قراءات نقدية
كاظم أبو جويدة: المقالة النقدية للمسلسل العراقي "اسمي حسن"
حين تجلس أمام الشاشة متابعاً "اسمي حسن" للمرة الأولى، تظنه مسلسلاً رمضانياً كسواه - يفتح بيوت العراقيين على مصاريعها ويملأ الشاشة بالأصوات والوجوه والحكايات المتشابكة. غير أنك سرعان ما تكتشف أنك أمام عمل أعمق من ذلك بكثير؛ فالكاتب حامد المالكي والمخرج سامر حكمت لا يعرضان عليك حكاية، بل يضعانك في مواجهة سجلٍّ ما زال مفتوحاً - شيء يخصّك، يحتاج إلى جلسة محاكمة أنت الشاهد الوحيد فيها، دون أن تُسأل إن كنتَ مستعداً للشهادة أو لا.
هذا المسلسل يضجّ بالصور البلاغية والحقائق الإنسانية والتاريخية حتى يكاد الناقد يضيع في ثرواته الجمالية؛ فكل مشهد يستدعي توقفاً، وكل شخصية تحمل نسيجاً يستحق التشريح. وقدِ احتاج ذلك مني أكثر من خمسة آلاف كلمة للإحاطة بجماليات المسلسل المتعددة. غير أنني، عن سابق إصرار وترصّد، ورغبةً في أن تُقرأ هذه المقالة لا أن تُهجر لطولها، سأتجاوز كل ذلك وأقتصر على لحظة واحدة متميزة شهدتها نهاية الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة - لحظةٍ اكتشفت فيها أن الحلقات الخمس عشرة كلها كانت تمشي نحوها بتؤدة وصمت، دون أن تفسد متعة المتابعة أو تكشف عن وجهتها قبل الأوان.
وقبل الوصول إلى تلك اللحظة، ثمة توطئة ضرورية تتحدث عن طبيعة هذا العمل وما الذي جعله مختلفاً في المشهد الدرامي العراقي والعربي.
في زمن تتكاثر فيه المسلسلات كمّاً على حساب النوع، جاء "اسمي حسن" مغايراً لكل ما سبقه؛ يستحضر سنة 1982 من قبرها الساكن في الذاكرة الجماعية ويجلسها أمامنا على مائدة السحور. عام الدجيل، عام إحكام البعث قبضته الحديدية، عام موجة القمع التي طالت الشباب خاصة.
المسلسل يرسم آلية الاستبداد كسرطان يتجاوز تغييب الجسد إلى تفكيك الهوية وإعادة برمجتها؛ الضحية فيه تتحوّل إلى منفِّذة لتفاصيل هذا السرطان بعد أن ينكسر فيها كل ما كان يقاوم، والألم يغدو نظاماً دقيقاً لإنتاج الطاعة. والاعتراف في سجون الطاغية كان في حقيقته: محاولة انتحار للمعتقل - الثمن الأخير الذي يدفعه الإنسان إيقافاً للتعذيب والفكاكَ منه.
ثمة مسافة حقيقية تفصل بين متفرجٍ على دراما وشاهدٍ على حدث عاشه هو، أو ذووه، أو كل من تربطه به صلة إنسانية. "اسمي حسن" يُعيد رسم هذه المسافة ليلغيها.
الموت قتلاً وتصفيةً وظلماً في تلك الأيام كان مباغتاً بلا مقدمات، يأتي في الليل أو في وضح النهار، سواءٌ بسواء... في الصلاة أو في الشارع، لا فرق... في المقدس أو في المدنس، وارد جداً. تفاصيل المكان والزمان والحصانة والطقس كلها فقدت معناها وخصوصيتها دفعةً واحدة.
هذا الانقطاع عن لغة الصورة التلفزيونية التقليدية ينطوي على فعل أعمق من مجرد خيار جمالي؛ إذ يُعيد برمجة آلية قراءة المتن البصري ذاته. المسلسل يرتقي منذ لحظته الأولى من كونه وسيطاً درامياً إلى حقيقة سياسية قاسية تتكئ على الذاكرة الجماعية وتُعيد صياغتها بمخيال خاص يحمل بصمة حامد المالكي وحده. فما يترسّخ في الوعي بعد المشاهدة إجابةٌ راسخة على سؤال ظلّ يسكن الصدور همساً طويلاً: ما الذي حدث يومها؟
" "اسمي حسن" يصنع واقعاً موازياً يُقيمك فيه شاهداً ومشاركاً، عوضاً عن الاكتفاء بوصف الواقع من بعيد.
