عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

جبَّار ماجد البهادليُّ: مِنْ ضِفافِ هُورِ الجِنْدَالةِ لِمَيسانِ التَّاريخِ والأصَالةِ

قِراءةٌ نقديَّةٌ في تَصدُّعاتِ الحُبِّ وَتَشظِّياتِ المَكانِ لرواية "شَيءٌ وَاحدٌ لَمْ تَمسُّهُ السَّنواتُ"

تقديم: من حرائق قرية الجَنْدَالة لمدينة مَيسانِ الحُبِّ والأصالة جَنوب القلب ومركز الجَناحين يوثِّق الكاتب والشاعر والقاصّ والرِّوائيّ المُتنوُّع الإبداع الكتابي السيِّد مُزهرُ الهاشميُّ لقريته (الجِنْدَالة)، ومنبت عَيشهِ الحياتي والوجودي الأوَّل، ويُخلِّد أثرها الرمزي سرديَّاً بين أدب الذكريات، وأدب السيرة الذاتية بنثيث من قلبه وطينٍ من أرضها الحِرِّي النابع من غرين أهوار الجنوب وطيبة أهلها. ولأهمية تَمظهُرات هذه الرِّواية وجمالياتها الإنسانية والاجتماعيَّة، ستكون القراءة عنها على شكلِ عُنواناتٍ نقديةٍ متتاليةٍ، كُلُّ عنوانٍ منها يتعلُّق بموضوعة نقديَّةٍ من موضوعات الرواية وأحداثها الفكريَّة والفنيَّة، والتي يستطيع من خلالها المُتلقِّي أن يلمَّ بأطراف الحديث عنها ويستمتعُ.

تَأثيثُ المُدوُّنةِ السَّرديَّةِ:

رواية(شَيٌء واحدٌ لم تمسُّهُ السنواتُ)، للسيِّد مُزْهِرِ الهاشميّ، والصادرة بطبعتها الأولى عام 2026م عن دار الورشة الفنية ببغدادَ، وبحجم كميٍّ ونوعيٍ بلغ نحو(216) صفحةً من القطع الكتابي المتوسِّط. وهي مدوَّنة سرديَّةٌ نثريَّةٌ وحُواريَّة لمتواليةٍ حكائيةٍ مُتعدِّدة تتألفٍ من (19) عنواناً حكائياً قصصيَّاً فرعياً داخلياً، تجمع في موضوعاتها بين مفاتيح الجبِّ ونقيضه الكُرهِ، وبين القبول والرفض، والحياة والموت، وبين تباشير الأمل والألم، وجدليَّة الانفتاح والخراب واليأس في تحدِّ كونيٍّ وجوديٍّ هاملتي قائم بين(أكونُ أو لا أكونُ)، وسط ديستوبيا الشرّ والانتهاك الإنساني النقيض ليوتوبيا الخير والمحبَّة والأمن والسلام بكل معانيه الإنسانية والأخلاقية الجميلة الفاضلة.

العَتبةُ العُنوانيَّةُ:

تعدّ العتبة العنوانية الرئيسة ُلهذه المدوَّنة الروائية والحوارية من أهمِّ عتبات النصِّ المُوازي وأبرزها حضوراً؛ كونها تُمثلُ بوابةَ الدخول الكبرى إلى عالم مدينة السرد الفاضلة، وتعتبر أيضاً شاخصاً نصيًّاً لـ(ثُريَا النَّصِّ) الكاشفة عن تجلياته الضّوئية، وأنساقه الثقافية المضمرة والظاهرة. ومثل ما للعُنوان أهميتُهُ اللَّافتة في بنية الخطاب السردي فإنَّ له وظائفه الأساسية الأربع، وأعني بها الوظيفة، (الإغرائيةَ، والإيحائيةَ، والوصفيةَ والتعينيَّةَ)التي حدَّدها المُنظر الأدبي والناقد الفرنسي جيرار جينيت في كتاباتهَ الفكرية والنقدية.

وعلى وفق ذلك فإنَّ عنوان رواية(شَيءٌ واحدٌ لم تمسُّه السَّنواتُ) على الرُّغم من كونه جملةً اسمية خبريةً عاديةً لمبتدأ محذوف تقديره(العنوان، أو اسم الرواية)، فيها أثر واضحٌ من لغة المباشرة والتقريرية التعبيريَّة التقليدية، بيدَ أنَّ العنوانَ يَضمرُ خفياً في نسق حمولاته الفكرية الرمزية الداخلية شيئاً من المُوحيات الفنيَّة والإنسانية، ويطرح سؤالاً فكرياً مُهمَّاً، وهو ، ما الشيءُ الَّذي خصَّصهُ الكاتب الهاشميّ وحدَّده بصفة الوحدانيَّة التفرديَّة ولم تَمسسهُ السَّنواتُ العاتية أو تُطاله يدُ الزمن وتنقضُّ عليهُ كما تنقضُّ المنية بنواشبها الاظفاريَّة على الإنسان.-بالتأكيد أنّه الوفاء والحبُّ للحبيب الأوَّل، ولمنزله المكاني الذي يألفه الفتى دُوماً مهما استطال فعلُ الزمن القميءِ.

