عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: من الغربة الوجودية إلى جرح الوطن

دراسة نقدية في قصيدة الدكتور فايز عزالدين

تنهض قصيدة الدكتور فايز عزالدين، الواردة ضمن ديوانه «عزف على الجرح»، الصادر عن مطبوعات اتحاد الكتاب العرب عام 2019، على تجربة شعرية تتخذ من الغربة والرحيل والاغتراب الحضاري مدخلًا إلى مساءلة الذات والوطن والتاريخ. إنها قصيدة يتحول فيها الجرح من حالة فردية إلى بنية جمعية، ومن ألم شخصي إلى سؤال ثقافي وحضاري، حتى يغدو الشاعر واقفاً على تخوم ذاكرة مثقلة بالخذلان، لكنه لا يستسلم لها، بل يحاول أن يستعيد من خلالها معنى الانتماء والأمل.

يفتح النص منذ مطلعه على علاقة وجدانية بين الذات و«الآخر» الغائب أو الوطن المفقود:

يقول:

«عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمنًا

والشوقُ ينهلُ من روحي ويسقيني»

فالأمر في «عُدْ بي إليكَ» لا يعني العودة المكانية وحدها، بل يستبطن رغبة في استرداد الذات من غربتها. إن الشاعر لا يقول «عُدْ إليّ»، بل يقول «عُدْ بي إليك»؛ أي إنه يريد أن يُعاد إلى الأصل، إلى المكان الأول، إلى المعنى الذي انفصل عنه. ومن هنا تبدأ القصيدة رحلة عكسية من الغربة إلى الوطن، ومن الجرح إلى الحلم، ومن الانكسار إلى استعادة الذاكرة.

وتتوزع القصيدة بين خطاب ذاتي حميم، وتشخيص مأساوي للواقع، واستعادة للتاريخ، ثم انفتاح على الحلم. ولذلك فهي لا تسير في خط عاطفي واحد، بل تتحرك في مسار جدلي بين الحنين واليأس، والجرح والأمل، والاغتراب والانتماء، والواقع والتاريخ.

- مكانة الدكتور فايز عزالدين في الشعر العربي المعاصر:

ينتمي الدكتور فايز عزالدين إلى التجربة الشعرية العربية التي تجعل من القصيدة فضاءً للتأمل في الإنسان والوطن والواقع العربي، وتزاوج بين الحس الوجداني والوعي الثقافي. وتكشف هذه القصيدة عن شاعر يمتلك نزوعاً واضحاً إلى بناء النص على أساس التوتر بين الذات والعالم؛ فالذات لا تعيش غربتها بوصفها عزلة فردية، بل بوصفها نتيجة لاختلالات تاريخية وحضارية وسياسية.

وتكمن أهمية تجربته في هذا النص في قدرته على تحويل المفردة الوجدانية إلى علامة جماعية؛ فـ«الغربة» ليست غربة الشاعر وحده، و«الجرح» ليس جرحاً شخصياً، و«النازح» ليس فرداً بعينه، بل صورة لجماعة عربية وجدت نفسها أمام تاريخ من التهجير والانكسار والانتظار.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بالرحيل والأسى:

إذا كان النص لا يصرح بمناسبة محددة بالمعنى التقليدي، فإن بنيته الداخلية تكشف عن مناسبة وجدانية واسعة تتمثل في الاغتراب والرحيل وفقدان الوطن أو المعنى. فالقصيدة تستحضر «الثمانين» في قول الشاعر:

«هذي الثمانونَ قد دارتْ بغربتنا

روّيتُ فيها وما حنّتْ لترويني»

وهنا يتحول العمر إلى دائرة من الغربة. فالزمن لا يُقاس بالسنوات فحسب، بل بما راكمه من تجربة وظمأ وحرمان. إن «الثمانين» علامة على عمر شخصي طويل، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تُقرأ بوصفها رمزًا لعمر أمة طال انتظارها.

ومن ثم يصبح الرحيل في القصيدة مفهوماً مركباُ: رحيل عن المكان، ورحيل عن الذاكرة، وربما رحيل عن زمن كان أكثر صفاءً. أما الأسى، فهو النتيجة النفسية لهذا الانفصال.

- العتبات النصية والعنوان بوصفه مفتاحًا تأويليًا:

تتخذ القصيدة أهم عتباتها من انتمائها إلى ديوان يحمل عنوان «عزف على الجرح». وهذا العنوان يمثل مفتاحاً تأويلياً بالغ الأهمية؛ لأن العزف فعل موسيقي جمالي، بينما الجرح فعل ألم وانكسار. ومن خلال الجمع بينهما ينشأ التناقض المركزي الذي يحكم التجربة: الجمال يولد من الألم، والموسيقى تنبع من الجرح.