ولفهم كيف يصنع المسلسل هذا الواقع الموازي، ثمة وقفة ضرورية عند بنيته الهيكلية التي تشتغل باتساق معماري مضمر. خمس عشرة حلقة تقوم على ما يمكن تسميته "البنية الدائرية مع التراجع الديناميكي": أربع دورات متصاعدة في الانغلاق، كل دورة تُوهم بإمكانية الخروج ثم تُحكم القفل.. الدورة الأولى (الحلقات 1-3) تقدم الحرية النسبية والخطر الكامن. الدورة الثانية (الحلقات 4-6) تقدم الاختيار المزعوم واستحالته الحقيقية. الدورة الثالثة (الحلقات 7-9) تقدم التسليم الإرادي والفقدان المطلق. الدورة الرابعة (الحلقات 10-15) تقدم الانقياد الكامل والعدم. في كل دورة يبدو الخروج ممكناً - الهرب، السفر، الاعتراف - وكل "خروج" يقود في حقيقته إلى انغلاق أعمق.
وهذا البناء الدائري يجد صدىً في إيقاع السرد ذاته؛ الحلقات الأولى تتحرك ببطء، تراكم التفاصيل وتبني الشخصيات طبقةً فوق أخرى، ثم يتسارع الإيقاع بعد الحلقة السادسة تسارعاً محسوباً، وبحلول الحلقة الخامسة عشرة تتراكم الأحداث بسرعة مغايرة تماماً. هذا التسارع اختيار فني واعٍ في صميمه؛ إذ يعكس الشعور النفسي للشخصيات بدقة مدهشة: حين تكون حراً تتمنى أن يمر الوقت ببطء، وحين تكون محاصراً يسقط الوقت من بين يديك، وحين يلوح لك حبل المشنقة في أفق جبروت الطغاة، يتحوّل الزمن إلى وطأة بثقل صاروخ سجيل الإيراني.
والآن لنسلّط الضوء على اللحظة المُستلّة من العمل، تلك التي أشرت إليها في مفتتح المقالة والتي اخترتها عن قصدية معرفية رغم اكتناز المسلسل بالكثير من أبجديات الوعي والدراما والحقيقة والجمال الفني.
وقف المسلسل عند لحظة توليفية بالغة الذكاء حين جمع الحسنَين في توقيت واحد في زنزانة واحدة: أحدهما "حسن" إسلامي شيعي يقرأ لمحمد باقر الصدر، والآخر "حسن" شيوعي يقرأ للينين وماركس وسارتر. الجامع بينهما اسمٌ واحد وقعَ في فم معتقل آخر بتفاصيل أخرى تحت وطأة التعذيب فاستوى دليلاً كافياً لسلطة صادرت الاسم قبل أن تصادر الجسد.
ما بناه الكاتب حامد المالكي هنا أدقّ من المصادفة الدرامية – بل تجاوزها؛ فالحسنان يمثّلان خطّين أيديولوجيين يتسيدان المشهد العراقي في تلك الحقبة ويتوجّسان من بعضهما تاريخياً، غير أن السلطة الخائفة توحّدهما بقرار واحد. التعذيب لا يُفرّق بين كتاب ولا بين عقيدة؛ يختار الاسم ويبني التهمة وفق تأويلاته المزاجية. والأشد وطأةً أن الحسنَين يحملان صفة مشتركة أعمق من الاسم: كلاهما في عمر الزهور، واعٍ، منفتح، يقرأ ويسأل ويُكوّن. هذا الوعي هو بالضبط ما يجعلهما خطرَين في منطق الاستبداد؛ القراءة تهمة، والتفكير جريمة، والشباب المتفتح مشروع تمرد مؤجَّل في عين السلطة الخائفة.
وحين تبلغ هذه المعادلة ذروتها الدرامية في الحلقة الأخيرة على حافة المشنقة، يلتقي الحسنان مرة أخرى في قاعة الإعدام دون محاكمة دون شهود سوى قلم أحمر أطلق العناق لدكتاتوريته ليشطبهما من سجل الأحياء. لِقاؤهما من جديد يقوم على الاسم وحده، دون رابط دم أو قضية بتفاصيل مشتركة أو أي شيء يعرفه منطق الدراما عادةً.
صعدوا جميعاً بالسلم ذاته إلى المنصة ذاتها - الحسنان والأزلام في مستوى واحد، كأن المنصة تتظاهر بالمساواة لحظةً قبل أن تكشف نيّتها. ثم تحرّكت العتلة بيد أحدهم صاحبها خارج الكادر (طبعاً يجهل اغلبنا من حرّكها على وجه الدقّة)، ربما هي السلطة ذاتها أو قائدها ومحركها العالمي المجهول - فنزل الحسنان عن مستوى الواقفين، وصار الأزلام هم الأعلى بوجوههم الكالحة وشواربهم الكثة المتدلية قذارة.
لكن ما لم تحسبه العتلة: أن أقدام الحسنين المتدلية باتت ترتفع فوق مستوى من كان يرقب المشهد من الأسفل، تلك السلطة التي آثرت أن تُدير المشنقة دون أن تقف على منصتها خوفاً من مستقبل مشابه – مستقبل فايروسي مُعدٍ.
وهنا يُبدع سامر حكمت برسم اللقطة كما يُجيد رسّام الفريسكو مايكل انجلو تثبيت اللحظة قبل أن تبتلعها الحركة - مشهد ثابت يختزل ما عجزت عنه ألف مسلسل ومسلسل: قدمان تركلان الفراغ، وفي هذا الركل ما هو أعمق من وداع الجسد للروح؛ أقدامهما المتدلية في النزع الأخير تركل فوق رؤوس تلك السلطة التي لا تحضر لحظة الموت بنفسها بل تُوكّل أدواتها وتُبقي يديها نظيفتين.
الحبل - أداة الإذلال المزعومة - هو ما جعل أقدامهما ترتفع في اتجاه من لا يُرى في الكادر، تركله دون أن تقصد ودون أن يستطيع الدفاع.
وخلفهما في العمق البصري ذاته يتسمّر الأزلام بشواربهم الكثّة جامدِين كتماثيل شمع، حاضرين في الكادر غائبين عن معناه - أدوات مكتملة الحضور منقوصة الإرادة. المسافة بين المعلَّقَين والواقِفِين هي المسافة ذاتها بين من انتهى كل شيء بالنسبة إليهم (التهمة – الاسم – شماتة الاحياء) وبين من لم يبدأ لديهم شيء قط (عدم لا غير).
ما جعل هذا الكادر بمشنقته وضحاياه وجلاديه يتنفس هو ما قدمه تحسين داحس وأمير إحسان رغم خفاء وجهيهما بالكيس الأسود. الأول في دور حسن الشيوعي والثاني في دور حسن الإسلامي - لكن المشاهد لا يرى ممثلَين يؤدّيان، بل يرى حياةً تجري في زمنها الخاص غير مُستأذنة من الكاميرا. كيمياؤهما مع بعضهما ومع العدسة في آنٍ واحد هي تلك النادرة التي لا تُصنَع في البروفة ولا تُكتسب بالتقنية؛ أداء راكز عفوي تلقائي كأن النص لم يُكتب قط وكأن اللقطة تسرق حياةً لا تعلم أنها تُصوَّر. واحد يحمل لينين والآخر يحمل الصدر، وكلاهما في الكادر الأخير يحمل الشيء ذاته: خفّة من لم يعد ثمة ما يثقله.
ترتفع الكاميرا من الأقدام الراكلة إلى الرأسين الغائبين خلف كيس الإعدام الأسود فيتوهج حامد المالكي وسامر حكمت مرّة أخرى بفلاش باك صوتي يستعيد لحظة دخول حسن الشيوعي السجن ليلتقي بحسن الإسلامي:
- اسمي حسن حبيبي. (يضحك حسن الإسلامي)
- شو تضحك؟
- آني هم اسمي حسن.
يضحكان سوية لسخافة الموقف، وقد تعلقا بالمشنقة ذاتها التي أُكره بسطاء الشعب على تخيّلها حبلَ نجاة، حين دقّت السلطة شعاراتها في آذانهم (على ظهور الشگر شدّوا الخيّاله...حلو نوط الشجاعة يلوگ لابطاله) حتى غدا الوهم يقيناً - يقيناً لا خياراً لديهم معه.
هذه الضحكة تستحق التأمل النقدي العميق؛ ضحكتهما سوية تفجّرت باتساق فونيمي كأن التشابه بينهما امتد حتى بلغ إيقاع ضحكتهما ذاتها - هي ضحكة تتجاوز خانة الاستهانة بالموت وخانة الجنون معاً، وتغدو الإجابة الوحيدة الممكنة على كل شيء، على سخافة الوجود برمته.
