عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعيف علي: هندسة التناوب السردي وتضاريس الوعي

عند القاصة التونسية نجوى العريبي

تتأسس المعمارية الهيكلية لمجموعة الكاتبة التونسية نجوى العريبي "استووا... يرحمكم الله" على استراتيجية التناوب السردي؛ فالكاتبة لا تلتزم بنمط حجم موحد، اذ تخضع المتلقي لمراوحة بنائية مستمرة بين القصص القصيرة والقصص القصيرة جدا. هذا التناوب يوجّه حركة الوعي ويحدد طبيعته داخل النصوص.

تضم المجموعة ثلاثين نصا، تتوزع منها عشرة نصوص قصيرة جدا، وعشرون نصا متوسط الطول أو طويلا، مما يخلق إيقاعا يقوم على التعاقب بين النفس الممتد والومضة الخاطفة. ويمكن قراءة هذا الترتيب بوصفه هندسة سردية توحي بقصدية تنظيمية، حيث ينتقل القارئ بين استغراق الحكاية وصدمة الومضة.

1. القصص القصيرة: فضاء الامتداد وتشكل الوعي

في هذا المسار من التناوب السردي (ويتمثل في نصوص مثل: "للذاكرة رائحة"، "مثنى وثلاث و... ، "الغلالة الحمراء"، "مراودة"، "صفقة"، "الزمن المسروق"، "مطر"، وغيرها)، تمنح الكاتبة السرد مساحة جغرافية وزمنية كافية تتيح للشخصيات والأحداث النمو العضوي.

آليات تشكل الوعي

ينبسط الوعي هنا بشكل أفقي وعمودي، مستفيداً من المساحة الزمنية لتفعيل التداعيات الحرة والارتداد إلى الماضي. ففي قصة "للذاكرة رائحة، يتسع النص لست صفحات يتشكل عبرها وعي الجدة من خلال حاسة الشم (رائحة الكسكسي ومكوناته) وحاسة السمع (أغاني المهد وتكبيرات المؤذن) ليعوض انطفاء الحاضر وضياع الذاكرة الفعلي. فالمرض لا يُهزم بالدواء، بل باستدعاء الطقوس اليومية التي تختزنها الذاكرة الحسية، حيث يصبح الطبخ طقساً ذاكرياً يعوض غياب الابن واستلاب الزمن.

وفي "الغلالة الحمراء"، يمتد الوعي عبر مونولوج داخلي يفكك انهيار البطل وتأرجحه بين ذعر الكابوس وطمأنينة اليقظة، ليكشف عن تفكك الذات تحت وطأة الفعل الأخلاقي المشين. وفي "الزمن المسروق"، تنتقل الذاكرة بين زقاق "عين دوارة" في نابل ومدينة "ليون" في فرنسا، لتكشف الفجوة بين الذاكرة الحية والذاكرة المستعادة في المنفى، وتقارن بين رائحة الطبخ في الزقاق التونسي ورائحة المطر في ليون الباردة، مسلطة الضوء على اغتراب الذات في فضاءات الحداثة.

وفي "مطر"، يمتد النص عبر استحضار المطر بوصفه ذاكرة وهوية واغتراب، حيث يبلل المطر كل شيء حتى الهذيان نفسه   وفي "مراودة، يتشكل وعي البطل في مونولوج متشظٍ، ينتقل بين كونه مواطنا بصفة "لا شيء" وبين كونه مشهورا بين عشية وضحاها، ليظهر كيف تحوّل الفعل العابر إلى مادة إعلامية تستهلك الذات وتفككها.

الوظيفة البنائية

يسمح الامتداد النسبي ببناء العمق السيكولوجي والتطور الاجتماعي. نرى تحول الشخصية وتراكم أزماتها عبر الزمن. وهذا الامتداد يسهم في بناء البعد الأنتروبولوجي للمجموعة، حيث ينبثق النقد الاجتماعي من تفاصيل الحياة اليومية، لا عبر خطاب مباشر. فالامتداد الزمني يتيح للكاتبة كشف سلطة المال والجسد والدين والإعلام من خلال تراكم المشاهد والتفاصيل، ويمنح القارئ مساحة للتعاطف مع الشخصيات وفهم تعقيداتها.

2. القصص القصيرة جداً: اقتصاد اللغة وتكثيف الوعي الصادم

في الشق المقابل من التناوب السردي، تنتقل العريبي نحو نصوص مجهرية شديدة القصر (مثل: "استووا... يرحمكم الله"، "فنان الغلبة"، "دم"، "مشهد"، "مغالطة"، "خيبة"، "عقاب"، "صدمة"، عرض"، و"إخلال")، حيث يتلاشى الامتداد المشهدي ليحل محله الاختزال الحاد.

آليات الوعي المكثف

لا توجد هنا مساحة لتمفصل الوعي وتفرعه الحواسي. نحن أمام بؤرة وعي خاطفة وموجهة تختزل المأساة في لقطة واحدة. الوعي هنا اندفاعي ومباشر، يتجه بسرعة نحو المفارقة الختامية الصادمة. ففي "استووا"، يُختزل التناقض بين القداسة والرغبة في مشهد واحد: الإمام المنبهر بجمال الصبية والذي يتلو بعدها "استووا يرحمكم الله". وفي "خيبة"، يُختزل العبث في هبة ريح تخطف ورقة يانصيب رابحة، ليكشف عن هشاشة الأمل أمام تدخل القدر الأعمى.

في "صدمة"، يُختزل الجشع في مشهد اكتشاف المال المفتت في مرتبة العجوز الميتة، حيث يتحول الإنسان في مرضه إلى فأر يخبئ ثروته في جحر. وفي "عقاب"، يطلب الرجل رغيفاً فيُنتزع قلبه ولسانه وتُداس الرغيف، لتتجسد الطمع الذي يدمّر جوهر الإنسانية. وفي "فنان الغلبة"، يحضر الرجل تأبينه ويضحك، ثم يختم النص بـ"عاش يشتهي تمرة"، محوّلاً الموت إلى مهزلة وجودية.

الوظيفة البنائية

تعمل هذه الومضات بوصفها مشرط تشريح يفضح عيوب المجتمع أو عبثية القدر بضربة لغوية واحدة. .لقطات فوتوغرافية تثبت اللحظة وتعرّيها، دون حاجة إلى سياق أو تمهيد، تاركة القارئ أمام صدمة المفارقة التي لا تترك له مجالاً للتهرب. وهذه الوظيفة تمنح المجموعة حدتها النقدية والشعرية، حيث تختفي الشخصيات المركبة ليحل محلها النموذج أو المثل، ويتحول السرد إلى حامل لفكرة أو موقف فلسفي أو أخلاقي.

 3. التناوب السردي: جمالية المفارقة وخلخلة التلقي

تكمن القيمة الأسلوبية العليا في المجموعة في آلية الانتقال والتبادل بين هذين القالبين، وهو تناوب ينتج أثرا جماليا ونقديا مزدوجا.

أ. خلخلة أفق توقع القارئ

ينتقل المتلقي من قصة ممتدة تستلزم منه الاستغراق العاطفي ومتابعة التفاصيل الحسية واليومية المعقدة، ليصطدم فورا بنص برقي مكثف يطالبه باليقظة الذهنية وتفكيك الرمز التراثي والأسطوري السريع. هذا التناوب يحد من الرتابة السردية، ويسهم في تجديد الإيقاع القرائي، ويجعل المتلقي في حالة ترقب دائمة، حيث لا يعرف إن كان النص التالي سيمنحه مساحة للغوص في التفاصيل أم سيفاجئه بصدمة موجزة.

ويمكن قراءة ترتيب النصوص بوصفه إيقاعاً محسوبا: افتتاح المجموعة بومضة ("استووا") يضع القارئ في حالة يقظة، ثم تتراكم القصص الطويلة في الوسط لتمنح المتن ثقله الحكائي، ثم تتكاثف الومضات في أقسام متفرقة لتسرع الإيقاع وتكسر رتابة الامتداد، وتنتهي المجموعة بومضات متتالية تضرب القارئ كصاعق أخير. هذا التوزيع يوحي باستراتيجية تناوب سردي تهدف إلى إدارة توقع القارئ وإيقاع قراءته.