إنَّها إمارات الجامعة الإنسانية التي تجمع وتفرِّقُ بين قلوب الناس شتَّى، بل وتُميتُ الأحياء وتًحيي الأموات. ولو اختار الكاتب مُزهرُ الهاشميُّ اسماً آخرَ لروايته مثل(جِندالةُ الحُبِّ) أو شيئاً من هذا القبيل، لكان وقعُ العنوان في النفوس أكثرَ إلفاتاً وأجملَ أيقونةً وأسمى وُجُوداً وتكويناً عنوانيَّاً مؤثِّراً.

عَتبةُ الإهداءِ:

درجتِ العادةُ في الأوساط الكتابية والإبداعية والثقافيَّة أنْ تُدوَّنَ كلماتُ عتبةِ الإهداء بسطورٍ قليلةٍ مكثفةٍ محدودةٍ وبارزةٍ في صفحةٍ ورقيةٍ واحدةٍ فقط تُكتبُ على مقدار مُهديها من الأشخاص أو الأشياء والأفكار المقصودة بالإهداء، ولا يمكن أنْ يكون نصيب الإهداء ثلاثَ صفحاتٍ مملوءةٍ متواليةٍ بالتفاصيل المُمُلَّة. وكان الأجدر بالسيَّد الهاشميِّ أنْ يوجزَ سطور صفحة الإهداء بكلماتٍ مُضيئةٍ، ويترك التفاصيل الأخرى لعتبةٍ نصيَّةٍ أخرى تُسمَّى عتبةَ(التَّصديرِ)، أو التَّمهيد النصِّي.

التَّجنيسُ الكتابيُّ للمدوَّنةِ:

ينتمي هذا اللَّون من الكتابة الإبداعية النثريَّة في مدوَّنة السيِّد مُزهِر الهاشميّ(شيءٌ واحدٌ لم تمسُّه السنواتُ) إلى جنس أدب الذكريات الشخصيَّة، وأدب السيرة الذاتيَّة الوجدانية العاطفية. وهذان اللَّونانِ اللَّذانِ مَزجّ بينهما الرَّاوي الهاشميُّ في أُسلوبيته السرديَّة التعبيريَّة لا ينتمي هذا الخلط المغاير فيهما لجنس الرواية السردية بعينها مطلقاً؛ لأنَّه كما هو معلوم أنَّ لكل جنس له له آلياته وقواعده الخاصِّة بالكتابة الإنشائية والإبداعية، وأيضاً أنَّ لإنتاج الرواية عناصرَها الأساسيَّةَ الأوليةَ والثانويةَ المُهمَّةَ والمعروفة في فنِّ كتابة السرديات الحكائية وتخليقها رِوايةً وقصةً:

"فِي مَوسمِ تَسويقِ الحُبوبِ مِنْ مَحصولِ العَنبرِ، كَانتِ الحَياةُ عَلَى ضِفافِ نَهرِ الكَفَّاخِ تَأخذُ إيقاعَاً مُختلفاً...إيقاعًاً يُشبهُ النهرَ نَفسهُ، هَادِئاً فِي ظَاهرهِ، لَكنَّهُ مُمتلِئٌ بِالحركةِ وَالعَملِ. مَعَ انتهاءِ الحَصادِ، تُجمَعُ أكياسُ العَنبرِ بِعنايةٍ، تَفوحُ مِنهَا رَائحةُ الرُّزِ الطَيِّبِ الَّتِي تَسبقُهَا دَائمَاً إلَى الأَسواقِ. كَانَ الفَلاحونَ يُكدِّسونَ المَحصولِ قُربَ الضِّفَةِ، يَنتظرونَ دَورَهُم، وَعُيونُهُم تُراقِبُ المَاء َأكثرَ مِمَّا تُراقِبُ الطَّريقَ". (شَيءٌ وَاحدٌ لم تَمسُّهُ السنواتٌ، ص 47).

