قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: بين بؤرة الإحساس وإعادة بناء العالم

في سؤال الفارق بين أدب المرأة وأدب الرجل

ليس أخطر على الأدب من الأحكام الجاهزة، ولا أخصب له من الأسئلة التي تُحرّره من التعميم. ومن بين هذه الأسئلة: هل يصحّ القول إن «أدب المرأة بؤرة أحاسيس، وأدب الرجل إعادة بناءٍ للعالم»؟ أهو توصيفٌ جماليٌّ لطبيعةٍ أسلوبية، أم هو امتدادٌ لثنائيةٍ ثقافيةٍ قديمة قسّمت الوجود بين العاطفة والعقل، الداخل والخارج، الخاص والعام؟

إنّ هذه العبارة، على كثافتها، تختزن تاريخاً طويلاً من التصوّرات عن الجندر والكتابة. غير أنّ النقد الحديث، منذ سيمون دو بوفوار،الفيلسوفة والكاتبة والمفكّرة الفرنسية الني قرّرت في كتابها «الجنس الآخر» أنّ «المرأة لا تولد امرأة بل تُصبح كذلك»، كشف أنّ الفروق المنسوبة إلى الطبيعة قد تكون في حقيقتها صنيعةَ بنيةٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ. فإذا كانت الكتابة امتدادًا للخبرة، فإنّ اختلاف الشروط التاريخية يُنتج اختلافاً في الموضوعات والنبرات، لا بالضرورة اختلافاً في القدرة على «بناء العالم».

أولاً: أدب المرأة بوصفه استعادةً للصوت

حين نقول إن أدب المرأة «بؤرة أحاسيس»، فإننا نشير – غالباً – إلى كثافة الداخل فيه، إلى انشغاله بالذات، بالجسد، بالعاطفة، بالهشاشة، بالتجربة المعيشة في تفاصيلها الدقيقة. غير أنّ هذا التركيز على الداخل لم يكن خياراً جمالياً حرّاً دائماً، بل كان أحياناً نتيجة إقصاء المرأة عن المجال العام، كما نبّهت فرجينيا وولف في «غرفة تخص المرء وحده»، حين ربطت بين حرية الكتابة وامتلاك الفضاء والموارد.

لقد كان على المرأة أن تستعيد ذاتها أولاً قبل أن تعيد بناء العالم؛ أن تقول «أنا» في وجه سردياتٍ كبرى صاغها غيرها. ومن هنا تبدو كتابة كثير من الأديبات – من نوال السعداوي إلى أحلام مستغانمي – كتابةَ كشفٍ للباطن المسكوت عنه، لا لأن المرأة عاجزة عن رؤية العالم، بل لأنّ العالم ذاته كان يُرى من خارج تجربتها.

غير أنّ تحويل هذا المنحى إلى صفة جوهرية ثابتة («بؤرة أحاسيس») يُخفي أن الإحساس نفسه فعلُ معرفة. فالفلسفة الظاهراتية عند إدموند هوسرل، ثم عند مارتن هايدغر، أكّدت أنّ الوعي لا ينفصل عن الخبرة المعيشة. الإحساس ليس نقيض العقل، بل طريقٌ إليه. وعليه، فإن أدب المرأة – حين يكتب الجسد والحميمية – إنما يكتب العالم من زاويةٍ أخرى، لا أقلّ شمولاً.

ثانياً: أدب الرجل وإرادة البناء

أما القول إن أدب الرجل «يعيد بناء العالم»، فهو يستند إلى تقليدٍ طويل من السرديات الكبرى: الملاحم، الروايات التاريخية، الفلسفات الشاملة. منذ ليو تولستوي إلى نجيب محفوظ، نجد مشروعاً روائياً يسعى إلى تصوير المجتمع، وتحليل طبقاته، وإعادة تشكيل رؤيته للواقع. وهنا يبدو الرجل – تاريخياً – فاعلاً في المجال العام، ومن ثمّ انعكس ذلك في نصوصه التي تتجه إلى الخارج، إلى السياسة، إلى التاريخ، إلى الصراع الاجتماعي.

