قراءات نقدية
إبراهيم عثمان: قراءة نقدية بعنوان "أنطولوجيا الأمل" لقصيدة "شتاء على كتفيَّ"
للشاعرة هادية السالمي
تمضي قصيدة "شتاء على كتفيَّ" للشاعرة هادية السالمي دجبي في مسارٍ وجوديّ عميق، حيث لا يعود الشتاء فصلًا مناخيًا، بل يتحوّل إلى بنية أنطولوجية تُقيم داخل الذات، وتعيد تشكيل علاقتها بالغياب، والزمن، واللغة، والرجاء. ومن منظور "فلسفة الأمل الكوني"، يمكن قراءة هذا النص بوصفه صراعًا بين انكسار الكينونة وإرادة النجاة الروحية، بين خراب العالم الداخلي وإمكانية استعادة المعنى عبر الدعاء والنور.
منذ المطلع، نواجه ذاتًا تتجدّف داخل الفراغ:
"فراغُ الغيابِ
يُجَدِّفُ فيه فؤادي ضُحًى"
إن القلب هنا لا يعيش الغياب كحالة نفسية عابرة، بل كفضاء كوني فارغ، أشبه ببحرٍ بلا ضفاف. واللافت أن فعل "يجدّف" يوحي بمحاولة النجاة، أي أن الذات لم تستسلم تمامًا للعدم، بل لا تزال تُقاوم. وهذه المقاومة، وإن بدت واهنة، تمثل في فلسفة الأمل الكوني الشرارة الأولى للإنسان الإنساني؛ فالإنسان لا يُعرَّف بسلامه، بل بقدرته على الاستمرار داخل العاصفة.
القصيدة مشبعة بصور الانهدام: الجدار الذي كان مأوى "قضى"، الأغاني "تلاشت"، العطاف "هوى"، والسماء يغشاها الدخان.
إننا أمام عالم يفقد تدريجيًا عناصره الحامية: الموسيقى، الحميمية، الضوء، وحتى اللغة نفسها. لذلك يصبح "شتاء الحروف" أخطر من الشتاء الطبيعي، لأنه يعني انهيار القدرة على التعبير، أي انهيار المعنى ذاته. فاللغة في التجربة الإنسانية ليست أداة وصف فقط، بل بيت الوجود كما يرى Martin Heidegger، وحين تتجمّد الحروف يصبح الإنسان منفيًا حتى من صوته الداخلي.
غير أن النص، رغم كثافته السوداوية، لا يغرق في العدمية المطلقة. هنا تتجلّى خصوصية القصيدة؛ فهي لا تنتهي إلى الإنكار، بل تعبر نحو التوسّل النوراني:
"و إنِّي لَأَدْعُو الَّذي عَلَّمَ الطَّيْرَ
مَغْنَى الْهُدَى"
هذه النقلة من الغياب إلى الدعاء تمثل لحظة التحول الفلسفي الكبرى في النص. فالأمل هنا لا يأتي من الواقع الخارجي، ولا من الحبيب الغائب، بل من الارتباط بالمطلق الرحيم. إن الذات حين تعجز عن ترميم العالم بالأغنية والمجاز، تتجه نحو البعد الروحي بوصفه آخر إمكانات الخلاص.
ومن منظور فلسفة الأمل الكوني، فإن هذا التحول بالغ الأهمية؛ لأنه يؤكد أن الإنسان حين يفقد المعنى الأرضي لا يموت بالضرورة، بل قد يعيد اكتشاف المعنى عبر الوعي الكوني المتجاوز للألم. لذلك يصبح الدعاء في القصيدة فعل مقاومة وجودية، لا مجرد ابتهال ديني.
القصيدة أيضًا تؤسس لما يمكن تسميته "جغرافيا الغياب". فالغياب لا يسكن شخصًا واحدًا، بل ينتشر في الأشياء كلها: في العشب، في النوافذ، في الحديقة، في التراب، وفي القصيدة ذاتها.
وهنا يتحول العالم إلى مرآة داخلية للحزن. فالطبيعة لم تعد كائنًا حياديًا، بل أصبحت امتدادًا للذات المجروحة. وهذا البعد يقترب من الرؤية الصوفية التي ترى الكون متلبسًا بأحوال الروح؛ فإذا انطفأت الروح اظلمت الأشياء كلها.
كما أن تكرار سؤال:
"فأيُّ مجازٍ..."
ليس سؤالًا بلاغيًا فقط، بل سؤال معرفي وأنطولوجي: هل ما تزال اللغة قادرة على إنقاذ الإنسان؟ هل يستطيع الشعر أن يرمّم الخراب؟
والقصيدة لا تقدّم جوابًا مباشرًا، لكنها تُلمح إلى أن المجاز الحقيقي ليس في الزخرفة اللغوية، بل في القدرة على تحويل الألم إلى صلاة، والغياب إلى بحث عن نور.
