والأماكن، والبيوت، والأزياء، والأحلام، والخسارات حتى التفاصيل التي لا يلتفت إليها المؤرخ، وهنا تكمن عظمتها.

فالفن يحفظ التاريخ الذي يسكن في التفاصيل، والبيت الذي يعلّق ذاكرته على الجدار.

ولست أرى اللوحة عنصرًا لتزيين البيت فقط، فالبيت الذي يعلق لوحة جميلة لا يملأ جدارًا فارغًا؛ إنه يختار أي عالم يريد أنْ يعيش معه.

فقد تكون اللوحة نافذة، وقد تكون ذاكرة، وقد تكون سؤالًا يوميًا.

والأجمل أنْ يعتاد الطفل في البيت أنْ يسأل عن لوحة، وأنْ يعرف اسم الفنان، وأنْ يحكي ماذا يرى فيها.

هكذا تبدأ التربية الجمالية من الحياة.

ونحن بحاجة إلى أنْ نعيد الفن إلى البيت والمدرسة والجامعة والشارع، وأنْ نجعل المعرض حدثًا ثقافيًا لا مناسبة بروتوكولية، وأن نصطحب الأطفال إلى اللوحات كما نصطحبهم إلى الكتب، وأن نسألهم: ماذا رأيتم؟

وقد فتح الفن المعاصر أبوابًا واسعة للتجريب، فلم تعد اللوحة محصورة في شكلها التقليدي، ودخلت التكنولوجيا، والتجهيز، والفن الرقمي، والخامات المختلفة، وتداخلت الفنون.

وهذا كله دليل على أنّ الفن حيّ، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديًا مهمًا: فكيف نحافظ على العمق وسط هذا الكم الهائل من الصور؟

علينا أنْ نعلم أنّه ليست كلّ صورة فنًا، وليست كلّ غرابة إبداعًا، وليس كلّ غموض عمقًا، فالعمل الفني الحقيقي يملك ضرورة داخلية، ويشعر المتلقي أنّ وراء الشكل فكرة، ووراء الفكرة تجربة، ووراء التجربة سؤالًا إنسانيًا قد يكون بسيطًا، لكنه ليس ساذجًا، وقد يكون غامضًا، لكنه ليس مغلقًا، وقد يكون حديثًا، لكنه لا يقطع جذوره عن الإنسان.

والمثقف الذي يتعلم أنْ يرى

ربما يكون أعظم ما يمكن أنْ يفعله للفن أنْ يتعلم هو نفسه كيف يرى.

فالمثقف الذي لا يرى إلا ما يعرفه يظل أسير معرفته، أما المثقف الحقيقي فيترك للفن فرصة أنْ يفاجئه، ويقول له شيئًا لم يكن ينتظره، ويهزّ يقينه، ويجعله يعيد التفكير في معنى الجمال، والوطن، والإنسان، والذاكرة.

إنّ المثقف لا ينبغي أنْ يدخل المعرض وفي يده إجابات جاهزة إذْ يتوجّب عليه أنْ يدخل وفي يده سؤال، والسؤال هو أول أبواب المعرفة.

إنه سؤال عن الإنسان: كيف ننظر؟ وكيف نتأمل؟ وكيف نختلف؟ وكيف نبحث عن المعنى دون أنْ نصادره؟ وكيف نحترم ما لا نفهمه حتى نتعلمه؟

إنّ اللوحة تعلمنا كلّ ذلك: تعلمنا أنّ الأشياء ليست دائمًا كما تبدو، وأنّ اللون قد يحمل جرحًا، والظل قد يخفي حكاية، والفراغ قد يكون أكثر امتلاءً من الأشياء.

وأنّ ما يبدو لنا صامتًا قد يكون أكثر الأشياء كلامًا.

لهذا، حينما نقف أمام لوحة ينبغي أن نسأل: ماذا قالت اللوحة لي أنا؟ وماذا أيقظت في ذاكرتي؟ وأي باب فتحته في داخلي؟

فربما لم يرسم الفنان نافذة، ربما رسم لنا فرصةً لنطلّ منها على أنفسنا.

