عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعاد الراعي: الذات بين المنفى والذاكرة والفناء في

"سباعيات مبعثرة" للشاعر عادل الحنظل

تتحدى قصيدة "سباعيات مبعثرة" كتجربة شعرية، من خلال عتبة العنوان ذاته، منطق الوحدة العضوية التقليدية للقصيدة.

فالعنوان يحمل مفارقته الجوهرية بين "السباعيات "، ذات البناءٌ الموحي بالنظام والعدد المحسوب، وبين "المبعثرة"، وهي نعتٌ ينسف هذا النظام من الداخل.

هذه المفارقة المقصودة هي المفتاح التأويلي الأول لفهم القصيدة بأسرها:

عشرة مقاطع تبدو، للوهلة الأولى، جزرًا منفصلة، لكنها في العمق تنتمي إلى أرخبيلٍ واحد تحكمه لواعج نفسية موحدة، هي جغرافيا الذات المبعثرة والملمومة في كل شيء، كخيط ناظم يلمّ شتات الغربة، والذاكرة، والطقوس، والانتظار، والجسد ذاته.

يعتمد الشاعر بنيةً مقطعية سباعية، بلغة بليغة تقترب من الشعر الحر في تحرره من القافية الموحدة، مع احتفاظه بإيقاع داخلي متوتر تصنعه المفارقات المتلاحقة أكثر مما يصنعه الوزن.

تتجلى براعته الإبداعية في المفارقة الصورية التي تفتتح بها كل مقطع تقريبًا:

" تُصَلّي قافِلَتي نحوَ قِبلَةٍ أُخرى"

في المقطع الأول، ثم انعكاس الصورة إلى ضدها في

" لكنّني كالشَجرِ العاري

لا تَهُزّني الرياحُ..

للصَلاة"،

 حيث يتحول فعل العبادة من حركة إلى سكون، ومن يقين إلى عبثية الانتظار بلا استجابة.

هذه التقنية، أي بناء الصورة ثم تقويضها في السطر التالي مباشرة، هي السمة الأسلوبية الأبرز التي تمنح القصيدة توترها الداخلي، وتجعل من كل مقطع بنيةً درامية مصغّرة، لا وصفًا عاديا.

يدور المحور الفكري للقصيدة حول سؤالٍ فلسفي واحد يتكرر بصياغات متعددة: سؤال الأثر في مواجهة الفناء. ففي المقطع الثالث، يتحول الشاعر إلى حجر ثقيل،

" فصِرتُ كالحَجَرِ الثَقيل

نسيَ الجِبالَ التي أنجَبَته

وهي صورة تحمل عمقًا وجوديًا يذكّر بفلسفة الاغتراب الوجودي حيث ينفصل الكائن عن أصله ويصبح موضوعًا عاجزًا عن الفعل، منتظرًا فقط

تركُلُهُ الريحُ.. والمَطَر...

وأنتظِر.. أنتظِر

ركلةً أُخرى"،

 هذا التحول من الذات الفاعلة إلى المفعول بها يمتد إلى المقطع السادس، حيث

"قصيدة بلهاء"

تُنهك الشاعر بدل أن يمتلكها، في انقلابٍ ساخر لعلاقة الشاعر بأداته الإبداعية ذاتها.

الفلسفة الكامنة هنا أقرب إلى عبثية وجودية مطعّمة بحسٍّ صوفي مُجهَض، حيث يسعى الشاعر إلى تجاوزٍ روحي

" لعَلّي أفتحُ بابًا الى السَماء..."

لكنه يصطدم دائمًا بمادية الجسد وثقل التاريخ الشخصي.

يتخذ البعد الاجتماعي في القصيدة شكل المفارقة بين المكان الجديد

(يوتيبوري، المدينة السويدية التي ترد صراحة في المقطع الثاني) والمكان الأصلي الغائب.

لا يقدَّم المنفى هنا بوصفه جغرافيا بديلة مريحة، بل بوصفه جسرًا " الجِسرُ الذي يًحمِلُني كلّ يوم

في يوتيبوري

لا تَجري تَحتَهُ طُفولَتي"،

أي فضاءً معاديًا للذاكرة، يضطر الشاعر معه إلى انتحال هوية مغايرة:

"فأخلع عن وجهي القناع

لأبتزّ من يعبرون..

بسحنتي"،

في صورة قاسية تكشف كيف يتحول المهاجر أحيانًا إلى سلعةٍ بصرية، هويةٍ مستهلَكة يُقايض بها في سوق ما يدعى بالاندماج.

هذا البعد الاجتماعي يتقاطع مع البعد الإنساني الحميم في مقطعي الجدة والأم (الرابع والثامن)، حيث تنكسر لغة الاغتراب أمام دفء الذاكرة العائلية:

 رائحة الجدة التي

"أشمُّها.. أشمُّني

وحينَ أغرَقَتْني ألسَبعون

ترَكتُ نصفَ الفِراش..

لها"

" وأم "

"غَسَلَتْ أمّي حافةَ الصَباح

بأوراقِ السِدر"

" في تعبيرٍ عميق عن حنين طقوسي إلى طهارة الطفولة الأولى، طهارة يستحيل استعادتها إلا بوصفها فقدانًا.

يتصاعد البعد الديني تدريجيًا من إشارات عابرة "أدعية، صلاة، تبتّل"

"تُصَلّي قافِلَتي نحوَ قِبلَةٍ أُخرى

تُردّدُ كلما دَنَوت

أدعيةَ العُميان"

 إلى تكثيفٍ رمزي في المقطع الأخير، حيث

" كأنّني فارِسٌ من طين

أيبَسَتْهُ الشَمس

في بلَدٍ يَتَبتّلُ فيهِ الظِلّ

كلّ عام

مرّتين"

وهي صورة تُقحم مفردة صوفية خالصة (التبتل) في سياقٍ طبيعي غير متوقع (الظل)، لتخلق التباسًا تأويليًا مقصودًا:

هل الظل هنا هو الروح المنقطعة عن جسدها الأصلي، المتبتلة قسرًا في أرض الغربة؟

ام هو تعبير عن برد الغربة؟

يستدعي هذا المقطع تراث النفري وابن عربي في تعامله مع "الوقفة" و"الظل" كرمزين للحجاب بين الذات والحق، لكن الحنظل يُفرغ الرمز الصوفي من غائيته الروحية التقليدية، ويجعله معلّقًا بلا خلاص، فالتبتل هنا فعلٌ بلا معبود واضح، أقرب إلى طقسٍ فارغ يمارسه الظل قسرًا لا اختيارًا.

كذلك يتردد رمز "باب سليمان" في المقطعين الخامس والثامن،

"للنَهرِ في بابِ سُليمانَ فَمٌ

غنّى للطينِ..

ولي

لا زالَ بابُ سُليمان..

يقطُرُ بين أصابعِها"

وهو رمزٌ يحمل ثقله الخاص والشخصي لأن الشاعر ولد هناك وقضى سني صباه وشبابه فيه، بالرغم من انه قد ينزاح نحو حمولة الرمز تراثيًا (بوابة الحكمة والملك في الموروث الديني)، لكن الشاعر يفرغه هو الآخر من سلطته الأسطورية ليجعله مسرحًا للطفولة ولصمتٍ يُغرق القارب "بلا مياه"، في مفارقة تجمع بين الغرق والجفاف، بين الفيض الأسطوري والجدب الواقعي.

يبقى الخيط الناظم لهذه السباعيات المتناثرة هو الذات الشاعرة نفسها، لا بوصفها كيانًا موحدًا، بل بوصفها مرآة مهشّمة تعكس كل مقطعٍ منها زاوية كسرٍ مختلفة: الذات المصلية العاجزة،

الذات المتنكرة في المنفى،

الذات الحجرية المنسية،

الذات الحاضنة لذاكرة الجدة،

الذات الغارقة في صمت النهر،

الذات المنهكة بقلمها،

الذات المخاطَبة في سبعينها،

الذات المتطهرة بالسدر،

الذات المذنبة في الحانة،

وأخيرًا الذات-الظل المتبتلة.

هذا التكرار البنيوي لضمير المتكلم عبر تنويعات متعددة هو ما يمنح "التبعثر" وحدته الخفية: فالقصيدة لا تروي قصة، بل ترسم بورتريهًا تكعيبيًا لذاتٍ واحدة من زوايا متعددة متزامنة.

تستدعي لغة الحنظل، في تكثيفها الصوري ومقاطعها المفاجئة، تجربة وحساسية شعراء المنفى العراقي والعربي عمومًا، ممن كتبوا الغربة تحديدًا، حيث يتحول المكان البارد في البلد الاسكندنافي حيث يعيش الشاعر إلى مرآة تعكس دفء الذاكرة الغائب لا نقيضًا جغرافيًا فحسب.

 كما يحضر ذلك في صدى بعيد لتجربة محمود درويش المتأخرة في "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"، حيث يتحول الشعر إلى مساءلة الذات لذاتها أكثر منه خطابًا موجهًا إلى الآخر.

تبدو "سباعيات مبعثرة" أشبه بطقس عبورٍ لم يكتمل، حيث يقف الشاعر بين ضفتين:

ضفة الأصل التي فقد الاتصال بها "الجسر لا تجري تحته طفولتي"،

وضفة المنفى التي لم يمنحه إياها إلا قناعًا مؤقتًا.

وبين الضفتين، يتحول الشعر ذاته إلى الجسر الوحيد الممكن، وإن كان جسرًا هشًا ابلهًا "بلهاء " كما وصفه الشاعر نفسه، عاجزًا عن الوصول لكنه غير قادرٍ على التوقف عن السعي. هذه هي، في تقديري، الرسالة الأعمق التي تحملها هذه السباعيات:

أن الكتابة، حين تعجز عن أن تكون خلاصًا، تظل مع ذلك الشكل الوحيد الممكن لمقاومة الفناء، ولو بتبعثر.

***

سعاد الراعي

......................

سباعيات مبعثرة

تُصَلّي قافِلَتي نحوَ قِبلَةٍ أُخرى

تُردّدُ كلما دَنَوت

أدعيةَ العُميان

لعَلّي أفتحُ باباً الى السَماء

لكنّني كالشَجرِ العاري

لا تَهُزّني الرياحُ ..

للصَلاة

**

2

الجِسرُ الذي يًحمِلُني كلّ يوم

في درسدن

لا تَجري تَحتَهُ طُفولَتي

كأنّما يمقُتُ آثاري

فأخلَعُ عن وجهيَ القِناع

لأبتَزَّ من يَعبُرون..

بسَحنَتي

**

3

غفَلتُ أن أُزَخرفَ السِنين

ببضعَةِ أسماء.. بضعةِ أيّام

فصِرتُ كالحَجَرِ الثَقيل

نسيَ الجِبالَ التي أنجَبَته

تركُلُهُ الريحُ.. والمَطَر

وأنتظِر.. أنتظِر

ركلةً أُخرى

**

4

ناصَفَتْني جَدّتي السَرير.. في العاشرة

لم يكُن عندَها زُجاجةُ عِطر

لكنّني.. كلّما شَرَطتُ ذاكرَتي

أشمُّها.. أشمُّني

وحينَ أغرَقَتْني ألسَبعون

ترَكتُ نصفَ الفِراش..

لها

**

5

للنَهرِ في بابِ سُليمانَ فَمٌ

غنّى للطينِ ..

ولي

لم أعرفْ أن النَهرَ تعلّمَ الصَمت

منذُ نأَيتْ

فأغرَقَ قاربي..

بلا مياه

**

6

في عَتمَةِ الفَجر

تَصُكُّ يدي على قَلمٍ بَليد

وقِرطاسٍ طَوِيّ

وفي فَمي مَرارةُ الأرَق

أسعىٰ كحالمٍ عَنيد

أجري.. وتُنهِكُني

قصيدةٌ بَلهاء

**

7

أنتَ

حلَلتَ في السَبعين

دَسَستَ في عُمرِكَ مفتاحاً

لا يفتحُ الرَغَبات.. متى أرَدت

دَعهُ على جدارِ الذاكرة.. صَدِئً

واضحك كثيراً.. كثيرا

كبائعِ السِنين

**

8

غَسَلَتْ أمّي حافةَ الصَباح

بأوراقِ السِدر

لا زالَ بابُ سُليمان..

يقطُرُ بين أصابعِها

ليتَكَ لم تزَل ذلكَ الطِفل

الذي تطَهّرَ كلّ صَباح

بالسِدر

**

9

في زاويةِ الحان

أرقُبُ الخُدودَ الحُمر

والأعيَنَ التي تُخجِلُ الضِياء

حتى الهَواء

أحبِسُ عِطرَه

كأنّ بي رَيبَةً.. إذا يَمرُّ الهَواء..

يُنكِرُني

**

10

في ظِلّي..

أُذُنٌ ليسَت لي

كأنّني فارِسٌ من طين

يبّسَتْهُ الشَمس

في بلَدٍ تُشرقُ فيهِ الشَمس

كلّ عام

مرّتين

***

عادل الحنظل

في المثقف اليوم