عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: «غناء اللوحة».. حين تتحول الألوان إلى قصيدة

دراسة نقدية في البنية اللغوية والجمالية والفكرية والسيميائية والنفسية والاجتماعية

حين يتحول اللون إلى صوت، وتصير اللوحة نصاً مفتوحاً على الذاكرة، لا يعود الفن التشكيلي صمتاً على قماش، بل يصبح غناءً آخر للحياة. وفي قصيدة «غناء اللوحة» للشاعر السوري فرحان الخطيب، تتجاور الكلمة واللون، ويتداخل الشعر بالتشكيل، فتغدو اللوحة فضاءً تستعيد فيه الذاكرة الأم والأب والأرض والقرية والتاريخ والحب. إنها قصيدة لا تكتفي بتأمل تجربة الفنان، بل تحاول الإصغاء إلى ما تقوله الألوان حين تعجز اللغة عن القول، وتكشف كيف يستطيع الفن أن يمنح الأشياء الغائبة حياة ثانية في الوجدان. ومن هنا تأتي هذه القراءة محاولةً للإنصات إلى الموسيقى الخفية التي تنبعث من اللوحة، وإلى ذلك الحوار الجميل بين عين الرسام وقلب الشاعر.

"غناء اللوحة"

..((إلى أخي عَامر فنّاناً تشكيليّاً)).

-1-

منْ اينَ هذا اللحنُ في الألوانِ..

والتّشكيلُ يصدحْ..

أو كيفَ تدعو الجُلّنارَ إلى

خيالكَ !!؟؟..

كيفَ قامَ الزّهرُ يمرحْ !!؟؟..

إنّي رأيتُكَ حينَما خبَّأتَ عشقَكَ..

في ثنايا اللوحةِ الخرساءِ..

قامَ العشقُ يفضَحْ..

- 2 -

لمْ أدرِ كيفَ تصاعدتْ زفراتُكَ

الحرَّى..

إلى لونٍ مجنّحْ !!

وحَملْتَ من عبقِ الثّرى..

أُمّاً وتنّوراً يمورُ..

و (غُمْرَ ) أرغفةِ الملوّحْ..

- 3 -

قُلْ لي بأيّ براعةٍ..

جسّدتَ هذا الشيخَ في البستانِ..

قُرْبَ التّين والزّيتون..

وقْتَ الفجرِ..

يخمُشُ ذاكَ الثّلمَ..

والمحراثُ خدَّ الأرضِ جَرّْحْ..

وتطلُّ من زوّادةٍ أفعى..

تُشاطرُهُ الطّعامَ..

تسلُّ بينَ الأرضِ تسرَحْ..

- 4 -

إنّي لَأُدهشُ..

إنْ نظرتُ إلى أبي..

في صورةٍ يسمو بها..

فأراهُ في صمتِ البلاغة..

فوقَ سحرِ القولِ..

أفصَحْ..

- 5 -

قُلْ كيفَ ترسمُ مقلتاكَ..

عطوفةَ ( الباشا ) كصقرٍ..

يقنصُ الجيشَ المسلّحْ !!؟؟..

- 6 -

أوْ كيفَ تقطُفُ من ربا التّاريخِ..

أعمدةَ الحضاراتِ التي..

رقَصتْ على أجراسِ مَسْرَحْ !!؟؟

قلْ كيفَ ترتسمُ الشّآمُ..

على يديكَ كأنَّها..

بوّابةُ التّاريخِ للآتينَ والغادينَ تُفتحْ..!!؟؟

- 7 -

قلْ كيف تبزغُ..

من أناملِكَ النّديّةِ..

زهرةَ اللوز التي طافتْ..

على (شعفٍ) ومنها اللّوزِ فَوّحْ..

أوْ كيفَ تنتظرُ المضافةُ..

خُطْوةَ الضّيفِ الجديدِ..

وَديكُها يعلو بهِ جَرْسُ الغناءِ..

يصيحُ..

يعلمُ ، أنْ سَيُذْبَحْ..!!؟؟

- 8 -

قُلْ كيفَ تسحبُ منْ عناقيدِ الغرام..

خمورَها..

وتصبُّها في آنياتِ الانتظارِ !!؟؟..

تكادُ من دَنِّ التّرقُّبِ..