فالعزف هنا ليس هروباً من الألم، بل طريقة لإعادة صياغته. والشاعر لا يداوي الجرح بالصمت، وإنما يحوله إلى نغم، أي إلى لغة وفن وذاكرة. ومن ثم يمكن قراءة القصيدة بوصفها تطبيقاً شعرياً لعنوان الديوان؛ إذ يعزف الشاعر على جرح الغربة والوطن والإنسان.

أما العتبة الداخلية الأبرز فهي المطلع:

«عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمناً

والشوقُ ينهلُ من روحي ويسقيني»

فهذا المطلع يحدد منذ البداية طبيعة الخطاب: خطاب استدعاء وعودة، يقوم على المخاطبة المباشرة. كما أن الضمير في «إليك» يظل مفتوحاً على التأويل؛ فقد يكون المخاطب وطناً، أو حبيباً، أو مكانًا، أو ماضياً، أو حتى معنى وجودياً غائباً.

وتؤدي عبارة «هذي الثمانون» وظيفة عتبية داخلية ثانية؛ فهي تحدد أفقاُ زمنياً كثيفاً، بينما تؤسس مفردات «الغربة»، «الظمأ»، «الجرح»، «النازح»، «التاريخ» لمعجم القصيدة العميق.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن العتبات النصية تنقل القارئ من العزف إلى الجرح، ومن الجرح إلى الغربة، ومن الغربة إلى الوطن؛ وهي حركة تأويلية تتكرر في النص كله.

- الأسس اللغوية والبلاغية:

سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تقوم لغة القصيدة على فصحى ذات معجم تراثي وجزلي، وتتجاور فيها ألفاظ مثل: «مدلهم»، «جديب»، «الطغيان»، «المساكين»، «الأغرار»، «نصل»، «الأحشاء»، «النازح»، «الأفانين»، «العناوين»، «الأساطين».

ويعتمد الأسلوب على كثافة الأفعال والحركة: «غرّبتني»، «ينهَل»، «يسقيني»، «جفّت»، «أغرقني»، «يقصيني»، «يلوي»، «فجّر»، «ينهش»، «يأخذ»، «يعطيني»، «دجا»، «ترنح»، «يؤلمني». وهي أفعال تكشف عن عالم مضطرب لا يعرف السكون.

أما صيغة الخطاب المباشر في «عُدْ بي إليك» و«يا نازح الدار» و«يا ذا المعنّى»، فتمنح النص طابعاً حوارياً، وتكسر رتابة السرد.

- الانزياح اللغوي والتركيبي:

يتجلى الانزياح في قوله:

«والشوق ينهل من روحي ويسقيني»

فالشوق يتحول إلى كائن يشرب من الروح ثم يسقي صاحبها. إنها مفارقة استعاريّة تجعل الشوق مصدراً للألم ومصدراً للحياة في آن.

وفي:

«حتى الكؤوس التي عاقرتها ثملًا

جفّت وجافى حُبابٌ كان يرضيني»

تتحول الكأس إلى رمز لتجربة الحياة، بينما يصبح جفافها علامة على انطفاء اللذة وانقطاع الرجاء.

أما قوله:

«عسفُ الجهالة في غيظٍ ويقصيني»

فيحمل تشخيصاً للجهالة بوصفها قوة فاعلة تمارس العسف والإقصاء.

وتبلغ الصورة ذروة عنفها في:

«الناهشون حلوم الناس زندقةً

نهش الوحوش ولا أنياب تنين»

حيث يُستعار فعل النهش للظالمين، فتتحول السياسة أو السلطة أو الجهالة إلى وحوش تنهش أحلام الناس.

- فصاحة اللفظ؛

تتسم اللغة بجزالة واضحة، ولا سيما في المعجم الذي يستند إلى ألفاظ ذات حمولة تراثية: «مدلهم»، «جديب»، «غيضت»، «الطغيان»، «الخسف»، «الأحشاء»، «الأفانين»، «المشرقين»، «الأساطين».

غير أن بعض التراكيب تحتاج إلى مراجعة لغوية حتى لا تطغى الجزالة على الدقة. فعبارة «الناهشون حلوم الناس زندقة» تبدو محتاجة إلى إعادة تركيب، والأقرب دلالياً: «الناهشون حلومَ الناسِ نهشَ الوحوشِ، زندقةً..»، أو صياغة أخرى بحسب مراد الشاعر.

وكذلك «ساموا العباد» يمكن حملها على معنى أذاقوهم أو أرهقوهم، وهو استعمال فصيح في أصل اللغة، لكنه قد يلتبس على القارئ المعاصر، ولذلك يمكن أن يُدعَم سياقياً.

- الإيقاع والمعمار الصوتي:

تنتظم القصيدة في بناء عمودي، وتبدو في مجموعها أقرب إلى بحر البسيط من حيث الإيقاع العام، مع وجود مواضع تحتاج إلى مراجعة عروضية دقيقة بسبب بعض الزيادات أو الاختلالات في الصياغة. والبحر البسيط ملائم لطبيعة النص؛ إذ يجمع بين الامتداد السردي والحركة الوجدانية.

وتظهر القافية الموحدة في أصوات الياء والنون، مثل: «يسقيني، ترويني، يرضيني، يقصيني، الملايين، المساكين، تنين، ديني، يدميني، الأفانين، الأحايين، التشارين، شراييني، الملايين، يغريني، الأساطين». وهذه النهاية الصوتية تمنح القصيدة وحدة إيقاعية، كما أن الياء والنون تحملان امتداداً صوتياً مناسباً لنبرة الشجن.

- الموسيقى الداخلية وبؤرة التوتر:

تتولد الموسيقى الداخلية من التضاد بين مفردات الألم ومفردات الحياة. ففي النص نجد:

«الشوق - الجرح - الغربة - الظمأ - الدم - المساكين»

في مقابل:

«الأحلام - الزهر - يزهو - الأمل - التاريخ».

وهذا التضاد هو بؤرة التوتر الأساسية؛ فالنص لا يستقر في اليأس، ولا يطمئن إلى الأمل، بل يبقى معلقاً بينهما.

- التكرار والجناس والتوازي:

يظهر التكرار في:

«كم قد شجيتُ بصبرٍ من صدى ألمي

والشجو يأخذ من صبري ويعطيني»

فالتكرار الاشتقاقي بين «شجيت»، «الشجو»، «صبري»، «صبر» يصنع دورة صوتية ودلالية، كأن الألم يستهلك الصبر ثم يعيده في صورة أخرى.

ويبرز التوازي في:

«ينهَلُ من روحي ويسقيني»

وفي:

«جفّت وجافى»

حيث يمنح التقارب الصوتي بين الفعلين إحساسًا بانطفاء الحياة.

كما يبرز الجناس الاشتقاقي بين «الشوق والشجو»، و**«جفّت وجافى»، و«يزهو وزهر»**، وهو جناس يخدم المعنى ولا يأتي مجرد زخرف لفظي.

- الحروف المهيمنة والوقفات والإيقاع النفسي:

تهيمن أصوات النون والياء في القوافي، بينما تبرز أصوات الجيم والشين والضاد والظاء في المقاطع التي تتصل بالألم والجرح، بما يمنحها خشونة صوتية تتناسب مع دلالتها.

أما الوقفات، فتزداد كثافتها في المواضع التي يتحول فيها الشاعر من الوصف إلى الاحتجاج، كما في:

«حتى دجا الخطب والأغرار في بلدي

يعيشون وهمًا بلا عقلٍ ولا دين»

فهنا يتباطأ الإيقاع، وكأن الشاعر يتوقف أمام مشهد الانهيار ليصدر حكماً أخلاقياً وحضارياً.

- البنية الفنية والجمالية:

تقوم القصيدة على أربع حركات كبرى:

الغربة والحنين، ثم تشخيص الخراب، ثم استعادة التاريخ والهوية، وأخيرًا استشراف الحلم.

في الحركة الأولى، يقول:

«عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمنًا»

فتظهر الذات بوصفها غريبة عن أصلها.

وفي الحركة الثانية، تتصاعد نبرة الاحتجاج:

«غيضت ضمائر والطغيان فجّرها

وجدًا توغّل في دم المساكين»

فتتحول القصيدة من الغناء الذاتي إلى الشهادة على الواقع.

ثم تأتي صورة النازح:

«يا نازح الدار من أوفاكَ مكرمةً

وأنت تُكشف عن غُرّ الأفانين»

وهنا يصبح النازح رمزاً للإنسان المقتلع من مكانه، وتتحول «الدار» إلى علامة على الوطن المفقود.

ثم يستعيد الشاعر التاريخ:

«كم قد صنعنا وفي التاريخ صورتنا

توحي وتشرق في كل الأحايين»

فتظهر الذاكرة بوصفها مقاومة للنسيان والانكسار.

ويبلغ النص ذروته الإيجابية في:

«إني أحيّي فريدًا في ثرى وطني

ينمو ويسمو إلى أبهى العناوين»

حيث ينتقل المعجم من الجرح إلى النمو والسمو.