فلو تأمّلنا جيداً طيَّات الرواية بدقةٍ متناهيةٍ لوجدنا عناصر الرواية كلَّها متاحةً فيها من، (زمانٍ ومكان وشخصيَّاتٍ وأحداثٍ)، وتحديداً فإنَّ وحدة المكان حُدِّدت بقرية(الجِندالةِ)، وهي خطُّ الشروع المكاني الأول لأحداث الرواية، وما تبعها من مجاوراتٍ ومثاباتٍ مكانية أخرى. أمَّا وحدة الزمان التي تؤرخن لأحداث الرواية فهي تُحدَّدُ بالعقود الثلاثة من القرن العشرين المنصرم(الستينيَّاتُ، والسبعينيَّاتُ والثمانينيَّاتُ)، وما تلاها من سنواتٍ لاحقةٍ أُخرى عجافٍ، لها أثرها التاريخي البارز:

"كَانَ الجَميعُ عَلَى مَوعدٍ مَعَ رِحلةِ... لَيستْ كَأيِّ رِحلةٍ إلَى(الجِندالةِ) عَلَى بُعدٍ نَحوَ أربعينَ كِيلُو مَتراً جًنوبُ مَحافظةِ مَيسانَ... مُروراً بِقضاءِ المَجرِ الكَبيرِ، فَناحيَةِ العَدلِ إلَّى الغَربِ قَليلاً أقلَّ مِنْ خَمسةِ كِيلو مَتر الجِندالةِ، حَيثُ لا تُروَى الحِكاياتُ... بَلْ تُعاشُ. تَفضَّلوا أيُّهَا السَّادةُ اَسمِعُوا هَذهِ الجَندالةُ لَيستْ كَمَا هِيَ الآنَ كَانتْ جَنَّةً فِي جَنوبِ مَيسانَ". (شَيءٌ واحدٌ لم تمسُّه السَّنواتُ، ص 19).

أمَّا الرموز أو الشخصيَّات أو الفواعل الشخصيَّة الذكورية والأُنوثية مثل شخصيَّة البطل المدعو (سلام)، والبطلة سميرة، وأخويه أحمد وإبراهيم وأبيه وأُمّه وأخواته الإناث، فضلاً عن الطرف الآخر من الحوارية السردية للرواية الذي أطلق عليه كاتب الرواية اسم الوفد المؤسساتي، أو الضيف المكوَّن من رجلين وامرأةٍ ، فهي الأخرى بكل عناصرها موجودة في الخطاب السردي، وتملأ فضاء المدوَّنة السردية وطيّات صفحاتها الواسعة، والتي يمكن أنْ نضعها في خانة الروايات البيئية المجتمعية التي توصف بالرِّواية البوليفونية المُتعدِّدة الأصوات والرموز والشخصيَّات.

بيدَ أنَّ إنتاج هذه الشخصيَّات لم تؤدِّ وظائفها المركزية السرديَة بالشكل الهرمي الفنَّي الذي يُناسب حركة البناء التركيبي والفنَّي السردي للرواية، وإنَّما جاءت تلبيةً وتوافقاً لحُوار أدب الذكريات السيريَّة العاطفية والذاتيَّة الاجتماعيَّة، والتي هي بالحقيقة تشكِّلَ السيرة الأدبية والذاتية للسيَّد مؤلَّف الرواية أو راويها الهاشميّ نفسهُ ولا تختلف عنه إلَّا في بعض مخايلها التعبيريَّة.

فضلاً عن ذلك كلِّه أنَّ الأحداث أو الفعليَات الحَدثية الزمكانية للرواية لم تنطلق جوهريَّاً من مركزية الحدث في اشتغالاتها الثِّيمية البُؤريَّة في متنها النَّصِّي، بل جاءت استجابةً لتقنية الحُوار الداخلي والخارجي لا على وفق تسلسل الإحداث وتعاقبها. بل كُتبت بصفة عفويةٍ وتلقائية بسيطةٍ ومغايرةً للواقع السردي الروائي. فابتعدت كثيراً عن خطِّ مسار آلية العناصر الأساسية والثانوية للرواية في تنامي الصراع وبلوغ الذروة، وفكِّ العقد وإيجاد البدائل والحلول الأخرى، ورسم لوحة فنيّة للافتتاحيات والمَداخل الحكائية والخَواتيم الإدهاشية الماتعة والمؤثَّرة الصادمة لذهنِ المُتلقِّي.

