الزمن الكتابي في (لغة بأعضاء داخلية) لأمل عايد البابلي
قد تكون التفاصيل التي تبدو لنا هامشية، أحياناً، أكثر قدرة على إضاءة بنية النص، من العناوين الكبيرة، والمواضيع البارزة، ونجاري ربما بذلك العبارة الانجليزية الشهيرة (الشيطان يكمن في التفاصيل)، فثمة تفصيل صغير في المجموعة الشعرية (لغة بأعضاء داخلية) للشاعرة أمل عايد البابلي، قد يمر به القارئ مروراً عابراً، وربما لا يلفت انتباهه، وهو التاريخ المصاحب النص.
تضم المجموعة ثلاثة وأربعين نصاً، تتوزع فيها التواريخ على اربعة وثلاثين نصاً فقط، وتنتظم بتواريخ متتابعة، من1/4/2026 إلى 19/5/2026 إلا في بعض المواضع، حيث يتقدم أحد التواريخ عن موقعه ضمن الخارطة الزمنية، المبنية على التتابع، وهو تاريخ نص (غيمة في السجن بتهمة المطر)، إذ أنه يحمل تاريخ 17/5/2026 بينما النص الذي يسبقه 24/4/2026 ، والذي يأتي بعده 26/4/2026، بالإضافة إلى أن هناك بعض النصوص تشترك بنفس التاريخ، وهذا الانتظام الزمني ليس تفصيلاً خارجياً، لأن القارئ يجد أثراً زمنياً يتكرر حتى يكاد يصنع تقويماً خفياً للمجموعة.
لذلك فإن أردنا قراءة المجموعة وفق هذا التقويم الزمني، يمكننا التمييز بين ثلاثة أزمنة تتجاور فيها، زمن التجربة، وزمن الكتابة، وزمن ترتيب النصوص، فالأول هو الزمن الذي يمكننا أن نطلق عليه (الزمن الثيماتي) –إن جاز لنا التعبير- الذي تعيش فيه الذات كـ(أنا النص) ما تعيشه من فقد وحزن وغياب وحرب وذاكرة، والثاني هو التاريخ المثبت أسفل النص، أما الثالث فهو الزمن الذي يخلقه ترتيب النصوص داخل المجموعة، ولا يشترط أن تتطابق هذه الأزمنة حتى تنتج دلالة؛ فربما تكون المسافة بينها هي من تمنح المجموعة جزءاً من فرادتها.
إن تثبيت التاريخ أسفل النص يمنحه لأول وهلة صفة توثيقية، وكأن الشاعرة تخبرنا، أن النص لم يأت من فراغ، لقد حدث في يوم محدد، لكن المفارقة أنه يقاوم هذا التحديد؛ إذ لا يحكي بالضرورة ما وقع في ذلك اليوم، ولا يُقدم كيوميات بالمعنى المباشر.
يكشف التاريخ في هذه المجموعة عجزه عن احتواء التجربة الشعرية، إذ أن هناك يوم محدد مثبت بالأرقام، لكن ما يحمله النص لا يملك التاريخ نفسه، فهو يمتد إلى ما قبله وما بعده، ويعود إلى الذاكرة، ويتقدم إلى الاحتمال، ويتحول من تجربة شخصية إلى صورة أوسع للوجود.
لذا يمكننا النظر إلى عناوين مثل (حين يتقن الحزن كتابتك)، و(نسخة لا تُستعاد)، و(حين يغيب وجهك... تبدأ الحرب)، و(جغرافيا الغياب حين يتحول إلى مناخ)، كعلامات على انتقال الحزن من كونه حالة إلى كونه زمناً، فلا يقع الحزن في هذه المجموعة داخل الزمن؛ إنه يعيد تشكيله، حين (يتقن) الحزن كتابة الذات، يصبح فاعلاً في إنتاج النص، وحين يتحول الغياب إلى (مناخ)، يصبح بيئة تقيم فيها تلك الذات، حيث تكشف نصوص المجموعة هذا التنامي فمن (الفراغ) و(الانطفاء) و(الجفاف) إلى (الغياب) و(القيامة) و(اللغة) و(الأجساد).
تؤرخ الشاعرة نصها، لكنها لا تؤرخ بالضرورة الحدث الذي يتحدث عنه، لينفصل زمن الكتابة عن زمن التجربة، وقد تكون هذه المسافة مقصودة أو غير مقصودة على مستوى وعي الشاعرة، لكنها موجودة كأثر نصي، ومن حق القراءة أن تسأل عما ينتجه هذا الأثر.