ثم تأتي الصورة الجميلة:

«إذ ما يطل على الإحياء في شغفٍ

كالزهر يزهو بطلٍّ في التشارين»

فالزهر هنا رمز للتجدد، والطل رمز للحياة، والتشارين ـ بما تحمله من إيحاءات فصلية ـ تجعل الحياة ممكنة حتى في زمن البرودة والانكماش.

وفي قوله:

«يا ذا المعنّى على قيثارة صدحت

لحنًا تسامى خضيلاً في شراييني»

تتجسد فكرة عنوان الديوان: العزف على الجرح. فالقيثارة هنا ليست آلة موسيقية فحسب، بل استعارة للقصيدة نفسها، والشاعر لا يعزف على أوتار خارجية، وإنما على «شرايينه»، أي إن الشعر يتحول إلى دم داخلي وإلى حياة.

- المقاربة السيميائية:

تتمحور العلامات السيميائية في النص حول أربع كلمات كبرى: الغربة، الجرح، الوطن، الحلم.

فالغربة علامة على الانفصال، والجرح علامة على الذاكرة المؤلمة، والوطن علامة على الأصل، والحلم علامة على المستقبل الممكن.

كما تحضر الكأس والماء والظمأ بوصفها شبكة رمزية واحدة؛ فالشاعر يروي ولا يرتوي:

«روّيتُ فيها وما حنّت لترويني»

وهي صورة تختصر علاقة الذات بالزمن: كلما أعطت، ازداد عطشها.

أما القيثارة واللحن والشرايين فتشكل شبكة رمزية أخرى، تجعل الشعر فعلًا حيوياً، وتجعل القصيدة نفسها جسداً ينزف ويغني في الوقت ذاته.

- المقاربة الذرائعية:

وظيفياً، تؤدي القصيدة دوراً يتجاوز التعبير عن الذات إلى الشهادة والاحتجاج والتحريض على الوعي. فالشاعر يخاطب قارئاً يعيش معه الأزمة نفسها، ويضع أمامه صور الجهل والطغيان والنازحين والضمائر الغائبة.

ومن هنا فإن القصيدة تمارس وظيفة مزدوجة: التطهير الوجداني من جهة، والتحريض الثقافي والأخلاقي من جهة أخرى. وهي لا تكتفي بوصف الألم، بل تستعيد التاريخ لتقول إن الانكسار ليس قدراً أبدياً.

- المقاربة النفسية:

من منظور النقد النفسي، تبدو القصيدة صادرة عن ذات تعيش حالة من الحنين التعويضي؛ إذ تحاول استعادة موضوع فقدته عبر مخاطبته. ويتضح ذلك في الأمر:

«عُدْ بي إليكَ»

فالعودة هنا تعويض نفسي عن الغربة.

كما أن تكرار مفردات الظمأ، الجرح، الدم، الأحشاء، الشوق، الشجو يكشف عن حضور جسدي مكثف للألم. فالمعاناة ليست فكرة مجردة، بل تسكن الجسد: الروح، الدم، الأحشاء، الشرايين.

غير أن النفس الشعرية لا تستقر في العجز؛ إذ تنتقل من الألم إلى آلية التعويض عبر الفن والتاريخ والحلم. ولذلك تصبح القيثارة وسيلة لتحويل الجرح إلى موسيقى، ويصبح الشعر فعل مقاومة نفسية للانهيار.

- رأي نقدي في بعض المقاطع ومواطن الضعف التركيبي:

تمتلك القصيدة صوراً شعرية ذات طاقة رمزية عالية، ولا سيما في مقاطع الكأس والظمأ، والقيثارة والشرايين، والزهر والطل. كما أن الانتقال من الغربة الفردية إلى الجرح الجمعي يمنح النص اتساعاً دلالياً واضحاً.

غير أن بعض المواضع تعاني من تزاحم المعنى والصورة، بحيث تتجاور استعارات متعددة في البيت الواحد دون رابط واضح، كما في مقاطع «مدلهم جديب الطيف مارقه» و«يلوي سوادًا بأحلام الملايين»؛ وهي صور قابلة للتأويل، لكنها تحتاج إلى قدر أكبر من الضبط التركيبي لتصبح أكثر شفافية.

كذلك فإن بعض الألفاظ التراثية، على الرغم من فصاحتها، تبدو أحيانًا مفروضة لخدمة القافية، وهو ما قد يخلق فجوة بين الدلالة والإيقاع. ولذلك فإن المراجعة اللغوية والعروضية لبعض الأبيات ستمنح النص مزيداُ من التماسك، من غير أن تمس جوهر رؤيته.

تقدم قصيدة الدكتور فايز عزالدين تجربة شعرية تتخذ من الجرح لغةً، ومن العزف مقاومةً، ومن الغربة سؤالًا، ومن الوطن حلماً. إنها قصيدة تتحرك بين الذات والتاريخ، وبين الألم والأمل، وتنجح في تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب جمعي يلامس مأساة الإنسان العربي في زمن التهجير والاضطراب والانكسار.

وتتمثل قوتها الأساسية في قدرتها على بناء شبكة من الرموز المتداخلة: الكأس والظمأ، الجرح والعزف، النازح والوطن، الزهر والطل، القيثارة والشرايين. كما أن بنيتها الإيقاعية وقافيتها الموحدة تمنحها نبرة غنائية متصلة، بينما يكشف التكرار والجناس والتوازي عن موسيقى داخلية تتلاءم مع طبيعة الرثاء والاحتجاج.

وفي أعمق مستوياتها، تبدو القصيدة محاولة لاستعادة الذات من غربتها؛ ولذلك فإن افتتاحها بالأمر «عُدْ بي إليكَ» يتناظر مع خاتمتها التي تترك «الدهر يبحر في عقل الأساطين». وبين العودة والإبحار تتشكل رحلة النص: رحلة إنسان يبحث عن وطنه، وشاعر يبحث عن معنى، وأمة تبحث عن صورتها في مرآة التاريخ.

إنها، في جوهرها، قصيدة جرحٍ يغني؛ وكلما اشتد النزف، ازدادت الحاجة إلى القيثارة، وكلما اتسعت الغربة، ازداد الشوق إلى العودة. وهنا تتجلى القيمة الجمالية والفكرية الأعمق للنص: أن الشعر، في مواجهة زمن الانكسار، لا يستطيع أن يمحو الجرح، لكنه يستطيع أن يمنحه صوتاً، وأن يحول الألم من صمت قاتل إلى موسيقى تقاوم النسيان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................................

القصيدة..

الدكتور فايز عزالدين..

عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمناً

والشوق ينهَلُ من روحي ويسقيني..

هذي الثمانونَ قد دارتْ بغربتنا

رَوّيتُ فيها وما حَنّتْ لترويني..

حتى الكؤوسُ التي عاقرتها ثمِلاً

جَفَّتْ وجافى حُبابٌ كان يرضيني..

ما إنْ نهلتُ من الإصباح أغرقني

عسفُ الجَهالةِ في غيظٍ ويُقصيني..

في مُدلَهمٍّ جديبِ الطيفِ مارقُهُ

يلوي سواداً بأحلام الملايين..

غيضَتْ ضمائرُ والطغيانُ فَجَّرها.

وَجْداً توغَّل في دمِّ المساكين..

الناهشونَ حُلُومَ الناسِ

زندقة

نهشَ الوحوشِ ولا أنيابُ تنين..

كم قد شَجيتُ بصبرٍ من صدى ألمي والشجو

يأخذُ من صبري ويعطيني..

حتى دَجَا الخطبُ والأغرار في بلدي

يعشون وَهمَاً بلا عَقلٍ ولا دين..

ساموا العبادَ- - وما للّه عندهم- -

خسفاً ترنَّحَ باالغُرِّ الميامين..

ماذا نُؤمِّلُ من خيرٍ لذي عَمَهٍ

ما دام نصْلُهُ بالأحشاءِ يُدميني..

يا نازحَ الدَّارِ مَنْ أوفاكَ مكرمةً

وأنتَ تُكشفُ عن غُرِّ

الأفانين..

كم قد صَنَعنَا وفي التاريخ

صورتُنا

توحي وتُشرِق في كلّ الأحايين..

إني أحَيّي فريداً في ثرى وطني

ينمو ويسمو إلى أبهى العناوين..

إذ ما يُطلُّ على الإحيَاءِ في شَغَفٍ

كالزَّهر يزهو بِطَلٍّ في

التشارين..

يا ذا المُعَنَّى على قيثارة صَدَحَتْ

لحناً تسامى خضيلاً في شراييني..

في المشرقين غَدتْ أحلامُنا عِبَراً

تومي وترسفُ في عقل

الملايين..

لم يُغرِ فيها إذا أوهتْ طوالعُها

غيباً ولاتَ بثوبِ الحُلم

تُغريني..

نكبو ونعنو على غبرائنا

وَهَلاً

والدَّهرُ يُبحِرُ في عَقلِ الأساطين..

***

الدكتور فايز عزالدين

من ديوان عزف على الجرح

مطبوعات اتحاد الكتاب العرب..2019

 

في المثقف اليوم