"فِي ذَلكَ اليَومِ لَمْ تُحرَقْ الجِندالةُ فَقَط، بَلْ اُقتِلِعَتْ. أُجبِرَ النَّاسُ عَلَى الرَّحيلِ، لَا لِأنَّهُم أرَادوا، بَلْ لِأنَّ البَقاءَ صَارَ مسُتحيلاً، حًمًلوا مًا خًفَّ وَزنهُ وَثَقُلَ مَعنَاهُ، وَمَضُوا وَهُم يَتَلفَتُونَ إلَى وَراءٍ يَتلاشَى. بَعدَ أسابِيعَ، حِينَ خَمَدَتِ النِّيرانُ، لَمْ يَعُدْ المَكانُ كَمَا كَانَ. تَغَيَّرتْ مَلامِحُ الأرضِ، اِختَفَتْ مَعالمُ، وَانفتَحَ الفُراغُ، حيثُ كَانتِ البُيُوتُ. لَمْ يكنْ ذَلِكَ خَرابَاً عَابِرَاً... بَلْ تَغييرَاً قَسريَّاً فِي وَجهِ المَكانِ وَسُكَّانِهِ". (شَيءٌ واحدٌ لَم تَمسُّه السَّنواتُ، ص 155).

الهَندسةُ المِعمَاريَّةُ لِلروايةِ:

والملاحظ أنَّ معمارية الرواية وهندستها البنائية التركيبية لم توَّزع حدثياً على شكل متواليةٍ قصصيَّة أو فصليَّة -كما هو مُتعارفٌ عليه- وليس على شكل إجزاءٍ رقميةٍ ترتبطُ فنيَّاً وبنائيَّاً وتركيبياً موضوعاتها بالوحدة العضوية لجسد الرواية ورحها، وإنَّما أُنتجت المدوُّنة السرديَّة على شكل متوالياتٍ حُورايةٍ حكائيةٍ عنوانيةٍ تستمدُّ نسغ موضوعاتها من طبيعة الواقع السيري الذاتي المعيش الذي يتحكَّم به الرَّوايُ العليمُ ويُسيِّره(الهاشمي) ذاته. وبالتأكيد أنَّ هذه الأسلوبية المعمارية هي حصيلة الذكريات والأحداث الزمكانية لأشخاص الرواية وأبطالها الفاعلين الحقيقيين. وعلى وجه التحديد أقصد بها السيرة الأدبيَّة لكاتب الرواية بتفاصيلها الخاضعة لأدب التذكُّر والتحوُّلات:

"مُؤسستُكَ بِرغمِ الدَّعمِ المَاليِّ البَسيطِ أنجزَتْ أعمَالَاً كًثيرةً: مِهرجاناتُ مَسرحِ الجَنوبِ العِراقِيِّ لِثلاثِ سَنواتٍ مُتتاليةٍ، وَأسَّستَ مِهرجانَ الكُميتِ بِنِ زَيدِ الأسديِّ، وَالمَسرحَ التَّربويَ، وَمَسرحَ الطِّفلِ، وَأفلامَاً قَصيرةً هَادفةً... بَلْ وَكَانتْ لَكَ بَصماتٌ وَاضحةٌ فِي تَأسيسِ العَديدِ مِنَ مُؤسساتِ المُجتمعِ المَدنِيِّ فِي مَدينتِكَ. تَرددَتْ لحظة... ثُم قَالتْ بِصوتٍ أخفٍّ:- بِرغمِ أنَّك تُعانِي مِنْ إعاقةٍ شَديدةٍ... بَترٌ فِي السَّاقِ فُوقَ الرُّكبَةِ وَنِسبةُ عَجزِ كَبيرةٍ ...". (شَيءٌ واحدٌ لم تَمسُّه السَّنواتُ، ص 13، 14).

أُسلوبيَّةُ الكّاتبِ التعبيريَّةُ:

انمازتْ أُسلوبية الكاتب والرائيِّ السيِّد مُزهر الهاشمي في فنيَّة خطابه التعبيري السردي في هذه المدوَّنة بلغةٍ شعريةٍ تسريديةٍ مُكثفة وتفصيليةٍ ريفيةٍ ماتعةٍ، وازدانت طلاوتها بكمٍ نوعي من الانزياحات اللُّغويَّة والصوريَّة الاستعاريَّة الواثبة والفنيَّة المُعبِّرة، وتطعَّمت حلاوتها بمجازاتٍ لُغويةٍ تعبيريةٍ هادفةٍ تنمُّ عن مقدرةٍ أُسلوبيةٍ واعدةٍ إذا ما وِجِّهِتْ شُعبُ نصال سِهامها بالشكل الفنِّي الصحيح. مثل قوله:(حُسنُ المَدينةِ مَجلوبٌ بِترفِهَا، وَلِسَليمَةْ الجِندَالةِ حُسنٌ غَيرُ مَجلوبِ، ص100).

ومثل هذه المُبادَّأة الأُسلوبيةُ في طريقة الإقْدَام والإحْجَام الأُسلوبي الجريء تُحسبُ للكاتب نفسه، على الرغم من كونه لم يغادر النمط التقليدي للرواية، ولم يذهب إلى أساليب الحداثة، الميتا سرد الحداثي والجديد بتوظيف واستخدام تقنيتي(الاستباق والاسترجاع) الزمكانية للحدث، وكسر سياق وحداته النصية النصيَّة بجعل النصِّ مفتوحاً. وكان الكاتب في أسلوبيته المعجمية السردية كثيراً ما يميل إلى تأصيل وتوظيف تمظهرات وقيم التراث الشعبي الريفي الميثولوجي، وحكايات الخرافة والمأثورات الشعبية والأُسطورية السومرية المتوارثة تاريخيَّاً، والتي ترتبط إنسانياً بطبيعة الحياةالأهوارية في تلافيف وطيات متن مدوَّنته السرديَّة والحوارية(شيءٌ واحدٌ لم تمسًّه السنواتُ):

"فِي أعقابِ الحَريقِ الكَبيرِ الَذي اِلتَهَمَ جُزءاً واسعَاً مِنْ قَريةِ الجِندَالةِ، لَمْ تَتوقَفْ النِّيرانُ عِندَمَا أحرَقَتْ مِنْ بُيوتِ القَصبِ وَالبَردِي، بَل اِمتدَّ لَهيبُهَا إلَى عُقُول النَّاسِ، فَأشعلتْ فِيهَا خَوفَاً جَديداً. سُرعانَ مَا اِنتشرتْ إِشَاعةٌ تَقولُ إنَّ السَّببَ لَمْ يَكُنْ إهمالاً أو شَرارةً عَابرةً، بَلْ سُقوطُ(نَجمةُ أُمِّ ذْويلٍ)-نَيزكٌ نَاريٌ هَبَطَ مِنَ السَّماءِ، يَحملُ لَعنةَ غامضةً، كَبُرتْ الحِكاياتُ، وَتَضمَّختِ الرِّواياتُ، حتَّى تَحوَّلتْ الإشاعةُ إلَى يَقينٍ عِندَ كَثيرينَ. وَوَلِدَتْ مِنْ رَحمِ الخَوفِ بِدعةً غَريبةً، قِيلَ إنَّ هَذهِ النَّجمةَ سَتخطفُ أوْ تَحرقُ الشَّبابَ والصِّبيانَ، وَلَا سَبيلَ لِلنجاةِ مِنهَا إلَّا بِإلباسِهِم ثِياباً حَمراءَ، وَوضعِ بَصمةٍ حَمراءَ عَلَى جِباهِهِم، فِي المَنطقةِ بَينَ الحَاجبينِ كَعلامَهٍ تَحميهُم مِنْ الشَّرِّ القَادِمِ مِنَ السَّماءِ. وَبينَ لَيلةٍ وَضُحَاها، تَغيَّرَ وَجهُ القَريةِ..." (شَيءٌ واحدُ لَمْ تَمسُّه السَّنواتُ، ص63).

اِستحضارُ اللَّهجةِ المَحليَّة العَاميَّة:

عَمَدَ السيِّد مُزهرُ الهَاشميّ إلى استخدام وتوظيف مفرداتٍ وتراكيبٍ وعباراتٍ لغويةٍ باللهجة العامية الدارجة والشعبية الصرفة، تلك هي لغة الأرياف المحبَّبة ولغة الهور ومصطلحاته التداولية في مسرودات حواراته مع الوفد الضيف. مما أضفى على بنائها اللغوي التركيبي والفنِّي شيئاً محبَّباً ومؤثّرِاً في النفوس، ويعدُّ من جماليَّات المُتعة الترويحية والتشويق النفسي؛ لكون استدعاء بعض الألفاظ العامية تُناسب واقعةَ الحدث الموضوعية الآنية التي انبثقت منها ثيمة العمل السردي:

"لِفِّي السنابل لفيها/ بسمِ الله نبدي بيها/ تعبنا يروح ونفرح بيها/  والخيرات من الله نعطيها". (شَيءٌ واحدٌ لم تمسُّه السَّنواتُ، ص 73).

وفي الوقت نفسه لقد بالغ الكاتب السيِّد مُزهر الهاشمي كثيراً وخرجَ عن نسقِ المألوف حينمَا أكثرَ من الافراط باستخدام الألفاظ والعبارات العامية الضاربة في العمق في روايته، حتَّى وصل به الحالُ إلى كتابة وتدوين هذه التوظيفات العامية في صفحات إنتاجية عديدة ومتتالية من روايته، الأمر الذي أفسد ذائقة فنية التعبير السردية لهذه المدوَّنة حين صار صارت لغة السرد إنشاء شعبياً تداولياً وسوالف وحكاياتٍ باللهجة الشعبية الريفية المحلية الدارجة المُملَّة.