نأْمةَ العشّاقِ تنضحْ..

ويُضيءُ لونُكَ للشموعِ سؤالَها..

وتظلُّ لوحتُكَ السّخيّةُ..

كلّما شاهدتُها..

تعصى على فهمي وتشرحْ..

- 9 -

هذي شموسُكَ يا أخي..

ياقوسَ ألوانٍ تفيضُ..

لتغسلَ الكونَ المملّحْ..

إنّي فديتُكَ يا أخي..

لمّا أزلْ..

أدعو لكي ترقى وتنجحْ..

لابُدَّ أنّكَ ناجحٌ..

والكلُّ حولك إنْ أرادَ الحبَّ..

يَجْنَحْ..

***

شعر: فرحان الخطيب.

***

من صمت اللوحة إلى غناء القصيدة:

تقوم قصيدة «غناء اللوحة» للشاعر السوري فرحان الخطيب على تجربة إبداعية مزدوجة، تتجاور فيها الكتابة الشعرية مع الفن التشكيلي، ويتحول فيها اللون إلى صوت، والصورة إلى خطاب، والصمت إلى غناء. فالقصيدة ليست وصفاً خارجياً للوحة، ولا تعليقاً نقدياً على تجربة الفنان، وإنما هي محاولة لإعادة إنتاج التشكيل بلغة أخرى؛ أي أن الشاعر لا ينقل اللوحة إلى القصيدة بقدر ما يعيد اكتشافها من داخل حساسيته الشعرية.

وهنا تكمن أهمية العنوان: «غناء اللوحة»؛ فاللوحة، في أصلها، فضاء بصري صامت، والغناء فضاء صوتي زمني. والجمع بينهما يؤسس منذ العتبة الأولى لمفارقة جمالية تقوم على تحويل الحاسة إلى حاسة أخرى: ما يُرى يصبح مسموعاً، وما يصمت يصبح ناطقاً، وما هو لون يصبح لحناً.

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً في الاستهلال:

««من أين هذا اللحن في الألوانِ

والتشكيل يصدح»»

فاللون لا يُرى فحسب، بل يُسمع، والتشكيل لا يبقى ساكناً، بل «يصدح». ومن هنا تنشأ استراتيجية القصيدة الأساسية: أنسنة اللوحة وإكسابها صوتاً وذاكرة وحركة وروحاً.

وقد أشار الشاعر نفسه، في حوار منشور، إلى أن وقوفه أمام أعمال أخيه عامر الخطيب قاده إلى كتابة «غناء اللوحة»، مستشهداً ببدايتها، وهو ما يؤكد أن القصيدة نشأت من تفاعل مباشر بين التجربة الشعرية والتجربة التشكيلية.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتحرك لغة القصيدة بين الفصحى الشعرية الموروثة واللغة التصويرية الحديثة. وهي لغة ذات ميل واضح إلى الفعل والحركة، وليس إلى الوصف الساكن.

نلاحظ كثافة الأفعال:

تصدح، تدعو، يمرح، قام، خبأت، يفضح، تصاعدت، حملت، يمور، جسدت، يخمش، يجرح، تطل، تشاطر، تسرح، يسمو، يقنص، ترقص، تبزغ، طافت، فوح، تنتظر، يعلو، يصيح، يذبح، تسحب، تصب، تنضح، يضيء، تعصي، تشرح، تغسل، ترقى، تنجح، يجنح.

وهذه الأفعال ليست مجرد أدوات نحوية؛ إنها آلية التشكيل الأساسية في القصيدة. فالشاعر يريد أن يجعل اللوحة تتحرك أمام العين، ولذلك لا يكتفي بالأسماء والألوان، بل يحمّل الأشياء أفعالاً بشرية وحركية.

ومن أبرز الظواهر الأسلوبية التشخيص، كما في:

«والتشكيل يصدح»

و:

«قام العشق يفضح»

و:

«تنتظر المضافة»

و:

«ويضيء لونك للشموع سؤالها»

فاللون يضيء، والعشق يفضح، والمضافة تنتظر، والشموع تمتلك سؤالاً.

وهذا التشخيص يمنح الأشياء استقلالاً دلالياً، فالعالم في القصيدة ليس مجموعة أشياء جامدة، وإنما عالم حيّ تتكلم عناصره وتتحرك وتتذكر.

