قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: الأصلُ والفرعُ في بنيةِ العربية
في تَقَدُّمِ المذكَّرِ وتأخُّرِ المؤنَّث بين العلامةِ والدلالة
لم يكن النحاةُ العربُ الأوائلُ يُقيمون أحكامَهم على المصـادفة أو على أذواقٍ لغويةٍ عابرة، بل كانوا يستنطقون البنية العميقة للسان العربي، باحثين عن قوانينه الخفيّة التي تُنظّم العلاقة بين اللفظ والمعنى، وبين الصورة الصوتية والوظيفة الدلالية. ومن هنا جاء قولهم إنَّ المذكَّرَ مُقدَّمٌ على المؤنَّث؛ لا من باب المفاضلة القيمية أو الاجتماعية كما قد يتوهّم قارئ العصر، بل من باب البناء الصرفي والمنطق اللغوي الذي يقوم على فكرة الأصل والفرع.
فاللغة — في نظرهم — اقتصادٌ في العلامة، وميلٌ دائمٌ إلى الأخفّ والأبسط. وما لا يحتاج إلى علامةٍ فهو أقرب إلى الأصل؛ لأن الأصل سابقٌ في الوجود الذهني، سابقٌ في التداول، وسابقٌ في الاستعمال. ولذلك لم يحتج المذكَّر في العربية إلى علامةٍ تُعرِّفه؛ إذ يكفي اللفظ في صورته المجرّدة ليؤدّي معناه، بينما احتاج التأنيث إلى قرينةٍ ظاهرةٍ تُخرجه من حياد الأصل إلى خصوص الفرع، فجاءت التاء المربوطة، والألف المقصورة، والألف الممدودة، وغيرها من العلامات الدالة على التحوّل البنيوي.
إنَّ العلامة في التصوّر النحوي العربي ليست زينةً صوتية، بل أثرٌ دلاليٌّ يدل على انتقالٍ من حالةٍ إلى أخرى. فإذا كان التذكير هو الصيغة الخالية من العلامة، فإن التأنيث يُعدّ إضافةً بنيوية تستدعي دليلاً لفظياً، تماماً كما تحتاج الفروع في الشجرة إلى امتداداتٍ جديدة، بينما يبقى الجذر كامناً بأنسجته الأولى.
وقد عبّر إمام الصناعة النحوية سيبويه عن هذا المنهج بوضوح حين قرّر أنَّ الأصل في الأشياء النكرة، ثم يطرأ التعريف بعد ذلك. وهذه الفكرة ليست مسألة نحوية جزئية، بل رؤية معرفية كاملة؛ فالنكرة تمثّل الانفتاح والإمكان، بينما التعريف يقيّد المعنى ويخصّصه. وكأن اللغة تبدأ من العموم لتبلغ الخصوص، ومن الإطلاق لتصل إلى التعيين.
وقد بسط هذا التصور في مصنّفه العظيم الكتاب حين جعل القواعد اللغوية قائمة على مبدأ الحركة من الأبسط إلى الأعقد، ومن الخالي من العلامة إلى الموسوم بها. فكما أن النكرة أصلٌ والتعريف فرع، كذلك التذكير أصلٌ والتأنيث فرع من جهة البنية الصرفية.
غير أن هذا الحكم لا يعني أن التأنيث أقلّ حضوراً في الدلالة أو أضعف قدرةً في التعبير؛ فاللغة العربية نفسها تؤنّث أعظم المعاني: الأرض، والحياة، والروح، والشمس، واللغة ذاتها. وهذا يكشف أن مفهوم الأصل والفرع عند النحاة مفهومٌ شكليٌّ بنيويّ لا تقويميٌّ قيميّ. إنّه حكمٌ في الاقتصاد الصرفي لا في منزلة المعنى.
فاللغة — كما فهمها القدماء — تميل إلى الحذف ما استطاعت، وتستبقي العلامة حين تقتضي الحاجة تمييزاً أو رفعاً للّبس. ومن هنا كان التأنيث محتاجاً إلى إشارةٍ صوتيةٍ لأن المتكلّم يريد أن يعلن انتقال الاسم من حياد الأصل إلى خصوص الصفة. إن العلامة إذن إعلانٌ لغويّ عن اختلافٍ مقصود.
ولعلّ عبقرية العربية تظهر في أنها لا تجعل الأصل جامداً، بل قابلاً للتحوّل. فالمذكّر قد يُؤنّث مجازاً، والمؤنّث قد يُعامل معاملة المذكّر في بعض الاستعمالات، مما يدل على أن اللغة ليست قانوناً ميكانيكياً، بل نظاماً حيّاً يوازن بين القياس والسماع، وبين المنطق والاستعمال.
إن فكرة الأصل والفرع التي صاغها سيبويه لم تكن مجرد تنظير نحوي، بل محاولة لفهم كيف يفكّر الإنسان باللغة: يبدأ من المجرّد قبل المحدّد، ومن العام قبل الخاص، ومن الصمت قبل العلامة. وهكذا يصبح التذكير والتأنيث مثالاً على فلسفةٍ أعمق في العربية؛ فلسفة ترى أن العلامة ليست إلا أثراً للمعنى حين يريد أن يُعلن اختلافه.
فاللغة في نهاية المطاف لا تُقدّم المذكّر لأنه أقوى، ولا تؤخّر المؤنّث لأنه أضعف، بل لأنها تسير وفق قانونٍ داخليٍّ قوامه: أن ما استقرّ في الأصل استغنى عن العلامة، وما خرج عنه احتاج إلى دليلٍ يدلّ عليه. وفي هذا تكمن دقّة العقل اللغوي العربي الذي لم يفصل بين الاقتصاد الصوتي والوعي الدلالي، فجعل من النحو علماً لفهم التفكير قبل أن يكون علماً لضبط الإعراب.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين






