قراءات نقدية
حسن لمين: الموت والذاكرة في رواية «جنوب الروح»: لمحمد الأشعري
تُعد رواية «جنوب الروح» من الأعمال الروائية المغربية التي تنفتح على أسئلة الذاكرة والمصير الإنساني، حيث ينسج الكاتب عالماً سردياً تتداخل فيه الحياة بالموت، والواقعي بالرمزي، والتاريخ الفردي بالتاريخ الجماعي. فالرواية لا تقدم مجرد حكاية عائلية، بل تطرح رؤية عميقة لعلاقة الإنسان بالمكان والقدر، مستحضرةً ذاكرة الريف المغربي وتحولات الحياة الاجتماعية.
منذ الصفحات الأولى، يضع الكاتب القارئ في فضاء مشبع بالإيحاءات الرمزية المرتبطة بالفناء والهشاشة الإنسانية. ففي المشهد الافتتاحي يقول السارد:
«في تلك الساعة من صباح اليوم الأول من رمضان، لم تكن الشمس الزاحفة ببطء قد وصلت بعد إلى الجسم النحيل المتكوم أسفل العتبة» (ص 7).
يكشف هذا الوصف عن تقنية سردية تعتمد التأخير الدلالي؛ إذ لا يتضح فورًا ما إذا كان هذا الجسد حيًا أم ميتًا، غير أن الصورة البصرية للجسد النحيل المتكوم توحي منذ البداية بحضور الموت كظل ثقيل يخيم على العالم الروائي. كما أن حركة الشمس «الزاحفة ببطء» تعكس إيقاع الزمن المتباطئ الذي يميز فضاء الرواية.
ويتعمق هذا الإحساس بالمفارقة بين الحياة والموت حين تظهر شخصية الفرسيوي في لحظة غير متوقعة. تقول الرواية:
«عبرت هموشة العجوز فناء البيت ممسكة مكنستها اليابسة، وألقت تحيتها في عجلة، ثم انتبهت لضحكة الفرسيوي التي تشبه ضحكة الرضيع» (ص 8).
تكتسب هذه الصورة دلالة رمزية قوية، إذ تجمع بين براءة الطفولة ووهن الشيخوخة في آن واحد. فـ «ضحكة الرضيع» الصادرة عن رجل مسنّ تحيل إلى دورة الحياة التي تبدأ بالطفولة وتنتهي بالضعف، وكأن الأشعري يريد أن يضع الشخصية داخل دائرة زمنية مغلقة يعود فيها الإنسان إلى هشاشته الأولى.
غير أن حضور الموت في الرواية لا يظل مجرد احتمال أو إحساس غامض، بل يتحول إلى حدث مركزي في مصير الشخصيات. فبعد فترة قصيرة يُدفن الفرسيوي في المقبرة نفسها التي تضم رفات طفلته، كما يرد في الرواية:
«دُفن الفرسيوي في المقبرة التي تضم رفات الطفلة التي ماتت منذ أربعة عشر عامًا» (ص 15).
إن هذا التلاقي بين الأب والطفلة في فضاء المقبرة يكشف عن بنية دائرية للمصير؛ فالموت في الرواية لا يقطع الروابط العائلية، بل يعيد جمعها في فضاء آخر. كما أن استحضار الطفلة بعد أربعة عشر عامًا يؤكد حضور الذاكرة كعنصر بنائي في السرد، حيث يستعيد الماضي مكانه داخل الحاضر ليعيد تشكيله.
وتتخذ الرواية بعدًا آخر حين تتداخل المعتقدات الشعبية مع الواقع الاجتماعي. ففي أحد المشاهد الجماعية تقول الرواية:
«وضحكت النساء وترحمن على الفرسيوي، وآمن الجميع بأن محمداً سيحل بالدوار ليلة التفريـق» (ص 26).
يكشف هذا المقطع عن حضور الوعي الجماعي القروي الذي يمتزج فيه الواقع بالأسطورة والتوقعات الغيبية. فالإيمان بعودة محمد في ليلة التفريق يعكس ثقافة شعبية تقوم على انتظار الخلاص أو العودة المفاجئة، وهو ما يمنح الرواية بعدًا أنثروبولوجيًا يضيء الحياة اليومية في المجتمع القروي.
غير أن هذه العودة المنتظرة لا تتحقق دون ثمن، إذ يواصل الموت حضوره المهيمن في مصائر الشخصيات. ففي لحظة مؤثرة يقول السارد:
«وفعلاً ماتت يامنة شهراً بعد سفره، وفي شهر رجب، أي بضعة أسابيع قبل عودته» (ص 86).
هنا يبلغ التوتر الدرامي ذروته؛ فالموت يحدث قبل لحظة اللقاء المرتقب، وهو ما يخلق مفارقة مأساوية عميقة. إن هذا التأجيل المستمر للحياة أمام حتمية الفناء يعكس رؤية الأشعري للعالم بوصفه فضاءً تحكمه المصادفات القدرية التي تفلت من سيطرة الإنسان.
من خلال هذه المشاهد المتفرقة، يتضح أن «جنوب الروح» ليست رواية أحداث بقدر ما هي رواية مناخات إنسانية تقوم على استحضار الذاكرة والحنين والموت. فالكاتب يستخدم شخصياته وأحداثه ليكشف عن هشاشة الوجود الإنساني، وعن العلاقة المعقدة بين الإنسان وماضيه ومحيطه الاجتماعي.
إن القيمة الفنية للرواية تكمن في قدرتها على الجمع بين اللغة الشاعرية والبناء الرمزي، حيث تتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى إشارات عميقة عن الزمن والمصير. وبهذا المعنى، تقدم «جنوب الروح» نصًا سرديًا غنيًا يفتح المجال أمام قراءات متعددة، ويؤكد مكانة محمد الأشعري كأحد الأصوات الروائية المميزة في الأدب المغربي المعاصر.
***
حسن لمين - كاتب مغربي
..............................
* محمد الأشعري - جنوب الروح - المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء - الطبعة الثانية - 2012