بعد تلك اللحظة المحددة-حين يضحك الحسنان مشنوقَين-اختار القائمون على المسلسل إدخال "داده حسن" بصوت أنوار عبد الوهاب الشفاف. لا نعرف ما إذا كانت قدحة درامية استفزت مخيال حامد المالكي، أو حقيقة جمالية أشعلت وعي سامر حكمت، أو ذاكرة جمعية عميقة تؤكد أن جمال الكلمات والصوت هو ما استدعى هذه النهاية العظيمة جسداً وصوتاً.
"داده حسن" من كلمات علي الهنداوي وألحان الراحل محمد جواد أموري، وغناء السيدة أنوار عبدالوهاب أنتجت سنة 1973 - أغنية تناجي بل تنعى حسناً بالاسم وتلومه بحنان، استعاض سامر حكمت عن موسيقى الأغنية الأصلية بتوليفة من تتر بداية المسلسل مكتفياً بصوت المطربة. هذا ليس حذف موسيقى عابر-إنه تفكيك زمني متعمد: موسيقى التتر تعيدك فوراً إلى الحلقة الأولى-إلى حيث بدأنا قبل أن نعرف من هو حسن الحقيقي.
الخيار الأهم: الأغنية لا تُسمع متصلة. بل كل بيت أو مقطع يرافق مشهد معين من المسلسل. هذا يعني: البيت الأول لا ينتظر النهاية، بل ينفجر عند الصورة التي تستحقه. البيت الثاني قد يأتي بعد فاصل زمني صوري، مرتبطاً بلحظة مختلفة من الألم الموثق. الأغنية لا تستنزف نفسها دفعة واحدة، بل تعود بجرعات مختلفة من الحزن.
في داده حسن التي أعدها سامر حكمت لابد من الإشارة إلى البيت الأصلي الذي يحمل التأنيب والمحاسبة - والذي تم نفيه تماماً من الرؤية - النسخة المعروضة مع التايتل النهائي:
حيل وبعد وياك هاي...... الردته؟
مو گالت الشمات...... ما حسبتها؟
واعتقد أنَّ سبب الحذف هو تأويل هذا السطر الذي يبدو ليس سؤالاً بريئاً. إنه توبيخ من الأهل، من الناس، من الذاكرة الجمعية.
"حيل وبعد وياك" = أنت كنت هنا، كان بإمكانك أن تفعل غير ذلك. "هاي الردته؟" = هذا ما تيقنته أفكارك؟ هذا مصيرك الذي اخترته بيديك؟ هذا الذي كنت تحلم به وترجوه؟.
المسؤولية كاملة ملقاة على حسن وحده. أنت من قرر أن يكون إنساناً حراً في عالم يكره الأحرار. والثمن-الشنق، الوحدة، الموت-هو ما يستحقه من اختار هذا بعينين مفتوحتان. كم انت شقي يا حسن؟.
والشق الثاني من البيت (مو گالت الشمات ما حسبتها؟ ) فيه من التأويل الذي كان سيشرق به المسلسل أكثر لو أن الأغنية المرافقة للتر قد تضمنته كالأبيات الأخرى لكنني متأكد أن سامر حكمت أراد للأغنية أنَّ تكون نعياً خالصاً لحسن لا تأنيب فيه.
إذن تعالوا معي لتحليل الشطر الثاني من البيت .. (مو گالت الشمات ما حسبتها؟) عبارة يلتبس سماعها حتى على أبناء اللهجة أنفسهم فالمسموع يبدو كأنه "مو گالت الشمات ما حسبتها" غير أن التأمل في النص يكشف أن الملحن حوّر العبارة الأصلية صوتياً، وأن الأصل هو تساؤل حقيقته "مقالة الشمات... ما حسبتها؟" - أي أن حسن لم يحسب حساباً لكلام ومقالة الشامتين ولا لتبعاته. والدليل اللغوي قاطع: ضمير "ها" في "ما حسبتها" مؤنث، يعود على "مقالة" المؤنثة وحدها، ولا يستقيم إلا بها وليس مع (مو گالت).
وهذا المعنى يحتمل وجهين محترمين: إما أن حسن كان شجاعاً حراً لا يعبأ بما يقوله الشامتون وهو فعل تاريخي اتسم به الأبطال الأفذاذ على غرار علي والصدر وجيفارا، وإما أنه كان ساذجاً لم يقدّر ثمن تلك "كلام الناس" وهو رأي الأغلبية المدجنة الخائفة من خيالها. والاختيار الحصيف للأغنية هذه تترك التأويلين معاً مفتوحين دون أن تختار بينهما.