لذلك لا داعي لذلك الإسهاب العامي، أو وجود مبرر إبداعي كتابي يسوغ لإكثار منها بهذا الكم الهائل من الاستشهادات الشعبية الكثيرة؛ كي يمنح النص فاعليةً وتأثيراً مباشرا حيَّاً بدلاً من التقعر اللغوي والتصحر المعنوي. وكلَّما كانت الألفاظ والعبارات قليلة ومضيئة كانت أكثر إدهاشاً: "جربوا... بس لا تنسون ... الأرض ما تنسى أهلها". (شيءٌ واحدٌ لم تمسُّه السَّنواتُ، ص 91).

إضفاءُ الرُّوحِ السُّومريَّةِ الجَنوبيَّة المُحبَّبةِ:

لقد تسيَّدت الروح العراقية الجَنوبية والمزايا السومرية على شخصيَّة بطل الرواية المدعو(سلام)، وما انماز به من كرمٍ وشجاعةٍ وإيثارٍ ومحبَّةٍ وتسامحٍ وإخلاصٍ ووفاءٍ صادقٍ رجوليٍ جميلٍ. ويلوح كثيراً أنَّها مزايا وصفات ومناقب الكاتب السارد أو الروائي والمحاور الأول السيِّد الهاشمي وطباعه الشخصية المعروفة ذاتها، والتي ألقت بظلالها السرديَّة الوارفة على شخصيَّة بطل الرواية وتقنَّع بها الكاتب سيريَّاً في وقائع وأحداث هذه المدونة الاجتماعية الإنسانية ذات التحوّلات الكثيرة:

"تَجفيفُ نَهرِ الكَفَّاخِ والأهوَارِ الَّتي كَانتْ تُحيطُ بِهِ. المَاءُ الَّذي كَانَ المَكانُ اِنسحبَ، تَاركاً خَلفَهُ مُوتَاً بَطيئاً. نَفقتِ الأسمَاكُ، طَفتْ عَلَى السَّطحِ ثُمَّ اِختفتْ، وَمَاتتِ المَواشِي وَالدَّوابُ، وَاحدةً تُلوَ الأُخرى، حتَّى الطُّيورُ هًجرتِ السَّماءَ الَّتي لَمْ تَعُدْ تَعكُسُ مَاءً". (شَيْءٌ واحدٌ لم تمُّسه السنواتُ، ص156)

لقد حاول الكاتب الهاشميُّ في الكثير من فتوحاته السردية ومشاهد التقاطاته الحُوارية المفتوحة، وصوره العامَّة التوثيقَ الجدِّيَّ لحياة الناس والبيئة ويوميَّات المجتمع وواقعه الريفي والأهواري المحافظ الكريم. وأخذ في تسريداته يوظَّف إنتاجياً يوميات الحياة العراقية العامة والخاصة وتأصيلها في القرية والريف والمدينة الحاضرة، وأحال فعلها التصويري الفني إلى موضوعاتٍ جمعية إنسانيةٍ مؤثرة في النفس عابرة لخطوط الصدِّ الفردية الضيقة في انفتاحها نحو هُويَّة الآخر:

"يَا إلَهِي...أنَا عِراقيَّةٌ. أبِي مُولودٌ فِي العِراقِ، وَجَدِّي، وَجَدُ جَدِّي، كُلُّهُم مِنَ تُرابٍ هَذَا البَلدِ. فَمَا هَذَا الظُلمُ؟ كَيفَ أصبحتُ فَجأةً تَبعيَّةً؟ كَيفَ صَارَ عَليَّ أنْ أشرَحَ لِلغرباءِ أنَّ جُذوري أعمقُ مِنَ الحُدُودِ وَالأوراقِ؟ أنَا بِنتُ العِراقِ... تَمتدُّ سَاقايَ مَعَ جُذورِ نَخلةٍ فِي الجَنوبِ". (شيءٌ واحدٌ لم تمسُّه السنوات، ص186، 187).

وعززها أيضاً بتوليفةٍ جميلةٍ من المقاطع والأشعار الشعبية والفصيحة، وفيوضاتٍ من الأغاني والأهازيج الريفية والشعبيَّة المُمتعة التي تنبع من أعماق الطبيعة والحياة الأهوارية، وخاصَّةً عند ممارسة هواية الصيد، ومواسم الحصاد والعمل والانتاج الزراعي لمحصول الشلب أو العنبر الذي يتطلب من ابن الأرض والبيئة أو الإنسان أنْ يتماهى مع واقع الطبيعة الكونية المتحركة والثابتة، ويستجيبُ لديمومة الحياة الموسمية الهادفة دون شعور بالملل والكلل أوالإحباط النفسي والروحي.

الثُّنائيَّاتُ التَّضاديَّةُ:

إنَّ من أهمِّ سرديات رواية(شيءٌ واحدٌ لم تمسُّه السَّنواتُ) موضوعة الحبِّ الصادق الذي يُشكِّل مع موضوعة الحرب ثنائية(الوجود والعدم)، و(الحياة والموتُ)، فضلاً عن مُشكلات أخرى أكثر خطورةً وتأثيراً بالنفس وتهدِّد الوجود الإنساني مثل، ظاهرة التهميش والتهجير القسري وتجفيف مياه الأهوار، وافتعال اشتعال الحرائق المُتعمِّدة، ورصد التحوُّلات الأرضية، هي الموضوعات والأفكار النوعية المكثَّفة التي استرعت جلُّها نظر الكاتب والراوي مزهر الهاشمي في مذكراته الأدبية السيريَّة والحوارية التسريديَّة، وألقت بظلالها العينية الوارفةعلى شخصيته الفكرية المنتجة:

"وَهَكذَا تَحوَّل القَرارُ الَّذِي اتَّخذهُ الأبُّ يَومَاً بِدافعِ الأَملِ -حِينَ زَوَّجَ اِبنَهُ أحمدَ- إلَى عِبٍء ثَقيلٍ اِرتَدَّتْ تَبعاتُهُ عَلَى الجَميعِ. تَسلَّلَ القَلقُ إلَى تَفاصيلِ الحَياةِ اليَوميَّةِ، وَغَابتٍ الطُّمأنينَةُ الَّتي كَانتْ، بِرغمِ كُلِّ شَيءٍ تَجمعُهُم". (شَيءٌ واحدٌ لم تَمُّسه السَّنواتُ، ص 78).

بَينَ المُتعةِ السَّرديَّةِ والانكسارِ:

من أمتع عبارات رواية الهاشمي(شيءٌ واحدٌ لم تمسُّه السَّنواتُ) تَسريداً جَماليَّاً وفنيَّاً قوله التشعيري: (إنَّ الأقمارَ حِينَ تَغيبُ تَتركُ ظَلامَاً لَا يُشبهُ اللَّيلَ)، وإنَّ أقسى مشاهد السرد الذاتي المشحونة شجناً وتأسياً في سطور هذه المدونة هي اللحظات الإنسانية الشعورية القاسية التي تمَّ فيها تسفير الحبيبة(سميرة) إلى إيران؛ كونها وصفت بالتبعية الإيرانية في خطوةٍ أقدمَ عليها النظام الدكتاتوري البعثي البائد آنذاك. وأعني بذلك إجراءات التهجير القسري والإثني، ولحظات العذاب والموت، أو بالأحرى معاناة السيِّد الهاشمي جرَّاء فراقه للحبيبة، وكمية الوفاء والإخلاص التي وسمت قصتهما الإنسانية. فضلاًعن موضوعات تحوُّلات المجتمع السريعة التي شهدتها المكانية.

التَّوثيقُ العّيني والأرخنةُ السَّرديَّة:

لا تخلو رواية السيِّد مزهر الهاشمي من وقائع التوثيق السياسي والتاريخي والتدوين الحيِّ لمشاهد من تاريخ العراق السياسي الحديث، وما مرَّ به أزماتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ دوليةٍ عاصفةٍ، مثل قيام الحرب العراقية الإيرانية، ودخول الجيش العراقي للكويت، وحرب الخليج الأولى والثانية والثالثة. وما أفرزته تلك الحروب من نكساتٍ وخيباتٍ سياسيَّةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وثقافيةٍ، وقيام حصارٍ اقتصاديٍّ جائرِ استمرَّ لسنواتٍ قاتلةٍ طوالٍ، انهكت كاهل الشعب العراقي وجوَّعت أبناءه جميعاً.

"لَمْ تَضعِ الحَربُ أوزارَهَا سَريعَاً، بَلْ تَمدَّدتْ كَظلٍّ ثَقيلٍ فُوقَ الأعمارِ، تَأكلُ السَّنواتُ كَمَا تَأكُلُ النَّارُ الهشِيمَ، ثَماني سَنواتٍ لَمْ تَكنْ زَمناً يُقاسُ بِالتقويمِ، بَلْ كَانتْ عُمْراً كَاملاً مِنَ الاِنتظارِ والخَساراتِ. كُلُّ بَيتٍ فِيه غَائبٌ، كُلُّ أُمِّ تَنتظرُ، وَكُلُّ قَلبٍ مُعلَّقٍ بَينَ رَجاءٍ وَخَوفٍ". (شَيءٌ واحدٌ لمْ تمسُّهُ السنواتُ، ص 189).