يضع ترتيب المجموعة نص (حين ينكرني الفراغ) في البداية، ثم تتابع العناوين الأخرى مثل (مجرات من انطفاء)، و(جفاف يتعلم المشي)، و(خطاي تلتهم أحدهما الأخرى)، ثم (كيف تربي ظلك)، و(مشرط الماء في جسد العدم)، و(هندسة الظل الأخير)، وصولاً إلى (حين يتقن الحزن كتابتك) و(نسخة لا تستعاد)، وهذه ليست بالضرورة حكاية ذات بداية ووسط ونهاية، لكن ترتيبها يسمح بقراءة حركة داخلية، من الفراغ إلى الحزن، ومن الحزن إلى الجسد، ومن الجسد إلى اللغة، ثم من الذات إلى العالم.
لكن يجب أن لا نستعجل بالقول إن المجموعة رتبت نصوصها وفق التسلسل الزمني لكتابتها، إذ أن هناك اضطرابات في تلك التواريخ، كما أسلفنا، وهو ما يحذرنا من بناء استنتاج قطعي على الترتيب الطباعي وحده، لكن هذه الملاحظة لا تلغي السؤال؛ فإن لم يكن ترتيب المجموعة نسخة مطابقة لتسلسل الأيام، فما الذي يحدث حين ينتقل النص من زمنه الخاص إلى الزمن المرفق به؟
حين يكتب النص في يوم معين يمتلك زمناً خاصاً، لكن إدخاله في مجموعة شعرية ينتزعه جزئياً من ذلك الزمن، ليصبح جزءاً من بنية أكبر، وبذلك ينتقل النص من زمن الكتابة إلى زمن المجموعة، لتتشكل دلالة، بين الزمنين، لا يمكن العثور عليها في النص منفرداً، ويمكن ملاحظة ذلك في التحول التدريجي الذي تشهده المجموعة من داخل الذات إلى خارجها، ففي بداياتها تكثر مفردات الفراغ والانطفاء والظل والعدم، ثم تتقدم موضوعات المأوى والغياب والأم والحرب والكارثة، قبل أن تتسع الدائرة في النصوص الأخيرة لتشمل المدينة والشارع والأجساد، هذا التحول لا يعني أن الذات تختفي؛ على العكس، إنها تخرج من داخلها إلى العالم وهي تحمل جرحها معها.
في نص (قيامة صغيرة تحت الجلد) على سبيل المثال:
في المرآة
أرى أمرأة ً تُبدل أعضاءها كل َّصباح
كما تُبدلُ ألمدن ُأسماء َشوارعها بعد ألحروب.
أصابعي ليست لي تماماً،
إنها فروعُ شجرة ٍهرمة
دفنتُها في طفولتي،
ثم عادت لتنمو من يدي
كل ما صافحت ُحزناً.
أمي تقول ُإنني وُلدت ُطبيعية،
لكن ألممرضةَـ على ما أ ذكرـ
كانت ْتلتقط ُمن تحت ألسرير
قطعا ًصغيرة ًمن ألغيوم
تساقطت ْمن فمي أثناء ألبكاء.
تعود القيامة إلى الداخل، إلى الجسد، وإلى ذاكرة تتصل بالطفولة والحرب والمدينة، وفي نص (لغةٌ تنزف من الداخل) والمقطع الذي تقول فيه الشاعرة إنها (كبرت/ حتى صار قلبي لغة بأعضاء داخلية) تتكثف العلاقة بين الجسد واللغة والذاكرة في صورة واحدة، لكن هذه اللغة لا تبقى حبيسة الداخل طويلاً، ففي النهاية تصل المجموعة إلى نص (مكنسة تكنس الأجساد من الشارع):
لم تكن الرصاصة
تعرف ُصدرهُ.
كانت ْتبحث ُعن رغيف ٍأختبأ طويلاً
في جيب ِعامل نظافة
لهذأ،
حين َسقطَ،
تناثرت ْأرغفة صغيرة من عيونِ أطفالِهِ،
وأمتلأَ الليل ُبفتات ألجوع
لم يمت الرجل ُ وحدهُ
سقطت ْ معه ُ المائدة
وألملحُ
والكرسي ُّالوحيد ُألذي كان َ ينتظرُ عودتَه
ككلب ٍأليف
في تلك ألليلة.