غير أنّ هذا «البناء» ليس حكراً على جنسٍ بعينه، بل هو نتيجة تموضعٍ اجتماعيٍّ مكّن الرجل – عبر قرون – من احتلال الفضاء العمومي. فلو توفرت للمرأة الشروط ذاتها، لأمكنها أن تبني عوالم روائية لا تقلّ اتساعاً، كما فعلت توني موريسون حين أعادت كتابة تاريخ العبودية من منظورٍ أنثويٍّ كونيّ.

ثالثاً: تفكيك الثنائية: الداخل والخارج

إنّ تقسيم الأدب إلى «أدب إحساس» و«أدب بناء» يعيد إنتاج ثنائيةٍ قديمة: المرأة/العاطفة، الرجل/العقل. غير أنّ الفكر التفكيكي عند جاك دريدا نبّه إلى خطورة هذه الثنائيات، لأنها لا تكتفي بالتمييز، بل تُقيم تراتبيةً خفية، تجعل أحد الطرفين أصلاً والآخر فرعاً.

في الحقيقة، كلّ كتابةٍ عظيمة هي بؤرة إحساس وإعادة بناء في آنٍ معاً. فـ«مدام بوفاري» عند غوستاف فلوبير ليست مجرد تحليلٍ اجتماعي، بل غوصٌ في العاطفة المأزومة. و«موسم الهجرة إلى الشمال» عند الطيب صالح ليست إعادة بناءٍ لعلاقة الشرق بالغرب فحسب، بل تشريحٌ لنفسٍ ممزّقة.

رابعاً: الجندر كزاوية نظر لا كقدر

الأدقّ أن نقول إنّ الاختلاف – إن وجد – هو اختلاف زاوية نظر، لا اختلاف جوهر. المرأة، بحكم خبرتها التاريخية، قد تميل إلى كشف الهامش، إلى تفكيك المسكوت عنه، إلى إعادة تعريف الجسد والهوية. والرجل، بحكم موقعه التاريخي، قد ينشغل بالبنى الكبرى والأنساق العامة. لكنّ هذه الميول ليست قوانين طبيعية، بل آثار تاريخ.

لقد أشار ميشيل فوكو إلى أنّ الخطاب يتشكّل ضمن شبكات السلطة. وإذا كان الخطاب الأدبي جزءاً من هذه الشبكات، فإنّ اختلافه يعكس موقع المتكلم داخلها. فالمرأة التي كانت موضوعاً للخطاب، حين تكتب، تُعيد ترتيب علاقات السلطة في اللغة ذاتها.

خامساً: نحو أفقٍ إنسانيٍّ جامع

إنّ الأدب، في جوهره، ليس ذكورياً ولا أنثوياً، بل إنساني. إنّه فعلُ مقاومةٍ للنسيان، ومحاولةٌ لإضفاء معنى على التجربة. قد تبدأ الكتابة من بؤرة إحساس، لكنها – إن كانت عظيمة – تنتهي بإعادة تشكيل العالم في وعي القارئ. وقد تبدأ من مشروع بناءٍ اجتماعي، لكنها لا تكتمل دون أن تمسّ شغاف القلب.

الفارق، إذن، ليس في القدرة على الإحساس أو البناء، بل في المسار الذي تسلكه التجربة نحو الكونية. والكتابة التي تبقى أسيرة جنسها، ذكراً كان أم أنثى، هي كتابةٌ لم تبرح حدود التجربة الفردية. أما الكتابة التي تُحوّل الإحساس إلى رؤية، والرؤية إلى أفقٍ إنسانيٍّ مشترك، فهي التي تستحق اسم الأدب.

خاتمة:

إنّ العبارة القائلة بأن «أدب المرأة بؤرة أحاسيس، وأدب الرجل إعادة بناء للعالم» تحمل شيئاً من الحقيقة التاريخية، لكنها لا تصمد أمام النقد الفلسفي والجمالي المعاصر. فكلّ أدبٍ أصيل يبدأ من الذات ليصل إلى العالم، أو من العالم ليعود إلى الذات. وفي اللحظة التي يلتقي فيها الإحساس بالبناء، يتجاوز النصّ حدوده الجندرية، ويصير مرآةً للإنسان في هشاشته وقوته، في عاطفته وعقله، في فرديته وكونيّته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم