عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

ثامر الحاج أمين: رواية "الاغتيال".. صراع الخوف من البطولة والتوق إليها

بعد أكثر من أربعين عاماً على الشروع في كتابتها، وثلاثة أعوام على رحيل مؤلفها، وبعد سلسلة من العثرات التي أخرت ظهورها، أصدرت دار ألف ياء، بمساعٍ طيبة من الروائي العراقي سلام إبراهيم، رواية «الاغتيال» للصحفي المبدع والسارد الماهر إبراهيم الحريري (1937 ــ 2023).

بدأ الحريري كتابة الرواية في بيروت عام 1970، لكنه اكتفى بالفصل الأول وترك المشروع جانباً. وعندما عاد إلى بيروت عام 1979، دفع ذلك الفصل إلى النشر في مجلة «البديل» التي كانت تصدرها رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين في المنفى، إلا أن الرواية تعرضت لاغتيال مبكر حين دمرت غارة إسرائيلية المبنى الذي كانت تطبع فيه المجلة. ولأن العمل ظل يسكن ذاكرة صاحبه سنوات طويلة، عاد إليه من جديد، فأكمل فصوله وأنهاه عام 1986.

وللوهلة الأولى، وقبل الولوج في عالم الرواية، يخال القارئ ــ كما يوحي عنوانها ــ أنه سيواجه رواية سياسية تدور حول جريمة اغتيال لشخصية ما، لكنه يكتشف منذ السطور الأولى أنه أمام عمل غرائبي يذهب إلى ما هو أبعد من اغتيال الجسد، إذ يتناول امتهان الإنسان في ظل الأنظمة الاستبدادية.

تخيل أن يطرق بابك رجل يخبرك بأنه مكلف من السلطة باغتيالك، ومع ذلك تستقبله في منزلك، وتكرمه، وتحرص على راحته أياماً عدة، ولا تناديه إلا بـ" الضيف" ، هذا ما يحدث مع السيد (م)، الذي يتعامل مع قاتله المكلف بوصفه ضيفاً لا عدواً. إنها صورة قصوى لتحطيم الإنسان من الداخل، حين يعيش الهزيمة النفسية إلى الحد الذي يتأقلم فيه مع فكرة موته، ويغدو انتظار النهاية جزءاً من حياته اليومية، بعد أن فقد إيمانه بجدوى تجربته السياسية.

ويكشف السيد (م) هذه الحالة لصديقه الذي يحاول انتشاله من استسلامه وإعادة إيمانه بقضيته، لكن موقفه من قاتله لا يبدو، في نظر الروائي صنع الله إبراهيم، الذي قدم للرواية، موقفاً عجائبياً، بل واقعياً، مبررا ذلك (من كثرة ما مر بالوطن العربي من أحداث، ومن كثرة ما شهدنا من عجائب أنظمته) .

ولذلك لم يفاجأ السيد (م) بقدوم زائره الاستثنائي، إذ يخبره بأنه تلقى منذ مدة كتاباً رسمياً من السلطات تخبره فيه بأنها لم تعد ترى موجباً لبقائه حياً، وأنها قررت اغتياله، مرفقاً باستمارة تطلب منه ملء معلوماته الشخصية، من العمر والحالة الاجتماعية وعدد الأطفال والهوايات وغيرها .

ومن خلال هذه المفارقة السوداء يسخر إبراهيم الحريري من الأنظمة الاستبدادية التي لم تكتفِ بتطوير أدوات القمع، بل سعت إلى «عصرنة» الاغتيال نفسه، فأصبحت تشكل لجاناً لدراسة الحالة النفسية والاجتماعية للمرشح للاغتيال، وتكلف القاتل بإقامة علاقة إنسانية مع ضحيته قبل تنفيذ المهمة، حتى تبدو العملية أكثر «إنسانية»، كما يقول الضيف: (الاغتيال مثل فعل الحب، عملية حميمية تتم بين شخصين، وكلما توثقت صلة الطرفين ببعضهما بدت العملية طبيعية وأكثر إنسانية، بل ومرغوباً بها ص16).