الانزياح اللغوي:

أهم انزياح في النص هو الانزياح الحسي؛ فالقصيدة تبني ما يمكن تسميته تراسل الحواس:

- اللون يصبح لحناً.

- التشكيل يصبح صوتاً.

- العشق يصبح شيئاً مختبئاً في ثنايا اللوحة.

- الأرض تصبح جسداً يُجرح.

- السؤال يصبح ضوءاً.

- الصمت يصبح بلاغة.

- اللوحة تصبح كائناً يعصي الفهم ويشرح في آن.

ومن أعمق العبارات:

«فأراه في صمت البلاغة

فوق سحر القول.. أفصح»

هنا يبلغ الانزياح ذروته؛ فالصورة البصرية تتجاوز اللغة نفسها، حتى يصبح الصمت أفصح من القول.

وهذه مفارقة بلاغية ذات قيمة تأويلية كبيرة: الفن التشكيلي، في نظر القصيدة، لا يحتاج إلى اللغة لكي يقول؛ بل قد يكون أكثر بلاغة من اللغة نفسها.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

تتميز المعجمية الشعرية في النص بامتزاج ثلاثة حقول رئيسة:

أ ـ الحقل الفني

اللون، التشكيل، اللوحة، الرسم، الصورة، أنامل، مقلتاك، شموس، ياقوس ألوان.

ب ـ الحقل الريفي

التين، الزيتون، الفجر، المحراث، الأرض، الزوادة، الأفعى، المضافة، الديك، اللوز، الشعف، الأرغفة، التنور.

ج ـ الحقل التاريخي والحضاري

التاريخ، الحضارات، الشام، بوابة التاريخ، الآتون والغادون.

وهذا التداخل بين الحقول ليس اعتباطياً، لأنه يكشف عن رؤية ترى الفن التشكيلي باعتباره ذاكرة ثقافية شاملة: القرية، الأم، الأب، الفلاح، الأرض، المضافة، الضيف، التاريخ، الشام.

وبذلك لا تصبح اللوحة صورة منفردة، وإنما تصبح أرشيفاً للهوية.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

لا تعتمد القصيدة على نظام القصيدة العمودية التقليدية من حيث انتظام البيت والقافية، وإنما تتكئ على إيقاع تفعيلة مرن، يتشكل من تفاوت أطوال الأسطر، والتدوير، والتكرار، والتنغيم، والقوافي الجزئية.

واللافت أن الشاعر يكرر نهايات صوتية من قبيل:

يصدح - يمرح - يفضح - يلوّح - يجرح - يشرح - يجنح - ينجح

وهي شبكة صوتية ذات أثر واضح في بناء الموسيقى الداخلية.

فالتكرار الصوتي للحاء في خواتيم المقاطع يمنح القصيدة نبرة هوائية حادة، بينما يخلق تكرار الأفعال القصيرة المتتابعة حركة إيقاعية تشبه ضربات الفرشاة على سطح اللوحة.

وهنا تتحول القافية من وظيفة موسيقية تقليدية إلى عنصر رابط بين اللوحات والمشاهد.

كذلك يتكرر الأمر الاستفهامي:

«من أين؟»

«كيف؟»

«قل لي بأي براعة؟»

«قل كيف؟»

«أو كيف؟»

وهذا الاستفهام ليس طلباً حقيقياً للجواب؛ إنه استفهام إعجابي تأملي. الشاعر يعرف أنه أمام تجربة فنية لا تُستنفد بالإجابة، ولذلك يكرر السؤال كلما ظن أنه اقترب من سر اللوحة.

إن تكرار «كيف» يحول القصيدة إلى حوار مفتوح مع الفن.

ثانياً: البنية الفنية والرؤية الجمالية

١. المعمار الفني للقصيدة

تتكون القصيدة من تسعة مقاطع، ويمكن النظر إليها بوصفها تسع حركات في سيمفونية واحدة.

المقطع الأول: اكتشاف المعجزة

يبدأ الشاعر بالسؤال عن اللحن في اللون.

المقطع الثاني: استدعاء الأم والأرض والخبز

ينتقل الفن من التجريد إلى الذاكرة العائلية.

المقطع الثالث: الفلاح

تدخل الأرض في قلب اللوحة.