إن "الشتاء" في النص ليس نهاية مطلقة، بل مخاض روحي عسير. ولذلك تنتهي القصيدة لا بالانطفاء، بل بالرغبة في الإفاقة:
"فيا ليْتَ نَجما
يَجِيءُ إليَّ ويُوقِظُني"
وهذا النجم، في القراءة الكونية، هو رمز الوعي، والأمل، والإشراق الداخلي الذي لا يزال ممكنًا رغم كل هذا الركام.
لقد استطاعت الشاعرة أن تكتب نصًا يتجاوز الرثاء العاطفي التقليدي إلى تجربة وجودية شاملة، حيث يمتزج الشعر بالفلسفة، والحزن بالدعاء، والخراب بإرادة الخلاص. إنها قصيدة تُعلن أن الإنسان، حتى في أكثر لحظاته بردًا ووحدة، يظل قادرًا على أن يرفع قلبه نحو الضوء.
***
الأستاذ الناقد إبراهيم عثمان - الجزائر
........................
شتاء على كتفيَّ
فراغُ الْغيابِ
يُجَدِّفُ فيه فؤادي ضُحًى.
و لا بدرَ في الدَّربِ
يَرْتُقُ ما جرَّفَتْهُ سياطُ الْجَوَى .
و كلُّ الْأغاني تلاشَتْ
و ذاكَ الْعِطافُ هَوَى.
و ذاك الْجِدارُ الّذي
كنتُ أسْري إليْه
قَضَى.
و حَطَّ الشّتاءُ على كتِفَيَّ
و شَظَّى الْعِصِيَّ.
*
تجاويفُ وجهي
يُجَدِّفُ فيها غبارُاللّظَى.
و يَغْشَى الدُّخَانُ سمائي
و يَطْغَى الْأسى.
وهذي الْغُيُومُ
تُشَظِّي قصيدي
و تُدْمِي يَدِي.
*
ثقيلا يجيءُ شتاءُ الْحُروفِ
و لستَ معى.
و لا شيءَ في الْكَلماتِ
يُعَطِّرُ مِحْبرَتي.
و لا سَقفَ
يَحرُسُ دفءَ شهِيقي وحُنجُرَتي.
فأَيُّ مَجازٍ
يُطَرِّزُ للّيْلِ أجنِحَةً؟؟؟
و لستُ أرى برتقالا
بغير ازرِقاقٍ أبي.
*
و هذا الْغيابُ
يُرَصِّفُ في الصّدرِ أقفاصَهُ.
و كلُّ نوافذِ فجري
تُغَلِّقُها زَفَراتُ الْغُروبِ أبي.
فأيُّ مجازٍ
به أَفتَحُ الْيوْمَ للنُّورِ
بابًا يُدَفِّئُني؟؟؟
أُفتِّشُ في الدّارِ
عن وجهِ أُغنيَةٍ كنتُ أَلْمَسُها.
فيَهْمي السّرابُ على مُقْلَتَيَّ
كثيفا،
و يَرْغُو الصَّدَى.
ولا نغمَ الْيوْمَ
يُوقِظَ فيَّ الطُّفولَةَ أو فَيْأَها.
و لا عنبَ الْيوْمَ يكتُبُني
في ومِيضِ السَّماواتِ
أو ريشِها.
و أسألُ عشبَ الْحديقةِ عنكَ
فلا يبتَسِمُ لي.
و يهطِلُ منه سوادٌ
يُغَشِّي الْأديمَ و يَحرِقُني .
و يَخْتَضُّ بين يَدَيَّ
تُرابٌ جَفَتْهُ خُطاكَ
فما خَمَدَتْ نارُهُ.
*
ثقيلٌ جُؤُومُ الشّتاءُ على مِعصمي.
و لستُ أُفيقُ
لِأَقطِفَ نورا يُحَدِّثُني.
فيا ليْتَ نَجما
يَجِيءُ إليَّ ويُوقِظُني.
*
و إنِّي لَأَدْعُو الَّذي عَلَّمَ الطَّيْرَ
مَغْنَى الْهُدَى
أنْ يُغِيثَ الْفُؤَادَ
بِنُورِ السَّلامِ وفيْضِ التُّقَى.
و إنِّي لَأَدْعُو الرَّحِيمَ
يُفيضُ رِضاهُ عليكَ فَتَرْضَى.
***
بقلمي هادية السّالمي دجبي- تونس