خَواتيمُ الرِّوايَةِ:

من يتتبعُ سرديَّات رواية(شيءٌ واحدٌ لم تمسُّه السنواتُ) لِمُزهرِ الهاشمي بدأً من مُفتتحها ومروراً بفضاءات متنها النصِّي وانتهاء حتَّى بخواتيمها الحدثية، سيقرأ بإمعانٍ أنها كانت نهايةً موضوعيَّةً وانتصاراً للحقِّ وتعضيداً لإنسانية المجتمع وواقع الحال وسير المآل ممزوجاً هذا الزهو العراقي والفخر الإنتاجي بفيوضاتٍ من تجلِّيات المحبَّة والثقافة والإبداع والجمال الروحي الجمّ برغم البساطة والعفوية التي سيطرت على تمظهرات واقعة الحدث السردية وطبعت الرواية بطابعها:

"قَالتِ السَّيِّدةُ الإعلاميَّةُ بِصوتٍ خَافتٍ، كَأنَّها تَخشَى أنْ تَكسرَ اللَّحظةَ -جِئنَا لِنكتُبَ قِصةً... فًاكتشفنًا أنَّنا نًحنُ مَنْ كَتبنَا فِيهَا. اِبتسَمَ سَلامُ وَلَمْ يُجِبْ... كَانَ يَكتفِي بِالنظرِ، وَكَأنَ الكَلامُ فِي هَذهِ اللَحظةِ أقلَّ مِنْ أنْ يُقالَ. تَقدَّمَ عَائدٌ، صَافحَهُ بِقوةٍ، وقَالَ: -لَمْ تَكُنْ زِيارةً ... كَانتْ دَرسَاً. رَدَّ سَلامُ بِهدوءٍ :- وَأنَا تَعلمتُ مِنكُم أيضاً... الطَّريقُ لَا يَكملُ وَحدَهُ. أمَّا الرَّجلُ الآخرُ، فَالتفتَ نَحوَ سَميرةَ وقَالَ بِاحترامٍ: -كَرمَكُم.. لا يُنسَى. اِبتسمتْ سَميرةُ وَقَالتْ بِبساطةٍ: -هَذَا بَعضُ مَا عِندَنَا. تَقدَّمتْ السَّيِّدة ُالإعلاميَّةُ نَحوَ سَلامٍ، تَوقَّفتْ لَحظةً، ثُمَّ قَالتْ: -سَنعودُ... لَيسَ كَوفدٍ هَذهِ المَّرةِ... بَلْ كَأصدقاءٍ. أجابَهَا بِنبرةٍ صَادقةٍ: -الأبوابُ تُفتَتَحُ لِمَنْ يَدخلُها بِقلبِهِ". (شَيءٌ واحدٌ لم تَمَّسهٌ السَّنواتُ، ص 207، 208).

والسؤال المُلحُّ الذي لا بدَّ منه والموجَّه لكاتب الرواية السيِّد الهاشمي والذي يبحث عن إجابة صادقة وصريحة واضحة. كم نِسبةً مئويةً من المصداقية الحقيقية والمخياليَّة الافتراضية تعطي لهذه لسرديات هذه الرواية احداثاً وشخصياتٍ ومكاناً زمانيَّاً، وهل بقي هنا من أنساق ثقافية ظاهرة ومضمرةً لم تذكر في شهادتك السردية للواقع الزمكاني المَعيش في القرية والمدينة والهور؟

وبالرغم من هذا الرأي الذي نتَّفق عليه أو ذاك الرأي الذي نختلف فيه شكلاً ومضموناً فإنَّ ما يُميَّز رواية(شيءٌ واحدٌ لم تمسَّه السنواتُ)، ويغلُّف أنساقها وظروف إنتاجها وعيِّنات شخوصها وفعليَّاتها الحدثية، تمكَّنت رواية مُزهِرُ الهاشميُّ أنْ تتركَ أثراً إنسانيَّاً طيِّباً في صراعها الجمعي مع هُويَّة الآخر السَّلبي، واستطاعت أنْ تصل بنا لشطآنِ الحقيقة المغيَّبةِ، وأنْ تمنحَ السرديَّات المجتمعية وجهاً معرفياً وإنسانياً جميلاُ يضاف إلى ببليوجرافيا رفوف مكتبة أدب الذكرياتِ السيريَّة والروائيَّة من خلال هذا اللوَّن في المُحاولة التجنيسيَّة الكتابية المٌعبِّرة عن صدقِ منتجها الهاشمي ابن البيئة المكانية (الجِندَالة) الذي سافر بنا بمشحوفه السردي الجنوبي إلى أعماق الهور وبرده القصبي، راسياً بزورقه على ضفاف مدينة الطين الحِرِّي والغَرينِ ذي الثلاثة أنهر(العُمَارَة).

***

د. جبَّار ماجد البهادليُّ

ناقدٌ وكاتبٌ عراقيُّ

في المثقف اليوم