المقطع الرابع: الأب

تتحول اللوحة إلى ذاكرة شخصية حميمة.

المقطع الخامس: الباشا

ينفتح النص على التاريخ والشخصية الوطنية.

المقطع السادس: الشام والحضارات

يتسع الأفق من الأسرة إلى الوطن والحضارة.

المقطع السابع: القرية والمضافة

تعود القصيدة إلى الذاكرة الشعبية والطقوس الاجتماعية.

المقطع الثامن: الحب والانتظار

ينتقل اللون إلى المجال الوجداني.

المقطع التاسع: الخاتمة

تتجمع الشمس والألوان والحب والدعاء والنجاح.

وهكذا تتحرك القصيدة من:

اللوحة - الأسرة - الأرض - الأب - التاريخ - الشام - القرية - الحب - المستقبل.

وهذا مسار تصاعدي من الخاص إلى العام، ومن الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الجمعية.

٢. الرؤية الفنية

الرؤية الفنية الأساسية في النص تقوم على وحدة الفنون.

فالشاعر لا يرى حدوداً صلبة بين:

الشعر والرسم،

الصوت واللون،

الذاكرة والتاريخ،

الفرد والجماعة،

الأرض والإنسان.

ولهذا يمكن القول إن «غناء اللوحة» قصيدة عن الفن بوصفه لغة كونية.

فاللوحة عند الشاعر ليست شيئاً يُنظر إليه من الخارج، وإنما فضاء يدخل إليه المتلقي، ويجد فيه:

أمه، وأباه، وقريته، وأرضه، وتاريخه، وشامه، وحبه، وطفولته.

وهذا يتوافق مع ما هو منشور عن تجربة عامر الخطيب الفنية، حيث ارتبطت أعماله بموضوعات الأم والرغيف والفلاح والحصاد والقرية والأرض والذاكرة السورية.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

من أجمل الانزياحات في النص:

«خبأت عشقك

في ثنايا اللوحة الخرساء

قام العشق يفضح»

المفارقة هنا أن اللوحة «خرساء»، لكنها تكشف الحب.

وهذا يعني أن الصمت ليس غياباً للكلام، وإنما شكل آخر من أشكال الكلام.

ومن هنا يمكن قراءة «اللوحة الخرساء» بوصفها علامة على أن الفن التشكيلي لا يحتاج إلى النطق لكي يكشف المخبوء.

وكذلك:

«وتظل لوحتك السخية

كلما شاهدتها

تعصى على فهمي وتشرح»

هذه العبارة تمثل جوهر القصيدة كلها.

فاللوحة:

تعصى على الفهم، لكنها تشرح.

أي أنها ترفض أن تتحول إلى معنى نهائي، لكنها تفتح في الوقت نفسه أبواباً لا تنتهي من المعنى.

وهنا تقترب القصيدة من مفهوم النص المفتوح؛ إذ لا تُغلق الدلالة في تفسير واحد.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

لا تقوم القصيدة على خطاب فلسفي مباشر، وإنما تتضمن فلسفتها في طريقة بناء العلاقة بين الإنسان والفن.

الفكرة المركزية يمكن صياغتها هكذا:

الفن هو وسيلة الإنسان لإنقاذ الذاكرة من الفناء.

فالأم لا تعود أماً شخصية فقط، وإنما تصبح رمزاً للأصل.

والأب لا يبقى شخصية عائلية، وإنما يتحول إلى صورة للفلاح والجيل القديم.

والقرية لا تبقى مكاناً جغرافياً، بل تصبح مستودعاً للهوية.

والشام لا تبقى مدينة، بل تصبح:

«بوابة التاريخ»

وهذا التحول من الخاص إلى الجمعي يمنح القصيدة أفقها الإنساني.

٢. الأفق المعرفي

يتكئ النص على معرفة مركبة تجمع:

- الذاكرة الريفية.

- الثقافة العربية.

- التراث السوري.

- التاريخ الحضاري.

- الموروث الشعبي.

- الثقافة البصرية.

- الحس الشعري الحديث.

وهو لذلك نص يقف في منطقة وسطى بين الحداثة الشعرية والذاكرة التراثية.

فالقصيدة لا تتخلى عن الماضي لصالح الحداثة، ولا تعود إلى التراث عودة استنساخية، وإنما تستخدم الماضي مادة لإنتاج صورة معاصرة.

