عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: قراءة إمبريقية في بنية قصيدة النثر الحداثية

مقدمات في سياق خلخلة آليات اشتغال قصيدة النثر الحداثية

ليست قصيدةُ النثر الحداثية تمريناً على كسر الوزن، ولا مغامرةً شكليةً تستبدل البحر بالفراغ، وإنما هي محاولةٌ جذريةٌ لإعادة تعريف الشعر بوصفه حدثاً معرفياً وجمالياً، تتواطأ فيه اللغة مع الرؤيا لإنتاج عالمٍ جديد، لا لنقل العالم القائم. فالشعر، كما رأى مارتن هايدغر، ليس وصفاً للأشياء، بل هو المسكن الذي تقيم فيه الحقيقة حين تتجلى في اللغة، ولذلك لا تقاس قيمة القصيدة بما تهدمه من أنظمة عروضية، وإنما بما تؤسسه من أنظمة دلالية وجمالية قادرة على إحداث الرجفة في الوعي.

ومن هنا تأتي أهمية القراءة الإمبريقية لقصيدة النثر؛ إذ لا تنطلق من الأحكام المسبقة، ولا من التعريفات المدرسية الجامدة، وإنما من معاينة النصوص ذاتها، ورصد كيفية اشتغالها الداخلي، وكيف تتآزر مكوناتها اللغوية والرمزية والإيقاعية والأسطورية في بناء أثرها الجمالي. فالقصيدة ليست هيكلًا نظرياً، بل كائنٌ حيٌّ تنبض خلاياه بالدلالة، ويعيد مع كل قراءة إنتاج نفسه في ضوء خبرة المتلقي وثقافته وأفق انتظاره.

لقد أدرك فرديناند دي سوسير أن اللغة نظامٌ من العلاقات لا من المفردات، بينما ذهب تشارلز ساندرز بيرس إلى أن العلامة لا تحيل إلى الشيء مباشرة، وإنما إلى سلسلةٍ لا تنتهي من التأويلات. وفي هذا الأفق السيميائي، تغدو قصيدة النثر شبكةً من العلامات المتداخلة، لا يُقرأ فيها الرمز منفرداً، ولا الصورة مستقلة، ولا الأسطورة بوصفها زينةً ثقافية، بل باعتبارها وحداتٍ عضويةً تشترك جميعها في إنتاج المعنى، وتوسيع أفق التأويل.

ولعل أبرز ما يميز قصيدة النثر الحداثية أنها لا تقول المعنى، بل تستدرجه؛ ولا تمنحه جاهزاً، بل تخلقه عبر التوتر بين الحضور والغياب، والإفصاح والكتمان، والقول والصمت. إنها لغةٌ تنمو في مناطق الظل أكثر مما تنمو في وضوح النهار؛ ولذلك كانت، كما يرى بول ريكور، تفتح إمكاناتٍ لا نهائية للتأويل، لأن الرمز يمنح الفكر أكثر مما يمنحه التقرير المباشر.

ومن هنا لا تكون الصورة الشعرية انعكاساً للواقع، وإنما إعادةُ خلقٍ له. إنها لا تنقل الأشياء كما هي، بل كما تصبح داخل المخيلة. وقد أصاب غاستون باشلار حين رأى أن الصورة الشعرية تولد ولادةً جديدةً في لحظة القراءة، لأنها ليست استذكاراً للماضي، بل انبثاقاً للوجود في لحظة اللغة. ولهذا تتحول الاستعارة في قصيدة النثر إلى أداةٍ معرفية، لا إلى محسنٍ بلاغي، ويغدو الرمز باباً إلى طبقاتٍ خفية من الوعي، لا مجرد إشارةٍ زخرفية.

أما الأسطورة، فقد استعادت حضورها في القصيدة الحديثة لأنها تمثل الذاكرة العميقة للإنسان. فالشاعر لا يستدعي جلجامش أو بروميثيوس أو عشتار أو تموز ليزين نصه بأسماءٍ ثقافية، وإنما ليستثمر الطاقة الرمزية الكامنة فيها، فيعيد تشكيلها داخل سياقٍ جديد، فتغدو الأسطورة لغةً ثانيةً للواقع، تكشف ما تعجز اللغة اليومية عن الإفصاح عنه. وهكذا تصبح القصيدة ملتقى الأزمنة، حيث يتحاور الماضي مع الحاضر، والأسطورة مع التاريخ، والفرد مع المصير الإنساني.

غير أن الركيزة الأشد التباساً في قصيدة النثر تبقى الموسيقى؛ إذ ما يزال كثيرون يظنون أن الشعر يبدأ بالوزن وينتهي عنده، مع أن الوزن ليس إلا أحد أشكال الإيقاع، وليس الإيقاع كله. لقد ميز النقد الحديث بين الموسيقى الخارجية التي تنتجها البحور، والموسيقى الداخلية التي تنبثق من العلاقات الدقيقة بين الأصوات والكلمات والجمل والصور والدلالات.

