قراءات نقدية
عبد النبي بزاز: الثراء الشعري وميزاته التعبيرية في مجموعة "خطوات من ريش"
من الملفت في كتاب " خطوات من ريش " للشاعرة اللبنانية ندى الحاج كثرة الصور الشعرية ووفرتها، والتي لا يكاد يخلو منها أي نص من نصوصه، وما تزخر به هذه الصور من ميزات جمالية وبلاغية تطغى وتهيمن على متنه الشعري مقارنة مع باقي العناصر والموضوعات . بدءا من النصوص الأولى حيث نقرأ في النص الثالث الموسوم ب" لغز": " حاولت أن أمسح الدمعة عن الليل / وأغمض جفن الغموض/ وأطلق سراح الأيام ... " ص 12، ما يدفع للتساؤل عن دموع الليل، وعن طبيعتها، وأبعادها، ونوع الغموض الذي يمتلك جفنا يغمض، وتسريح الأيام، كوعاء زمني غير محدد ومحدود، وفكها من الاعتقال . والنص الرابع " بين بحرين " الذي تتمعن فيه الشاعرة الفراغ فتراه ممتلئا، من خلال رؤية مغايرة يبدو فيها الفراغ مختلفا عما يعمه من خواء: " تمعنت في الفراغ / فوجدته ممتلئا " ص 14، لتتوالى الصور بتعابيرها المنفتحة، المنزاحة: " الحياة هذه التي تخلقني من أثيرها كل يوم / تكتبني لأسير، وأكتبها لأطير . " ص16، فالحياة كمصدر ومنبع للأثير ترسم عبر الكتابة مسار الشاعرة، التي تبادلها فعل كتابة تتحول إلى أداة للطيران والتحليق، وهي صور تروم التنويع من خلال ما تخلقه من أشكال حبلى بحمولات مجازية، وزخم جمالي: " ربما أكون في منعطف أسرق النار / أو قرب نهر، أعتمر الشمس " ص17، في تحديد مكان تواجد الشاعرة ( منعطف، أو قرب نهر ) لاجتراح فعل سرقة النار، أو اعتمار الشمس، وهو تصوير ينضح خيالا وغرابة وانزياحا عن المواضعات التعبيرية في النهج والصياغة، صور تتجدد حُلَلها، وتتنوع أبعادها في اطراد وتوالٍ في مثل: " أنسج الوهم بِصِنارة الغيم / وأقسم العالم نصفين " ص 106، في نسج الوهم بصِنارة الغيم، وتجزيء العالم لقسمين ؛ وهي صورة منفتحة على عدة رؤى للقراءة والتأويل، وكيف ُيْنِبت الحُبّ غابة تزهر رؤى: " حُبّ أنبت غابة / وغابة أزهرت رؤى " ص 135، وبالموازاة مع غزارة الصور وتواليها وردت عناصر بلاغية من جناس مثل: " وينكشف لك السير العذب / حرفا حرفا على لوح الكون " ص 27، وفي: " يحضنها يعصرها ويذيبها / سبحة سبحة، حبة حبة " ص 42، وطباق كما نقرأ في: " من شاطئ قريب أو بعيد " ص 11، في مقابلة القرب للبعد، والوقت للاوقت: " حاولت سرقة الوقت من اللاوقت " ص12، والحضور للغياب: " وبحضور لا يأبه للغياب " ص70، وعنصر التشبيه: " كنهر يجرف الصلاة .../ كفجر الصدق / كبوح صديق لصديق " ص 22، الذي تكرر في العديد من المقاطع من مثل: " وجه رسمته ... / غمرني كموجة كهداية " ص103، في متتاليات تغني معاني المدونة الشعرية، وتوسع دائرة معانيها بما تخلعه عليها من مسوحات بلاغية . كما انبنت نصوص المجموعة على إيقاع منحها نبرة داخلية تشكلت من توالي وتتابع حروف كالسين،والتاء، والراء في قولها: " وسترت ما سترت / سلكت في سر النور / وأدمنت طقوسه / أسدلت الستائر، ملأت الجرار " ص10، وخارجية اختتمت مقاطعها بالتاء كما في: " لم أعد أخشى الغوص في العتمات / ولا الدوار في المرتفعات / والتيه في المنعطفات " ص16، كما تم استخدام عناصر من المحيط الخارجي للكون، مثل العصافير، والسحاب: " لأفهم لغة العصافير/ وحركة السحاب في الغيب " ص9، والغزلان: " لم تعد الغزلان ترتجف ... " ص117، والأزهار والأنهار: " وتتقاسم الرجاء مع الأزهار / وترقص على حافات الأنهار" ص 123، فضلا عن الموضوعات الكثيرة التي ضمتها نصوص الكتاب ؛ من حلم: " جئت لأرى / وألمس الحلم " ص 9، تتعاظم وتتنامى الرغبة لرؤيته، ومداعبته، وربما القبض عليه، والاعتقاد بوقوفه في حالة انتظار قصد التعرف عليه بإدراك حقيقته، وطبيعة جوهره وما تنم عليه من غواية وجاذبية: " ينتظرني بشغف كبير، حلم لا أعرفه / وأنتظره، بلهفة طفل ورؤيا نبي. " ص73، وحُبّ لا ينكشف ولا يعاين: " حين يكسوك الحب دون أن يُرَى / ويحتل كيانك كالأثير " ص 26، ولا يتوانى هذا الحب في الكشف عن حقيقته والجهر بها: " قال الحب كلمته / وما زال يدور ويقرع الأجراس " ص 109. كما عمدت الشاعرة إلى الاستيحاء المدثر برداء ديني ذي مرجعية قرآنية: " لم يبتلعني الحوت ولم أخف " ص 15، كما ورد في القرآن الكريم عن قصة ابتلاع الحوت للنبي يونس، ومكوثه في بطنه لفترة في سورة " الصافات "، وسورة " الأنبياء "، وسورة " القلم "، و" الخَضِر " كمشبه به في قولها: " حينها جاءني الحب كالخَضِر ... " ص 13، وآدم، ومريم العذراء: " مند عُلِّم آدم الأسرار / حتى صمت العذراء المهيب " ص58، في تحوير ل "الأسماء" ب " الأسرار " كما جاء في سورة " البقرة ": " وعلم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة "، وقصة مريم التي نفخ فيها الله من روحه . ولم تخل نصوص المجموعة من عناصر أخرى ك " الأنسنة " التي تجلت في قولها: " سَلَّمْتُ على المقعد المنتظِر ... / فلم يتذكر صوتي / توقفت بالغصن المنحني فلم يأبه للطفي " ص84، وبخلع التذكر على مقعد الذي وجه إليه السلام، والتعامل بلطف مع غصن تجاهل ذلك، وكلها أفعال تتغيا أنسنة ما هو خارج عن جنس البشر من (جماد، شجر) . وكان للموضوع الصوفي حضور في متن المجموعة كما في نص " كوني أنتِ " حيث تحل فراشة في امرأة ويندغمان في نفس الذات: " حيث تحوم فراشة حولكِ / وتصيُر أنتِ . " ص 122، وحلول الذات الإلهية في أعماق فؤاد المتكلم في نص " كلمة واحدة ": " أيها الإله الساكن قلبي اسمعني ! " ص 140، ملتمسا منه الإصغاء إليه، في توظيف لموضوع الحلول الذي ورد لدى الكثير من أعلام المذهب الصوفي ؛ ومنها الحلول بالذات الإلهية عبر مجاهدات ومكابدات معروفة ومتبعة لدى شيوخ التصوف ومريديه . واستعمال السؤال: " أيختفي وقد خرق الحجاب؟ / وهل يبقى السر سرا في جبة الأولياء؟ / كيف للسماء أن تنطوي وللنور أن ينجلي؟ " ص120، الذي يبقى معلقا،ومفتوحا على شتى الاحتمالات والافتراضات مع ما يتضمنه من إيحاءات دلالية ورمزية، والحوار مثل ما نقرأ في نص " بيت ": " كم مرة أحببت؟ / ـ في كل مرة حلمت . / ما زلت تحلم؟ / ـ نعم / وتحب؟ / في حالة حلم دائمة ... " ص104، عن الحب ومدى تقاطعه بالحلم، وما يجمعهما من تواشج وتكامل عبر أسئلة وأجوبة تروم سبر أغوار مشاعر، وخوض غمار امتدادات تنشد استشراف المجهول عبر عدة من رؤى متحررة، ورغبات جانحة.
فكتاب " خطوات من ريش " الشعري غني بحمولاته الدلالية، وعناصره البلاغية، والجمالية، والإيقاعية . وموضوعاته المختلفة يشكل لونا تعبيريا نهل من مرجعيات تراثية، وتاريخية، وعقدية ... اعتمادا على أدوات وأشكال إبداعية منحته ميزات رفيعة القيمة والمقام .
***
عبد النبي بزاز ـ المغرب
......................
ــ خطوات من ريش ( شعر) ندى الحاج .
ــ منشورات المتوسط ـ ميلانو إيطاليا 2023.