٣. البنية العميقة للمعنى: قراءة هيرمينوطيقية

إذا قرأنا القصيدة تأويلياً، فإن اللوحة تصبح نصاً يحتاج إلى قارئ.

وهنا يحدث تبادل للأدوار:

الفنان يقرأ العالم ويرسمه.

الشاعر يقرأ اللوحة ويكتبها.

القارئ يقرأ القصيدة ويعيد تخيل اللوحة.

وهكذا نصل إلى سلسلة:

العالم - اللوحة - القصيدة - القارئ.

ولا توجد في هذه السلسلة نقطة نهائية للمعنى.

ولهذا فإن العبارة:

«تعصى على فهمي وتشرح»

ليست خاتمة عابرة، بل يمكن اعتبارها المفتاح التأويلي للقصيدة كلها.

إنها تعلن أن الفن الحقيقي لا يمنحنا إجابة واحدة، بل يجعلنا أكثر وعياً بأسئلتنا.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

تستمد القصيدة جزءاً كبيراً من قوتها من البيئة الثقافية السورية الجنوبية، ولا سيما عالم شعف والسويداء، بما يحمله من مفردات الريف والمضافة والزراعة والتين والزيتون واللوز والأرض والخبز.

وتؤكد الكتابات المنشورة عن تجربة عامر الخطيب أن القرية ومشاهد الطفولة والأم والفلاح والأرض ظلت حاضرة في ذاكرته الفنية، وأن عدداً من أعماله استند إلى هذه الذاكرة الريفية.

وبذلك فإن الشاعر لا يصف لوحة منفصلة عن بيئتها، بل يستعيد البيئة التي أنتجت اللوحة.

٢. تطور النوع الأدبي

يمكن وضع النص ضمن مسار قصيدة التفاعل بين الفنون؛ أي القصيدة التي تستمد مادتها من الفن التشكيلي.

وهنا نجد ما يسمى في الدراسات الحديثة بالتفاعل بين الوسائط أو التناص الفني بين الشعر والتشكيل.

لكن الخطيب لا يحول القصيدة إلى شرح للوحات، بل يجعل اللوحة محفزاً لإنتاج نص شعري مستقل.

وهذا فرق جوهري.

فالقصيدة ليست:

«هذه اللوحة تمثل كذا».

بل هي:

«ماذا فعلت اللوحة بي؟»

وهذا الانتقال من وصف العمل إلى أثر العمل هو ما يمنح النص شعريته.

٣. الارتباط بالتراث

يظهر التراث في القصيدة من خلال مفردات مثل:

المضافة، الزوادة، التنور، الأرغفة، الفلاح، المحراث، التين، الزيتون، الديك، اللوز، الشام.

وهي ليست زخارف تراثية، بل مكونات في نظام ثقافي كامل.

فـ«المضافة» مثلاً ليست مجرد مكان، وإنما رمز للضيافة والانتماء الاجتماعي.

و«الخبز» ليس طعاماً فقط، بل علامة على الأم والعمل والاستمرار.

و«المحراث» ليس أداة زراعية فحسب، بل علامة على علاقة الإنسان بالأرض.

وهكذا تنتقل الأشياء من معناها المباشر إلى معناها الحضاري.

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النبرة الغالبة هي الدهشة الممزوجة بالمحبة والحنين.

والقصيدة في عمقها ليست قصيدة نقد فني بقدر ما هي قصيدة اعتراف وجداني.

فالنداء:

«يا أخي»

يتكرر بوصفه محوراً عاطفياً.

والأخ هنا ليس الفنان فقط؛ إنه شريك الذاكرة.

ولهذا تبدو القصيدة وكأنها استعادة مشتركة لطفولة واحدة.

٢. اللاوعي والذاكرة

تتكرر صور الأم والأب والخبز والأرض والقرية بصورة لافتة.

وهذه العناصر يمكن قراءتها نفسياً بوصفها عقد الذاكرة المؤسسة للذات.

الأم تساوي الأصل.

الأب يساوي السلطة - العمل - الأرض.

الخبز يساوي الاستمرار.

الأرض تساوي الانتماء.

القرية تساوي الطفولة.

الفن يساوي استعادة ما يوشك على الغياب.