وربما لم يرسم بيتًا، ربما رسم المكان الذي نخشى أنْ نفقده.

وربما لم يرسم امرأة، ربما رسم أمًّا، أو وطنًا، أو انتظارًا، أو عمرًا كاملًا.

وهنا فقط ندرك أنّ خلف اللون حكاية، وخلف الحكاية ذاكرة، وخلف الذاكرة إنسانًا يحاول أنْ يقول للعالم:

أنا هنا.

ولا توجد قراءة وحيدة للوحة، كما لا توجد حياة واحدة للإنسان.

هناك ما أراده الفنان، وما تقترحه اللوحة، وما يراه المتلقي، وما تضيفه الذاكرة.

ولهذا فإنّ أجمل اللوحات هي تلك التي تبدأ بعد تفسيرها، واللوحة العظيمة لا تمنحك جوابًا جاهزًا؛ إنها تمنحك عينًا جديدة، وتجعلك ترى الشجرة بطريقة مختلفة، والبيت بطريقة مختلفة، والوجه بطريقة مختلفة، واللون بطريقة مختلفة.

وربما تجعلنا نكتشف أنّ الثقافة أنْ نعرف أسماء الأشياء، ونمتلك القدرة على رؤيتها من جديد.

إنّ الفن التشكيلي ليس هامشًا في حياة الأمم، إنه ذاكرتها حين تخشى النسيان، وصوتها حين تضيق الكلمات، ووجهها حين تريد أنْ تقدم نفسها للعالم، ومرآتها حين تريد أنْ ترى حقيقتها.

ولهذا يحتاج الفن إلى المثقف كما يحتاج المثقف إلى الفن.

فالفنان يمنحنا الصورة، والمثقف يفتح حولها الأسئلة، والجمهور يمنحها حياةً جديدة.

أما الوطن فيبقى المستفيد الأكبر حين تتحول ألوانه إلى ذاكرة، وذاكرته إلى هوية، وهويته إلى رسالة حضارية تتجاوز الجدران والحدود.

فإذا وقفنا يومًا أمام لوحة ولم نفهمها من النظرة الأولى، فلنغادرها ببطء، ولنمنحها فرصة أخرى.

فربما لم تكن اللوحة غامضة، وربما كانت عيوننا هي التي لم تتعلم بعدُ كيف تقرأ، وربما كان الفنان قد ترك لنا عمدًا شيئًا ناقصًا...كي نكمله نحن.

فوراء كلّ لون حكاية، ووراء كلّ لوحة ذاكرة، ووراء كلّ عينٍ قارئة عالمٌ كامل، وألفُ حكايةٍ تُروى وراءَ اللون.

وفي آخر الطريق عدتُ إلى تلك الصفحة الأولى التي أوقَفني عندها لونٌ صغير فوجدتني أمام الحكاية وقد اكتملت دائرتها بلون قادني إلى درويش، ودرويش قادني إلى السيميائيات، والسيميائيات فتحت أمامي أبواب اللوحة، واللوحة أعادتني إلى الإنسان وذاكرته ومكانه. ومنذ ذلك اليوم صرتُ كلما وقفت أمام لوحة أمهل عيني قليلًا مترقبة خروج الحكاية من بين طبقات اللون.

أرى شجرةً فتنهض في داخلي أرضٌ كاملة، وألمح نافذةً فتتسع خلفها ذاكرة بيت، وأتوقف عند ثوبٍ فتعود ملامح نساءٍ حملن الوطن في خيوطه.

عندها أفهم أنّ الفنان يضع اللون على القماش، ثم يتركه يسافر وحده، من عينٍ إلى عين، ومن ذاكرةٍ إلى ذاكرة حتى يصبح أثرًا حيًا في وجدان من يراه.

وتبقى اللوحة معلّقة على الجدار بينما تبدأ حكايتها الحقيقية في القلب.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين 🇵🇸

في المثقف اليوم