عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

علي السرحان: دراسة نقدية لديوان "قلب الإعلام للدكتور سعد المسعودي

الاعلامي الذي حمل العراق الى العالم

تنهض تجربة ديوان «قلب الإعلام» بوصفها مقاربة أدبية ذات طابع إشكالي وجمالي في آنٍ واحد، إذ يقدّم الشاعر والأديب رافد حميد فرج القاضي نصاً يتجاوز الوظيفة التعبيرية للشعر إلى وظيفة تأريخية رمزية تتقصّى حياة شخصية إعلامية معاصرة هي الدكتور سعد المسعودي، لا بوصفها موضوعاً خارجياً للكتابة، بل باعتبارها مركزاً دلالياً تتكثف حوله اللغة، وتتوالد منه الرؤى. إن هذا العمل لا يندرج ضمن الأنماط المألوفة في كتابة السير، كما لا يمكن احتواؤه داخل القوالب الشعرية التقليدية، لأنه ينهض على تقاطع نوعي بين السيرة والتخييل الشعري بما يفتح أفقاً إبداعياً جديداً يمكن عدّه من محاولات تأسيس جنس أدبي هجين تتجاور فيه الوقائع مع المجازات، ويتحوّل فيه الحدث إلى طاقة لغوية مشحونة بالدلالة.

إن أبرز ما يلفت النظر في هذا الديوان هو وعي الشاعر بوظيفة اللغة بوصفها أداة خلق لا نقل، إذ لا يكتفي بسرد حياة الشخصية من الولادة حتى الحاضر، بل يعيد تشكيل هذه الحياة عبر بنية شعرية تتسم بالتماسك الداخلي، حيث تتداخل الأزمنة وتتشابك فيغدو الماضي امتداداً للحاضر، ويتحوّل الحاضر إلى مرآة تستعيد بدايات التكوين الأولى. وعلى هذا الأساس، لا تبدو السيرة خطاً زمنياً مستقيماً، بل فضاءً مفتوحاً تتجاور فيه اللحظات، وتتراكم فيه التجارب ضمن نسيج شعري متصل، ينهض على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الانزياح أكثر من التقرير.

ومن الناحية الأسلوبية، تتجلّى قدرة الشاعر على تطويع اللغة إلى أقصى حدودها التعبيرية، حيث تتسم مفرداته بكثافة دلالية عالية، وتتشكل جمله ضمن إيقاع داخلي يضفي على النص طابعاً إنشادياً متدفقاً. ولا تقف الصورة الشعرية عند حدود الزخرف البلاغي، بل تتحول إلى بنية مولّدة للمعنى إذ تتكثف فيها التجربة الإنسانية للشخصية موضوع السيرة، لتغدو رمزاً يتجاوز فرديته ويتصل بسياق أوسع هو سياق الوطن. ومن هنا، فإن سعد المسعودي لا يظهر في النص بوصفه إعلامياً فحسب، بل بوصفه تمثيلاً لصوت العراق في امتداده الثقافي والإنساني، الأمر الذي يمنح الديوان بعداً وطنياً واضحاً، يتداخل فيه الخاص مع العام، والفردي مع الجمعي.

ويُلاحظ كذلك أن الشاعر قد استطاع أن يحمّل التجربة الإعلامية دلالات جمالية، إذ لم يتعامل مع الإعلام بوصفه مهنة، بل بوصفه رسالة ذات أبعاد أخلاقية ومعرفية تتجسد في شخصية البطل الشعري. وهذا التحويل من الواقعي إلى الرمزي يعكس وعياً عميقاً بطبيعة الكتابة الشعرية، التي لا تعيد إنتاج الواقع، بل تعيد تأويله وصياغته ضمن رؤية جمالية. وفي هذا السياق، تتبدّى مهارة الشاعر في بناء نص قادر على احتواء تعددية الدلالات، حيث تتجاور الإشارات التاريخية مع الإيحاءات الوجدانية وتتشابك الوقائع مع التأملات، دون أن يفقد النص تماسكه أو وحدته العضوية.

وإذا كان من المألوف في كتابة السير أن تميل إلى التوثيق أو التمجيد، فإن هذا الديوان ينجح في تجاوز هذين البعدين عبر استثمار الطاقة الشعرية للغة، بحيث يصبح المديح جزءاً من البناء الجمالي لا غاية قائمة بذاتها، كما تتحول الوقائع إلى مادة أولية يعاد تشكيلها فنياً. ومع ذلك، فإن كثافة اللغة وامتداد النص قد يفرضان على القارئ جهداً تأويلياً مضاعفاً، وهو أمر يمكن فهمه في إطار طبيعة المشروع نفسه، الذي يراهن على قارئ يمتلك حساً نقدياً وقدرة على التفاعل مع النصوص المركّبة.

إن القيمة الحقيقية لهذا الديوان تكمن في جرأته على كسر الأنساق الجاهزة، وفي سعيه إلى إعادة تعريف العلاقة بين الشعر والسيرة، حيث لا تعود السيرة خطاباً توثيقياً، بل تتحول إلى تجربة جمالية قائمة بذاتها، تتأسس على الخيال بقدر ما تستند إلى الواقع. ومن هنا، يمكن القول إن رافد حميد فرج القاضي قد نجح في تقديم نص يتجاوز حدود التجريب إلى مستوى الإنجاز إذ استطاع أن يخلق عالماً شعرياً متكاملاً تتجسد فيه الشخصية موضوع السيرة بوصفها كياناً لغوياً نابضاً بالحياة.

وفي خاتمة المطاف، يغدو ديوان «قلب الإعلام» علامة فارقة في مسار الكتابة الشعرية المعاصرة، ليس لأنه يروي سيرة إعلامي بارز فحسب، بل لأنه يقدّم نموذجاً مغايراً لكيفية كتابة الإنسان شعراً، وكيف يمكن للكلمة أن تحتضن الزمن كله في نبضة واحدة. إن هذا العمل يرسّخ حضور مؤلفه بوصفه صوتاً إبداعياً يمتلك أدواته بوعي واقتدار، ويؤكد أنه قد بلغ في هذا الديوان مرتبة متقدمة من النضج الفني، حيث تتحد الرؤية مع اللغة ويتماهى الإحساس مع الفكرة، فينتج نصاً يفيض بالدهشة

 ويستحق أن يُقرأ بوصفه إضافة نوعية إلى الأدب العربي الحديث، بل بوصفه مغامرة جمالية نادرة، ستبقى شاهدة على قدرة الشعر على أن يكتب الحياة، لا كما هي، بل كما ينبغي أن تُرى.

***

علي السرحان

في المثقف اليوم