وعلى هذا المستوى يصبح الفنان عامر أشبه بمن يحفظ العالم من النسيان بواسطة اللون، بينما يصبح الشاعر من يحفظ اللوحة من الصمت بواسطة اللغة.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

١. المجتمع داخل اللوحة

القصيدة لا تعزل الفن عن المجتمع.

فالعمل الفني يستوعب:

الفلاح،

الأب،

الأم،

الضيف،

المضافة،

المرأة،

الديك،

الأرض،

الحصاد،

التاريخ.

وهذا يجعل الفن في القصيدة فعلاً اجتماعياً.

وهو أمر يتقاطع مع التصور المنشور عن عامر الخطيب للفن بوصفه رسالة اجتماعية وأخلاقية ووطنية وإنسانية، لا مجرد ممارسة جمالية منفصلة عن الحياة.

٢. السلطة والأخلاق الاجتماعية

يظهر ذلك بوضوح في:

«عطوفة الباشا كصقر

يقنص الجيش المسلح»

فهنا تنتقل القصيدة من القرية إلى المجال السياسي والتاريخي.

لكن الشاعر لا يقدم قراءة سياسية تفصيلية، وإنما يستدعي صورة تاريخية مكثفة، بحيث تصبح الشخصية رمزاً للقوة والمقاومة والذاكرة الوطنية.

وهذا يفتح النص على سؤال العلاقة بين الفن والتاريخ:

هل يستطيع اللون أن يعيد بناء الذاكرة السياسية؟

القصيدة تجيب عملياً: نعم، لأن التاريخ حين يدخل اللوحة يتحول من سجل إلى وجدان.

سابعاً: الأسس السيميائية

هذه من أغنى مستويات القصيدة.

١. اللوحة بوصفها علامة كبرى

اللوحة هي العلامة المركزية التي تتفرع عنها علامات أخرى:

اللون - الحياة

الأرض - الهوية

الأم - الأصل

الأب - الذاكرة

الخبز - البقاء

الزيتون - الجذور

اللوز - الجمال

المضافة - الجماعة

الديك - الزمن - الموت

الشام - الحضارة

الشموع - السؤال

٢. الثنائيات الضدية

يبني النص مجموعة من الثنائيات:

الطرف الأول- الطرف الثاني

الصمت- الصوت

اللوحة- القصيدة

اللون - اللحن

الماضي - الحاضر

الحياة- الموت

الأرض - التاريخ

الفرد - الجماعة

الواقع - الفن

الفهم - الغموض

الغياب - الحضور

وأقوى هذه الثنائيات:

الخرس - الغناء

فاللوحة «خرساء»، لكن عنوان القصيدة يقول إنها «تغني».

وهذا التناقض هو المحرك الجمالي الأكبر للنص.

٣. الأفعى والديك: علامتان تستحقان التوقف

في المقطع الثالث:

«وتطل من زوادة أفعى

تشاطره الطعام»

الأفعى هنا تكسر المشهد الريفي الآمن.

فهي ليست مجرد عنصر طبيعي، بل يمكن تأويلها بوصفها علامة على تداخل الحياة بالخطر.

أما الديك:

«ويعلو به جرس الغناء

يصيح

يعلم أن سيذبح»

فهذه من أكثر صور القصيدة كثافة.

فالديك يغني وهو يعرف أن مصيره الذبح.

إنها مفارقة وجودية:

الحياة تغني وهي تعرف أنها مؤقتة.

وهنا ترتفع القصيدة من الوصف الريفي إلى التأمل في المصير الإنساني.

ثامناً: القراءة البلاغية التفصيلية

الاستعارة

«اللحن في الألوان»

استعارة تجمع الصوت باللون.

«التشكيل يصدح»

إسناد فعل سمعي إلى المرئي.

«المحراث خد الأرض جرح»

تحويل الأرض إلى جسد.

«يضيء لونك للشموع سؤالها»

تحويل اللون إلى كاشف للسؤال.

التشخيص

العشق يفضح.

المضافة تنتظر.

اللوحة تشرح.

الشموع تسأل.

وهذه كلها تمنح الجمادات حياة داخل النص.

الطباق والمفارقة

أوضحها:

خرساء - تفضح

صمت - بلاغة

تعصي - تشرح

يغني - يذبح

وهذه ليست مجرد محسنات بديعية؛ إنها تحمل الفكرة الفلسفية للنص.

تاسعاً: البعد الإنساني والسياسي الشامل

على الرغم من أن القصيدة موجهة إلى أخ، وأن مناسبتها شخصية وفنية، فإنها تتجاوز حدود العلاقة الأخوية.

فالأب يتحول إلى صورة الإنسان العامل.

والأم تتحول إلى ذاكرة الأمهات.

والفلاح يتحول إلى علاقة الإنسان بالأرض.

والشام تتحول إلى ذاكرة حضارية.

والضيف يتحول إلى قيمة أخلاقية.

والخبز يتحول إلى معنى إنساني.

ولهذا يمكن القول إن البعد السياسي في النص ليس خطاباً حزبياً أو مباشراً، وإنما هو سياسة الذاكرة والهوية والمكان.

إن الدفاع عن القرية، والأرض، والخبز، والذاكرة، والتاريخ، هو في ذاته دفاع عن الإنسان ضد النسيان.

عاشراً: ملاحظات نقدية على البناء

والقراءة النقدية الجادة لا تكتفي بالإشادة، بل تشير أيضاً إلى بعض المواطن التي كان يمكن للنص أن يكون أكثر اقتصاداً فيها.

أولاً، تتكرر بنية السؤال:

قل كيف..؟

أو كيف..؟

قل لي..؟

وهو تكرار وظيفته الإيقاعية والدلالية واضحة، لكنه في بعض المواضع يقترب من النمطية.

ثانياً، بعض الصور تميل إلى التفسير أكثر من الإيحاء، ولا سيما حين ينتقل الشاعر إلى الدعاء المباشر في الخاتمة:

«لابد أنك ناجح

والكل حولك إن أراد الحب يجنح»

فالنص قبل هذه النهاية كان أكثر توتراً وغموضاً وثراءً تأويلياً، ولذلك كان يمكن لنهاية أكثر إيحاءً أن تترك القارئ في فضاء اللوحة نفسها بدلاً من الانتقال إلى خطاب الدعاء المباشر.

ثالثاً، بعض المفردات التراثية، مثل «شعف»، تبدو ذات كثافة محلية عالية، وهي جميلة في سياق الهوية والمكان، لكنها تحتاج لدى القارئ غير المألوف بالبيئة إلى سياق دلالي يساعد على استيعابها.

ومع ذلك فإن هذه الملاحظات لا تنقض وحدة التجربة، بل تشير إلى المسافة الممكنة بين الشعرية العالية والاقتصاد الشعري.

الحادي عشر: الشاعر والفنان — علاقة التوأم الإبداعي

من أهم ما يجعل القصيدة مميزة أنها لا تقيم علاقة خارجية بين شاعر وفنان، وإنما تكشف عن تجاور تجربتين تنتميان إلى ذاكرة واحدة.

فالشاعر يكتب عن أخيه، لكن الأخ ليس موضوعاً خارجياً تماماً؛ إنه جزء من ذاكرة الشاعر نفسها.

ولهذا نجد أن قصيدة «غناء اللوحة» تتقاطع عضوياً مع الكتابات المنشورة عن تجربة عامر الخطيب، والتي تستعيد طفولة الأخوين في شعف، ومشاهد الحقول والكروم والأرض والأم والفلاح، وتقدم هذه العناصر بوصفها منابع أساسية للتجربة الفنية.

كما أن صدور كتاب بعنوان «غناء اللوحة في أعمال الفنان التشكيلي عامر الخطيب» لمكسيم إيليوف يؤكد أن عنوان القصيدة نفسه صار لاحقاً جزءاً من الحضور النقدي والفني المحيط بتجربة الفنان.

ومن هنا يصبح العنوان أكثر من عنوان قصيدة: إنه مفهوم جمالي يصلح للدخول إلى تجربة الفنان كلها.

الثاني عشر: البنية العميقة للقصيدة

إذا أردنا اختزال البنية العميقة في صيغة واحدة، فإنها تقوم على المعادلة الآتية:

اللون يحفظ الذاكرة،

والذاكرة تحفظ الإنسان،

والإنسان يحول الذاكرة إلى فن.

وهذه الدائرة تجعل اللوحة وسيلة لمقاومة الزمن.

فالزمن يأخذ:

الأب،

الأم،

الطفولة،

القرية،

الفلاح،

العادات،

الأمكنة.

لكن الفن يعيدها.

ولهذا فإن «غناء اللوحة» ليست قصيدة عن الرسم وحده، وإنما قصيدة عن مقاومة الفناء بالفن

الثالث عشر: الحكم النقدي العام على التجربة

تكمن القيمة الجمالية الأساسية في «غناء اللوحة» في نجاحها إلى حد بعيد في تحويل الفنون من موضوعات منفصلة إلى لغة واحدة.

فالشاعر لا يشرح الرسم، بل يرسم بالكلمات.

ولا يصف اللون، بل يمنحه صوتاً.

ولا يستعيد الذاكرة بوصفها ماضياً، بل يجعلها حاضراً متحركاً.

ولا يقدم التاريخ كوثيقة، بل يحوله إلى صورة.

ولا يجعل الريف خلفية، بل يجعله أحد أبطال القصيدة.

ومن الناحية الأسلوبية، تتكئ القصيدة على:

التشخيص، والاستعارة، والمفارقة، والتكرار، والاستفهام، والتراسل الحسي، والانزياح، والتدوير، والقافية الجزئية، والموسيقى الداخلية.

ومن الناحية السيميائية، تتحول الأشياء إلى علامات تتجاوز حضورها المادي.

ومن الناحية النفسية، تستند القصيدة إلى الحنين والحميمية وذاكرة الأخوة والأم والأب والقرية.

ومن الناحية الاجتماعية، تستعيد منظومة الريف العربي بما فيها من العمل والضيافة والزراعة والخبز والمضافة.

ومن الناحية الفكرية، تطرح سؤالاً أعمق من ظاهرها:

هل يستطيع الفن أن يمنح الأشياء حياة ثانية؟

والقصيدة تجيب من داخل بنائها، لا من خلال التنظير:

نعم؛ لأن ما رسمه الفنان لا يعود مجرد لون على قماش، وما كتبه الشاعر لا يعود مجرد كلمات؛ كلاهما يتحول إلى ذاكرة قابلة للحياة من جديد.

خاتمة:

إن «غناء اللوحة» نص يتأسس على مفارقة مركزية: أن تجعل اللوحة الصامتة تغني، وأن تجعل الألوان تتكلم، وأن تجعل الذاكرة قابلة للرؤية.

وفي عمق القصيدة، لا يغني اللون وحده؛ إنما تغني وراءه الأم، والأب، والقرية، والأرض، والتاريخ، والشام، والخبز، والمضافة، والحب، والطفولة.

ولعل أكثر ما يلخص التجربة قول الشاعر:

«وتظل لوحتك السخية

كلما شاهدتها

تعصى على فهمي وتشرح»

فهذه العبارة يمكن أن تكون مفتاحاً تأويلياً للقصيدة كلها؛ لأن الفن العظيم لا يستسلم لتفسير نهائي، ولا يغلق أبواب الدلالة، وإنما يظل يراوغ الفهم لكي يفتح أمام المتلقي إمكانات جديدة للرؤية.

ومن هنا فإن «غناء اللوحة» تنجح في بناء جسر بين العين والأذن، اللون والكلمة، الذاكرة والحاضر، الفرد والجماعة، الفن والحياة.

إنها، في جوهرها، قصيدة عن اللوحة، لكنها في طبقتها الأعمق قصيدة عن الإنسان وهو يحاول أن يهزم النسيان بالجمال.

وهذه هي القيمة الإنسانية العليا التي تمنح النص مشروعيته الجمالية: فالفن هنا ليس ترفاً زخرفياً، وإنما طريقة في حفظ ما يخشى الإنسان أن يفقده؛ طريقة تجعل الأم باقية في الخبز، والأب في المحراث، والقرية في اللوز والزيتون، والتاريخ في اللون، والأخ في اللوحة، والقصيدة في الذاكرة.

وبذلك يتحول «غناء اللوحة» من عنوان إلى رؤية:

حين يعجز الواقع عن الاحتفاظ بما نحب، يتكفل الفن بأن يمنحه حياة أخرى.

***

عماد خالد رحمة – برلين.

في المثقف اليوم