قراءات نقدية
نحو أفقٍ ميتافيزيقيٍّ للشعر.. حين تُصغي اللغة إلى كينونةٍ تتوارى
في البدء، لا يكون الشعرُ قولًا، بل ارتعاشًا في صمت الوجود؛ ولا تكون اللغة أداةً للتسمية، بل معبرًا للانكشاف. ذلك أنّ كل محاولة لفهم الشعر خارج أفقه الميتافيزيقي إنما تُقزِّمُه إلى مجرد زخرفةٍ لفظية، أو لعبةٍ بلاغية، بينما هو—في جوهره—فعلُ كشفٍ كينونيّ، تنفلت فيه الذات من حدودها، وتغدو اللغةُ مرآةً لما لا يُرى.
إنّ الميتافيزيقا، بما هي مساءلةٌ لما وراء الظاهر، لا تنشد اليقين بقدر ما تُفجّرُه. فهي، وإن بدت في ظاهرها نسقًا يؤسّس للثبات، تنقلب في عمقها إلى قوة تقويضٍ لكل يقينٍ متخشّب. ومن هنا، فإنّ التقاءها بالشعر ليس التقاءَ نظامين، بل تصادُمُ حريّتين: حرية الفكر في مساءلة المطلق، وحرية اللغة في خلخلة المعنى. وفي هذا التصادُم، يولد الشعر لا بوصفه معرفة، بل بوصفه احتراقًا في المعرفة.
الشعر، إذن، ليس خطابًا يُقال، بل تجربةٌ تُعاش؛ وليس تمثيلًا للوجود، بل انخراطٌ فيه. إنه لا يصف العالم كما هو، بل يكشفه كما يمكن أن يكون، أو كما يتجلّى في لحظة انكسار البداهة. ومن هنا، فإنّ الشعر لا ينتمي إلى منطق الهوية، بل إلى منطق الاختلاف؛ لا يطمئن إلى المعنى، بل يجاوره في قلقٍ دائم، كأنّه يسكن الحافة بين الحضور والغياب، بين القول والصمت.
ولعلّ أعظم ما ينجزه الشعر هو أنّه يُعيد للغة براءتها الأولى؛ تلك البراءة التي تسبق التحديد، وتقاوم التشييء. فاللغة في الشعر لا تُستخدم، بل تُعاد ولادتها. الكلمة لا تشير إلى شيء، بل تُصبح هي الشيء، أو بالأحرى: تُصبح أثرًا له، ظلًّا يتردّد في فضاءٍ من الإمكان. وهنا، يتحوّل المجاز من زينةٍ بلاغية إلى ضرورةٍ أنطولوجية، لأنّ الحقيقة لا تُقال إلا بانحرافها، ولا تُدرك إلا بانزياحها.
في هذا الأفق، يغدو الشعر ضربًا من الإنصات الوجودي؛ إنصاتٌ لما يتوارى خلف ضجيج المعنى، لما يتخفّى في كثافة التجربة. الجمال ليس ما يظهر، بل ما يلمع في لحظة اختفائه؛ ليس ما يُمتلك، بل ما يُفلت. ولذلك، فإنّ القصيدة لا تُقرأ، بل تُسكن؛ لا تُفهم، بل تُحسّ كرجفةٍ في الكيان، كأنّها تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، لا عبر المفهوم، بل عبر الأثر.
وإذا كانت الفلسفة تسعى إلى القبض على المعنى، فإنّ الشعر يُفلتُه؛ وإذا كانت الفلسفة تبني، فإنّ الشعر يُصدّع—لا من أجل الهدم، بل من أجل فتح شقوقٍ في جدار الواقع، يتسرّب منها ضوء الكينونة. وهكذا، لا يكون الشعر نقيضًا للفلسفة، بل امتدادًا لها في أفقٍ يتجاوز المفهوم نحو التجلّي؛ حيث لا يعود المعنى فكرةً، بل تجربة.
إنّ التفكير شعريًا هو أن نقبل باللااكتمال، أن نُقيم في السؤال لا في الجواب، أن نُصغي لما لا يُقال بقدر ما يُقال. فالكينونة، في جوهرها، لا تُفصح عن ذاتها دفعةً واحدة، بل تلمّح، وتنسحب، وتتركنا في حالة ترقّبٍ دائم. ومن هنا، فإنّ الشعر لا يمنحنا الحقيقة، بل يُدرّبنا على احتمالها؛ لا يكشفها كمعطى، بل كأفق.
وفي الختام، يمكن القول إنّ الشعر، حين يُستعاد في أفقه الميتافيزيقي، لا يعود فنًا من فنون القول، بل نمطًا من أنماط الوجود؛ طريقةً في السكن داخل العالم، لا بوصفه موضوعًا للمعرفة، بل بوصفه لغزًا للمعايشة. إنّه دعوةٌ إلى أن نرى ما وراء ما نرى، وأن نسمع ما يتوارى في صمت الأشياء، وأن نُدرك—في لحظة خاطفة—أنّ الجمال الحقيقي ليس فيما يُقال، بل في ذلك الذي يظلّ، دومًا، على حافة القول.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