ب. انعكاس لتشظي الواقع البشري

يعكس هذا التناوب الهيكلي طبيعة الوعي الإنساني المعاصر؛ فنحن نعيش حياتنا بين امتداد الذاكرة وثقلها التاريخي والاجتماعي من جهة (تمثله القصص الطويلة: الحنين، التفاصيل اليومية، تراكم المعاناة، الزقاق، الحجر، التراث الأندلسي، رائحة الطبخ والكسكسي، المطر كذاكرة)، وبين سرعة وخاطفة المآسي اليومية والصدمات العبثية المفاجئة من جهة أخرى (تمثلها الومضات: الموت، الفضائح، خيبات الأمل، العبث، ازدواجية القداسة، الريح التي تخطف الحلم، المال المخبأ في الجحر).

ج. التكامل الموضوعي بين القطبين

رغم اختلافها الشكلي، تلتقي النصوص الطويلة والقصيرة في رؤية نقدية مشتركة للعالم. فالجسد والمال يتداولان في "مثنى وثلاث و..." و"صفقة" و"صدمة". والعبث والقدر يسيطران على "مراودة" و"خيبة". والذاكرة والنسيان يتصارعان في "للذاكرة رائحة" و"فنان الغلبة". والتراث والهوية يتجليان في نصوص الزقاق والحجر والمطر، بينما يختفيان في الومضات ليحل محلهما العبث المعاصر. والسلطة الدينية او المجتمعية تنكشف في "استووا" و"مشهد" و"مغالطة". والمنفى والاغتراب يطلان من "الزمن المسروق" و**"هنا وهناك" و"مطر"

وهذا التكامل الموضوعي يجعل من التناوب السردي أداة لتقديم درجات مختلفة من التعبير عن النظرة السوداوية أو الساخرة للوجود: فالقصص الطويلة تمنحنا مساحة للتعاطف مع الشخصيات وفهم تعقيداتها، بينما الومضات تمنحنا صدمة الاختراق المباشر للتناقضات دون مقدمات.

د. الاختلاف في الحجم السردي اختلاف في إدراك العالم

ليس اختلاف الحجم السردي في هذه المجموعة  مجرد اختلاف في البناء. هو اختلاف في طريقة إدراك العالم. فالقصص الطويلة تنظر إلى الواقع باعتباره عملية زمنية تتشكل بالتراكم والامتداد، حيث المعنى يبنى عبر الزمن وتراكم التفاصيل. أما الومضات فتنظر إلى العالم باعتباره سلسلة من الانقطاعات والمفارقات، حيث المعنى ينكشف في لحظة صدمة واحدة. هذا التباين في الإدراك يجعل التناوب السردي نفسه رؤية للوجود، لا مجرد تقنية تنظيمية: فالحياة كما تقدمها المجموعة هي حركة بين التراكم والانقطاع، بين البطء والخطف، بين استمرارية المعاناة وفجائية الصدمة.

خاتمة تركيبية

يتكامل امتداد النص واختزاله في متن نجوى العريبي لتشكيل بنية سردية دائرية ومصقولة؛ فالقصص الطويلة تسهم في بناء البعد الأنثروبولوجي والاجتماعي والسيكولوجي للمجموعة من خلال الحركة الحرة للحواس والذاكرة، وبناء الشخصيات المركبة التي تتغير وتتطور عبر الزمن، واستعراض تفاصيل الحياة اليومية بوصفها طقوساً مقاومة للنسيان والاغتراب. بينما تمنحها القصص القصيرة جداً حدتها النقدية والشعرية، من خلال التكثيف الرمزي والمفارقة الخاطفة التي تفضح تناقضات المجتمع والوجود دون مهلة للتهرب. وبذلك، يغدو التناوب السردي في المجموعة تجسيداً لرؤيتها إلى العالم: واقع يتأرجح بين بطء المعاناة وفجاءة الفجيعة، بين ثقل الماضي وخفة اللحظة، بين عمق الحكاية وبرق الومضة. والكاتبة، بهذه الهندسة المدروسة، تمنح القارئ تجربة جمالية ونقدية مزدوجة: متعة الغوص في التفاصيل، وصدمة المواجهة مع العبث.

***

بقلم: سعيف علي الظريف

في المثقف اليوم