حيث يسقط عامل النظافة برصاصة، وتبقى مكنسته شاهدة على جسد لم يعد قادراً على إتمام عمله، فنهاية المجموعة تعيد قراءة بدايتها بطريقة مختلفة، فالنجاة التي ظهرت في الإهداء كمحاولة ينتج عنها (عضو جديد للحزن) لا تنتهي إلى خلاص، الجسد الذي كان في البداية مجالاً للحزن يصبح في النهاية أجساداً في الشارع، واللغة التي نمت داخل الجسد تنتهي أمام سؤال عما ينبغي تنظيفه أولاً، الشارع أم البشر، عند هذه النقطة يتجاوز النص تجربة الذات من دون أن يتخلى عنها، ويتحول الجرح الداخلي إلى جرح في المدينة.
ومن الممكن أن نفهم هذا التحول كأرشفة لتحول الحزن، فنصوص المجموعة لا تقدم الحزن دفعة واحدة؛ إنها تتابع تغير أشكاله، فيبدأ فراغاً، ليصير ظلاً، ثم جسداً، ولغة، وحرباً، إلى أن يصبح مدينة، ولذلك فإن قراءة النصوص بحسب موضوعاتها وحدها قد تفوت جانباً من حركتها؛ لأن ما يتغير هو موقعها في الزمن.
ويصبح مفهوم (الزمن الكتابي) حاضراً في القراءة، وما أقصده هو الزمن الذي ينشأ من حضور تاريخ الكتابة داخل المجموعة حين يتحول التاريخ من معلومة خارجية إلى أثر يشارك في تنظيم علاقتنا بالنصوص، أن تكرار التواريخ يجعل من الممكن قراءتها كسلسلة من العلامات، لهذا لا يمكن وضعها مباشرة تحت لافتة (قصيدة اليوميات)، فاليومية تفترض علاقة معينة بين الكتابة واليوم المعيش، بينما ما نراه أكثر التباساً، التاريخ حاضر، لكن الحدث غائب أو متحول، والزمن محدد على الصفحة لكنه مفتوح داخل النص.
ولعل هذه المفارقة هي التي تمنح المجموعة جانباً من قوتها، فهي تريد أن تمنح اللغة أعضاء داخلية، لكنها تمنح الزمن أيضاً طبقات داخلية، فثمة تاريخ ظاهر يمكن للقارئ أن يراه، وثمة زمن آخر لا يظهر إلا حين تتجاور النصوص وتتبادل مفرداتها وصورها وندوبها، وإذا كان عنوان المجموعة يتحدث عن أعضاء لا تُرى من الخارج، فإن الزمن الذي تبنيه المجموعة يشبه هذه الأعضاء، لا يظهر كموضوع، لكنه يعمل في الداخل.
تؤرخ الشاعرة نصوصها كي تثبت لحظتها، لكن المجموعة تفعل العكس؛ فهي تنزع النصوص من لحظاتها المفردة وتعيد تركيبها في زمن شعري آخر، وهكذا يصبح هذا التاريخ بدايتها الثانية، فلا يسجل الشعر، في هذه الحالة، جرحه؛ إنه يؤرخه، ثم يعيد تشكيله بعد أن يخرج من يوميته وهذه المسافة بين لحظة الكتابة وزمن القراءة، هي التي تجعل مجموعة (لغة بأعضاء داخلية) قابلة لأن تُقرأ كتجربة في الزمن بقدر ما هي تجربة في اللغة والجسد والحزن.
فإذا كان "الإهداء" يقول إن كل محاولة للنجاة تنبت في الجسد عضواً جديداً للحزن، فإن قراءة المجموعة في امتدادها الزمني تقترح احتمالاً آخر، وهو أن النصوص قد تنمو أيضاً، وتغير أعضاءها، وتبدل مواضع ألمها، انطلاقاً من المكنسة والجسد والرصاصة، فلا تعود المسألة شأناً داخلياً خالصاً، لقد خرج ما كان ينمو تحت الجلد إلى العالم، لذلك يمكننا قراءة المجموعة برمتها كسيرة زمنية لجرح يكتب نفسه؛ سيرة للشعر وهو ينتقل من لحظة الكتابة إلى زمن القراءة، ومن الداخل إلى الخارج، ومن العضو الخفي إلى الجسد الذي صار مرئياً.
***
أمجد نجم الزيدي
...............
- لغة بأعضاء داخلية (مجموعة شعرية)، أمل عايد البابلي، دار السومري، ط1 الناصرية 2026








