قراءات نقدية
مهدي علي ازبيِّن: البحث عن الذات في "توقيت آخر للحياة"
الرواية جنس أدبي يستلهم التفاعلات داخل النفس البشرية الناتجة عن ضغوطات الحياة وما تفرزه اشتراطات المحيط الخارجي، وقد تجلّى هذا الاستشفاف من متون رواية (توقيت آخر للحياة)، إذ نجد الساردة في صراع مع ذاتها ومع الآخرين..
قراءة الغلاف:
عند تمعننا في سيميائية الغلاف؛ يطالعنا عنوان (توقيت آخر للحياة) بخط عريض، يعلوه اسم الكاتبة (بشرى الهلالي)، وتحته مفردة التعريف بالجنس العمل (رواية).. وفي محاولة لتسريد هذا الإعلان البصري يمكننا ملاحظة الكتل اللونية ودلالتها المتوزعة في عموم التصميم؛ نجد في أسفل هذا المعمار التشكيلي عنصراً باللون الأسود، أو أنه مقتطع من حيّز مظلم، وهذا العنصر تشكل على هيأة امرأة تتطلع نحو الأفق بثبات، وتنطلق بخطوة واسعة ملؤها الثقة، تجر خلفها حقيبة بعجلات صغيرة.
إن ميلان الحقيبة دليل على إصرار المرأة على الإقدام نحو انتقالة غير محددة المعالم، هرباً من ماضٍ مررته الأيام بتجارب التعاسة، وما يمر به العراق من ظروف لا تدعو للطمأنينة.
نلاحظ في خلفية اللوحة صورة شبحية لنصب الحرية وملامح بغداد بشكل غائم يميل للعتمة، وكأنها مدينة أشباح، تفصلنا عنها طبقة من زجاج في طريقه للتهشم، كما تصاعدت من الأرضية كتل الدخان الأبيض إشارة إلى مظاهر العنف ضد المتظاهرين السلميين، في المقابل انبثقت وردة حمراء، تمثل الضحايا الأبرياء الذين سقطوا أمام القنابل الدخانية والرصاص الحي.
هذا التأويل يحيلنا إلى متون الرواية التي انفتحت مع الساردة، وأطلعتنا على صفحات من تأريخ دول القارة الأفريقية (أوغندا وكينيا)، وكيف عبرت هذه الدول فصولاً من الطغيان تحت ظلال الدكتاتورية، وما جرى للناس البسطاء الذين سحقتهم أسنان العنف تزامناً مع الانقلابات الدموية وما تلاها.
العنوان:
تتكون هذه العتبة من ثلاث مفردات (توقيت، آخر، للحياة)، لتشكّل تركيباً لغوياً يقبل التأويل وتعدده، بجملة إخبارية تقارب الحكمة، أو هي استنتاج فلسفي يمثل خلاصة تجربة إنسانية تبدو عائمة، قد يبدو العنوان محدود الدلالة، ويؤدي وظيفة تعريفية بالنص؛ لكن مع التوغل في ثنايا المتون تتكشف مستويات التعالق النصي، وينفتح التسارد على مديات غير محسوبة، إذ يحيلنا التلقي إلى أن هذا التوقيت الجديد يشتغل على المستوى الفردي، وهنا نشير إلى حالة الساردة (ملك)، وأن الحياة التي كانت تنشدها مع (م) وما سببه لها من تعب نفسي، يمكن استبداله وتعويضه بتجربة تبدو أكثر رسوخاً، وأن الطرف الآخر أكثر رصانة وشفافية والمتمثل بشخصية (عادل).
كذلك يمكن إسقاط العنوان على الحالة الجماعية؛ فإن تجربة نظام الحكم في العراق وما رافقها من خروقات ومآس؛ يمكن استبدالها بما خلصت إليه تجارب مماثلة في أفريقيا، وهذا ما يتطابق مع طموحات الشباب الثائر في ساحات تشرين..
كما يتجلى العنوان في الخاتمة المفتوحة؛ فقد وجدت الساردة في الغابات العذراء براءة روحها المستباحة، وحاولت التوحّد معها، إذ انساقت إلى الأماكن التي لم تطؤها قدم إنسان، وتواصلت مع كائنات الغابة الحية من نباتات وأشجار لم تلوثها أيدي المتطفلين.
وقفة مع عناصر السرد:
اعتمد النص على تنقلات مكانية وزمانية، فقد أثثت الكاتبة فضاءها الروائي منطلقة بالخطاب من مطار إنتيبي، وتوسعت أفقياً وعامودياً مع استعادات أماكن وأزمنة متفرقة في العراق، ومن ضمنها ساحات التظاهر أيام تشرين..
ابتدأ تزمين الخطاب مع لحظات هبوط الطائرة، ليأخذ مساراً مستقيماً باتجاه الخاتمة، حيث مشهد الغابة مع استرجاعات في أزمنة متعددة من ماضي الساردة (ملك)، وتداعيات بأسلوب السرد النفسي، إذ تعري الساردة أفعالها وأقوالها بعد مراجعات ومقارنات مستفيضة، معتمدة أسلوب التقطيع والانتقالات الرشيقة بين الكتل اللغوية...
فواعل السرد:
وظفت الكاتبة شخصياتها بمستويات ومواقف متفاوتة على وفق الدور المسند إليها في مجمل الخطاب..
الساردة (ملك): قادت متون السرد، وعرّفت المتلقي بأسرار عملها، وقدمت باقي الشخصيات.. هي شخصية إشكالية تحاول إثبات ذاتها، واكتشاف عوامل تجعلها تشعر بالحرية والرصانة.
نجوى: رافقت الساردة في رحلتها التدريبية، وقد شغلت حيزاً مهماً من العمل، وكانت في بعض المواقف مرآةً صادقة للساردة، وقد انزاحت صورتها الأولية التي انطبعت في ذهن المتلقي بسكونيتها ومعادلة النموذج السطحي؛ لنجدها شخصية مركبة ذات عمق فلسفي ناضج.
(م): الحبيب الأول للساردة وزوجها في السر الذي منحته مشاعرها وجسدها، لكنه خذلها وهي حامل منه، مع ذلك يبقى يطاردها ويعرض عليها مغريات، لتعوضها عما لحق بها من أذى.
يمثل (م) نموذج الشخصيات المتسلقة في عراق ما بعد الاحتلال، الذين تمكنوا من نهب المال العام وتوظيفه لتنفيذ رغباتهم المريضة والتحكم بمصائر الناس.
سيا: موظفة الفندق الأنيقة التي لم تنسجم مع الساردة، لكنها تفصح عن شخصية أخرى.
ديمبي: فاعل مهم في الرواية، وهي شاهدة على التحولات السياسية في بلدها (أوغندا) وانعكاساتها على مصائر الناس، كانت هناك محطات مشتركة بينها وبين الساردة، فكلاهما معنفة جنسياً مع اختلاف المسميات والظروف، وقد ظهرت في النص شخصية غامضة ومعقّدة ومقعدة على كرسيّ متحرك، لنعرف فيما بعد أنها جدة (سيا)، وهي مختفية عن الأنظار منذ الانقلاب الذي أطاح بعيدي أمين، إذ نجت بأعجوبة من مجزرة في القصر الرئاسي، والناس يحسبونها في عداد الأموات، لكنها هربت وأخفيت بمساعدة صاحب الفندق الذي نعرف أنه كان أحد الضباط المناوئين لعيدي أمين.. وكلاهما (ديمبي وملك) فقدت حملها، إذ تخلصت (ملك) من جنينها، أما ديمبي فقد سُلب منها وليدها لحظة ولادته ولم تره بعدها ذلك.
عادل: البديل الذي عوضها عن (م)، وحاول أن يملأ الفراغ العاطفي في نفس ملك، التي شغف بها منذ لقائهما في ندوة عامة، وصبر عليها مدة ثلاث سنوات، وهو يتابع منشوراتها ويحلل شخصيتها، وبعد أن وجدت فراغاً في حياتها جاملته تزجية للوقت، لكنها تغير نظرتها عنه فهو صادق في مشاعره ومستعد لإرضائها، وقد عبر عن ذلك بحضوره إلى مكان إقامتها في (أوغندا)..
ميشيل: امرأة ساندت ملك وساعدتها في اكتشاف نفسها واتخاذ قرارات تتوافق مع ذاتها الطامحة للحرية.
الشبح: الذي شغلنا به مع الساردة وهي تلفت نظرنا إليه، وجعلتنا نطارده معها بين الخيال والواقع، لنكتشف في الأجزاء الأخيرة من الرواية أنه خطيب (ديمبي) قبل أن تسلب منه وتصبح محظية الرئيس، لكنه بقي وفياً لحبهما النقي، ولا يصدق أقاويل مقتلها، وهو مهووس بها ويشعر بأنها ما تزال على قيد الحياة، لذلك يواصل البحث عنها والتردد على الفندق.
وبقيت صور أسرة الساردة عالقة في الذهن، فنجد الأب منفتحاً يتضامن مع ابنته، ويحترم خياراتها حتى وهو في قمة حاجته إليها، والأم المتزمتة التي تعامل ملك بفضاضة منذ طفولتها، ولا تتوانى عن طردها من البيت بعد اقترانها السري من رجل السلطة (م)، أما رنا فكانت متفاعلة مع ملك وآوتها أيام محنتها وهي حامل بجنين غير مرغوب به، والأخ خالد هرب إلى الخارج، ولم يعد فاعلاً في مسارات النص.
لقد كانت أكثر فواعل السرد نامية ومتفاعلة مع الظروف الضاغطة، تمثّل ذلك في شخصية الساردة (ملك) التي عاندت الآخرين، وصارعت نفسها في اتخاذ مواقف تحاول تكييفها مع الظروف، وما ترغب به نفسها.
حاولت الساردة الخروج من تجاربها المريرة بخلاصات تنير فضاءات القابل من أيامها، وأن تتعلق بهوامش حريتها في الوجود، وتتمسك بالقرارات التي تخصها، وتتمكن من الاختيار دونما إملاءات مفروضة عليها.
***
مقاربة: مهدي علي ازبيِّن
..............
* توقيت آخر للحياة، رواية، بشرى الهلالي، دار بابل- دار الحكمة، لندن، 2026م.