ويأتي استسلام السيد (م) نتيجة تاريخ طويل من الانكسارات الشخصية والسياسية، إذ يقول:

 (تعبت من كل شيء... الصراع المعذب ضد الذات وضد الآخر... وهزائم الحب وهزائم السياسة... ثم الانهيار المريع... ص21)، وتبلغ هزيمته ذروتها عندما يلتقي صديقاً قديماً يحاول إقناعه بالعدول عن فكرة الاستسلام، ومواصلة مقاومة الاستبداد، لكنه يجيبه بمرارة: (لم تعد بي رغبة في خوض أية معركة، لقد هُزمت وأريد أن أغادر ص41)

ويمنح المؤلف روايته بعداً فلسفياً واضحاً من خلال الحوار بين السيد (م) وصديقه، حيث يتجسد الصراع بين إرادتين متناقضتين؛ إرادة تؤمن بالصمود وبأن الحياة ما زالت جديرة بأن تُعاش، وتمثلها شخصية الصديق المؤمن بالمستقبل، وأخرى منهكة فقدت كل رغبة في الاستمرار، وتمثلها شخصية السيد (م)، الذي يقول: تعبت من كل شيء... من نفسي ومنكم... آن لي أن أغادر.

ويتطور الحوار إلى نقاش وجودي حول معنى الحياة، فيرى الصديق أن الحياة أجمل ما منحته الطبيعة للإنسان، بينما يذهب السيد (م) إلى رؤية عدمية يعتبر فيها الحياة خطأً كونياً، قائلاً: (إنك تسميه حقداً على الحياة، فيما نسميه نحن تصحيح خطأ من أخطاء الطبيعة... الحياة خروج عن المسار الطبيعي لنسق الكون، توهج كاذب بين عتمتين ص49).

ولا يكتفي المؤلف بتصوير القمع السياسي، بل يمتد إلى كشف تغول السلطة في أدق تفاصيل الحياة اليومية. فالضيف يحاول تعليم أفراد العائلة طريقة جديدة لتناول الطعام "على طريقة الأبقار"، فتفقد الأم صبرها وتصرخ في وجهه: واجبك أن تعلمنا كيف نموت، لا كيف نعيش ص68).

فيرد عليها: صحيح أن واجبي هو أن أعلمكم كيف تموتون، لكن ذلك يتطلب قبل كل شيء أن أعلمكم كيف تعيشون على طريقتنا .

وفي خضم هذا المناخ المفعم بالتشاؤم والإذلال، تستيقظ إرادة المقاومة لدى الأم، فتدعو ابنها إلى التخلص من الضيف وخنقه، لكنهما يكتشفان أن السرير فارغ، وأن الضيف لم يكن سوى وهم استولى على العائلة كلها، في واحدة من أكثر نهايات الرواية دلالة ورمزية.

تلخص رواية «الاغتيال» تجربة جيل كامل من المناضلين العراقيين والعرب الذين عاشوا القهر والتشرد لأنهم حملوا همّ الوطن والإنسان. والاغتيال هنا لا يقتصر على إزهاق الجسد، بل يمتد إلى اغتيال الإرادة، وإخماد الوعي، وقتل الأمل، وتحويل الإنسان إلى كائن ينتظر نهايته بصمت، بعد أن تُهزم روحه قبل جسده.

لقد نجح إبراهيم الحريري في تقديم رواية ذات طابع رمزي وفلسفي، تكشف أن أخطر ما تفعله الأنظمة الاستبدادية ليس قتل الإنسان، وإنما دفعه إلى قبول موته بوصفه أمراً عادياً، بل وربما مستحقاً، وعندها يتحقق الاغتيال الحقيقي.

***

ثامر الحاج أمين

في المثقف اليوم