وحين تدخل "داده حسن" في تلك اللحظة تحديداً - حين يضحك الحسنان مشنوقَين – تتكشف وجوههما من خلل الكيس الاسود. ربما كانا شجاعين فلم يحسب الحسنان حساب مقالة الشامتين بوقوف أزلام النظام خلفهم بهيئتهم الحقيرة. وربما لم يحسباها فدفعا الثمن غالياً وهي الأرجح ولأجلها حذفها القائمون على المسلسل من التايتل النهائي.
والمفارقة أن الضحكة المشتركة للحسنين، هي في حد ذاتها أقوى رد ممكن على كل شامت - وأعمق دليل على أن "مقالة الشمات" لم تُحسب، ولن تُحسب لان ما كانا عليه وما فعلاه هو عن سبق يقين وقصدية لا تراجع فيها وإعلان انتماء لا ندم فيه وطز بمن يقول غير ذلك.
ختام أغنية "داده حسن" يصبح بكاءً جماعياً على كل حسن - كل من اغتيل، كل من فُقد، كل من لم يستطع البقاء إنساناً تحت ضغط النظام. لكن الأغنية تُذكر بأمر وجودي مهم {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}: "لا أم تحن لبچاي. لا خاله وياي"، هذا هو المصير النهائي - وحدة مطلقة، لأننا لا نشبه الآخرين نعيش الوحدة الانفجارية.. أفكارنا يخاف الجميع من الاقتراب منا خوفا من العدوى – عدوى الأفكار التي تكون نتيجتها: جسد يتدلى تحت مشنقة لا تعترف بحرية الفكر.
في النهاية، يبقى ما أنجزه الكاتب حامد المالكي برفقة المخرج سامر حكمت أعمق بكثير من مجرد حُسْنُ توزيع أدوار بين الممثلين؛ فالعملان معاً رسما حضور الشخصيات بوصفه فعلاً بنيوياً داخل العرض، لا زينةً على هامشه. كل شخصية - من الشيخ حسين مروراً بالحاج ناظم وعائلته كخط أول، وحسن الشيوعي وحسن الإسلامي وسالم الانتهازي كخط ثانٍ، مروراً برجالات السلطة وأذنابها كخط ثالث، وحتى عيون المدينة وشخصياتها الاجتماعية كخط رابع - تحمل قيمتها الدرامية الكاملة وتؤدي وظيفتها في المنظومة السردية دون أن تطغى على ما جاورها أو تذوب فيه. هذا التوازن الصارم في الحضور هو ما منح العرض نسيجه المتماسك، إذ ظهر الممثلون أبطالاً بالتساوي، في الضوء وفي الظل، في الفعل وفي الصمت.
والأدق في هذا الإنجاز أن الشخصيات التي تمثل أداة القمع - السجانون والمعذِّبون - جاءت مرسومةً بالعناية الدرامية ذاتها التي أُوليت لضحاياها. هذا الاختيار الاخراجي يُفكّك الصورة النمطية المريحة التي تُبسّط الاستبداد إلى أشرار من ورق؛ فحين يُمنح الجلاد حضوراً إنسانياً مكثفاً، تتضاعف فداحة ما يرتكبه وتتعقد معها مسألة المسؤولية الأخلاقية.
وإلى جانب هذا البناء الإنساني للشخصيات، وظّف المخرج سامر حكمت تقنية الذكاء الاصطناعي في استعادة بغداد الثمانينيات؛ شوارعها وأرصفتها وحركة الناس فيها، والمركبات ذات الطابقين التي كانت علامةً على تلك الحقبة. توظيف التقنية هنا جاء في خدمة الذاكرة دون البهرجة البصرية؛ فالمدينة المُعاد بناؤها تُضفي على الأحداث ثقل الحقيقة وتُرسّخ الإحساس بأن ما يجري على الشاشة حدث فعلاً في هذه الشوارع بالذات، على هذه الأرصفة، بجوار هذه السيارات.
ولإحقاق الحق، لا بد من التعريج على أداء الممثلين، مع احترامنا لبقيتهم بعد أن قيّمنا أداء تحسين داحس وأمير إحسان آنفاً. فلا يسعنا إلا أن نورد تقييمنا المنصف لبقية الممثلين.
1- محمود أبو العباس (الحاج ناظم)
حضور فيزيائي مهيب. تدرج الأداء من الثبات الكاذب إلى الانهيار الداخلي متقن ومقنع. استخدام الصمت والإيماءة البسيطة والصوت الطبيعي والنظرات المتهدّلة لشيخ كبير مبتلى بمسؤولية الحفاظ على من يرتبط به يدلّ على خبرة تمثيلية عالية. محمود أبو العباس فنان قدير صعب تكراره.
2- زهرة بدن (صفية)
أداء بسيط وفعّال (سهل ممتنع) يجسّد الزوجة التي تعيش داخل القلق العائلي والمسؤولية بحراك دؤوب لصيانة البيت وأفراده من كل سوء اجتماعي وحكومي. الاعتماد على التعابير الدقيقة والصوت الكثيف بالقلق يدلّ على احتراف عالٍ. الحضور الهادئ رغم مأساة التحديات التي تعيشها يخلق ضغطاً نفسياً حقيقياً على المشهد، فيدفع به ليكون هوية للإبداع ونموذجاً للحضور الممتع. كل ذلك تجلّى في تمثيلها مع اجتهاد عاطفي أمومي قلّ نظيره.
3- حسين علي صالح (جمعة)
الممثل القدير الذي ظُلم كثيراً من قبل الإعلام العراقي، قدّم شخصية الرفيق جمعة كواحد من أعظم الأدوار الدرامية في التلفزيون العراقي. ميزانُ أدائه التحكم في الصوت والحركة اللذين عكسا الضعف المؤسسي البعثي دون مبالغة. التناقض بين محاولات القوة والانهيار الداخلي قُدّم برصانة احترافية.
4- بتول كاظم (أم حسن)
أداء اقتصادي في استخدام العناصر التمثيلية لتحقيق تأثير عميق. الحركات القليلة المختارة والصوت الضعيف يعكسان الحضور المتفجّر فلسفياً والغياب الوجودي القادم. كفاءة عالية في تحويل القليل إلى معنى كثير-إشارة إلى مشاهدها القليلة التي تمّ نسجها بأصابع خبير، حيث اجتهد حامد المالكي وسامر حكمت بتوهّجها درامياً في خدمة المسلسل. نجحت بتول كاظم في تحويل شخصية "أم حسن" من مجرد دور مساند إلى واحدة من أكثر الشخصيات التي علقت في أذهان المشاهدين.
5- محمود شنيشل (أبو حسن الإسلامي)
أداء حساس في تجسيد الأب المحطّم بفقدان الابن والخوف على مصيره المحتوم المتوقّع. التحكم الدقيق في الملامح يعكس الألم المكبوت دون درامية مفرطة. الصوت المتداعي والنظرات العائمة خدمت الشخصية بمهنية واضحة. وخاصة صراخه خلف ابنه حسن لحظة دفعه لمنصة الإعدام شنقاً بكلمة (بويه) الحميمية التي قطعت نياط قلوب المشاهدين.
6- زياد الهلالي (العميد عصام)
توازن احترافي بين الصلابة الحكومية والقلق الداخلي العائلي الخفي القابع خلف منصات الندم. التحكم في طبقات الصوت والحركة يعكس خبرة تمثيلية متقدّمة. الأداء يتجنب النمطية ويحافظ على التعقيد الإنساني للشخصية.
7- مجد الخضر (سالم)
يتميّز مجد الخضر بقدرة لافتة على "العيش داخل الشخصية"، وقد تجاوز تمثيلها الحدود المتوقّعة، وهو ما أشاد به متابعوه على نطاق واسع. شخصية سالم تحتاج إلى توازن دقيق بين الطاعة والمكر الضمني، وهو ما أدّاه بتحكم واضح دون مبالغة أو تسطيح.
8- علي صبيح (شوقي)
قدم لنا علي صبيح شخصية شوقي بإتقان يبعث على الفخر باستخدامه تنويعات صوتية دقيقة تعكس حالات الشخصية النفسية؛ من الهمس الحميمي عند الحوارات الفكرية إلى الارتفاع الحاد في لحظات الصراع والخوف والقلق، مما يشير إلى وعي عالٍ بآليات التعبير الصوتي.
"عموماً. اسمي حسن" بهذا المعنى الشامل - في كتابته وإخراجه وأداء ممثليه وتوظيفه للتقنية - عمل يصعب تكراره، وأشق منه تجاوزه. صنع من الذاكرة فناً، ومن الجرح شهادة، ومن الاسم البسيط بياناً إنسانياً يتجاوز زمنه إلى كل زمن تحوّل فيه الوجود ذاته إلى تهمة.
***
كاظم أبو جويدة