فالموسيقى في جوهرها ليست عدداً من التفعيلات، وإنما حركةٌ خفيةٌ في نسيج اللغة. إنها تنشأ من التكرار، والتوازي، والتدوير، والتقديم والتأخير، والتوتر بين الجملة الطويلة والقصيرة، وبين الصمت والكلام، وبين الامتلاء والفراغ. ولعل هذا ما قصده ابن خلدون حين جعل الشعر الحقيقي هو ما يحدث في النفس "هزّاً"، لأن جوهر الشعر ليس انتظام الأصوات وحدها، بل قدرتها على إيقاظ الوجدان.

إن الوزن يمنح القصيدة جسداً، أما الإيقاع فيمنحها روحاً. وقد يجتمعان، وقد يفترقان، غير أن الروح تبقى أسبق من الجسد في الفن العظيم. ولذلك استطاعت قصيدة النثر أن تبتكر موسيقاها الخاصة، تلك الموسيقى التي لا تُسمع بالأذن وحدها، وإنما تُدرك بحساسية القراءة، إذ تتولد من حركة الدلالة، ومن تعاقب الصور، ومن انسياب الجمل، ومن التنفس الداخلي للنص.

وليس من المصادفة أن يربط الفيلسوف إرنست كاسيرر الإنسان بقدرته على إنتاج الرموز؛ فالإنسان لا يعيش في عالم الأشياء وحدها، بل في عالم الأشكال الرمزية. وقصيدة النثر هي إحدى الذرى التي تبلغها هذه القدرة؛ إذ تتحول اللغة فيها إلى كونٍ رمزي، يتجاوز التسمية إلى الكشف، والإخبار إلى الإيحاء، والوصف إلى الخلق.

إن خلخلة آليات اشتغال قصيدة النثر لا تعني تفكيكها بغرض هدمها، وإنما الكشف عن قوانينها الداخلية، التي تختلف عن قوانين القصيدة العمودية، لكنها ليست أقل صرامةً منها. فالفوضى ليست حرية، والغموض ليس عمقاً، والتشظي ليس حداثة. إن النص الحداثي الحقيقي يمتلك نظامه الخاص، غير أن هذا النظام لا يفرض نفسه من الخارج، بل ينبثق من داخل التجربة الشعرية ذاتها.

ولهذا فإن قصيدة النثر ليست نصاً مفتوحاً على العبث، بل نصٌ مفتوح على الاحتمال؛ فهي تمنح القارئ دوراً خلاقاً، فيصبح شريكاً في إنتاج الدلالة، لا مستهلكاً لها. وهنا يتحقق ما أشار إليه هانس روبرت ياوس من أن المعنى لا يقيم في النص وحده، ولا في القارئ وحده، وإنما يولد من اللقاء الخلاق بينهما.

إن الشعرية الحديثة لا تقيس نجاح القصيدة بسلامة الوزن، وإنما بقدرتها على تأسيس دهشةٍ وجودية، تخلخل يقين القارئ، وتدفعه إلى إعادة اكتشاف العالم. فالدهشة ليست انفعالاً عابراً، بل لحظةُ ولادةٍ ثانيةٍ للمعنى، تنقلب فيها اللغة من أداة تواصل إلى أداة كشف، ومن وسيطٍ ناقل إلى قوةٍ خالقة.

وهكذا تبدو قصيدة النثر فضاءً تتعانق فيه اللغة والصورة والرمز والأسطورة والإيقاع، لتؤلف فسيفساءً جماليةً لا تستمد وحدتها من التشابه، بل من التناغم العميق بين عناصرها. إنها شعريةُ التعبير الهارب من قيد الوزن إلى أفق الإيقاع، ومن سلطة القالب إلى حرية الرؤيا، ومن حدود العبارة إلى اتساع العلامة.

ولذلك يبقى الشعر، في صورته الأصفى، ذلك الارتعاش الخفي الذي يسري في اللغة قبل أن يسري في السمع، وتلك الرعشة التي تجعل الكلمات تتجاوز معانيها المعجمية لتصبح طاقةً روحيةً تهزُّ الكيان. فإذا لم يترك النص في النفس رجفةً توقظ الوعي، ولم يفتح في القلب نافذةً على المجهول، ولم يحول اللغة إلى كائنٍ يضيء أكثر مما يقول، فإنه يظل، مهما بلغ من الصنعة، صناعةً لفظيةً جميلة، لا شعراً بالمعنى الذي يجعل الإنسان يعيد اكتشاف نفسه والعالم في آنٍ واحد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم