قراءات نقدية

هايل علي المذابي: "لا صلح مع السمّ".. شعرية رأس المال

قرأت ديوان "لا صلح مع السمّ" للشاعر اللبناني شوقي مسلماني  ووجدت إدهاشاً حقيقيّاً من حيث التجريب في المبنى والمعنى، إنّه لمن النادر جدّاً أن نجد شعراً يتناول الفكر الإقتصادي الإشتراكي،  ولو قلنا أن ديوان شوقي مسلماني حاشية على أفكار ماركس في كتاب رأس المال فذلك صحيح لولا أن الديوان أكثر من ذلك، فهو حاشية شعرية فكرية واقتصادية للحياة والناس والتاريخ والدين والسياسة والمرأة، لكنها لا تفسّر ما بتلك المتون بل تعرّيها وتشرّحها بمبضع جرّاح ماهر غير منتمٍ حتى للإشتراكية ولو زعم ذلك، ولكن للإنسان وحده ولا غيره، ثم ترتقي بعد كل ذلك لتصير متناً،

لننظر هنا: "الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على واحدٍ أم على الكلّ؟"،

وفي هذا القول جوهر الاشتراكيّة وبيت القصيد،

ولننظر هنا: "الكائنُ يصدرُ عن الفكرِ أم يصدرُ الفكرُ عن الكائن؟"،

وفي هذا القول تلخيص بليغ لموضوع هو محلّ جدل تاريخيّ بين فلاسفة الماديّة وفلاسفة المثاليّة، وقد ذكّرني بالإضافة إلى ما ورد عن الإمبرياليّة والتكنولوجيا التي تقرّب من محتوى مقال حول "فلسفة الوعي والوجود في فعّالية التكنولوجيا!؟" الذي أقول فيه:

يتّصف النظام المعرفي العالمي وأدواته بأنه نظام له قطبين أحدهما اشتراكي والآخر رأسمالي؛ مثلا، يقول كارل ماركس عن الاشتراكيّة بأنّه يمكن اختصارها بجملة واحدة هي: "تحطيم الخصوصيّة"؛ ولعلّ هذا هو ما يمكن أن نراه بوضوح في فعاليّة السوشيال ميديا التي يعيشها العالم والتي تلغي خصوصيّة الأفراد بشكلٍ أو بآخر، كما يقول أيضا تعبيراً عن المسار نفسه الذي تقوم عليه نظريّة إقتصاد المعرفة: "الإنسان أثمن رأسمال في الوجود"،

أما الرأسماليّة فنراها بوضوح في السلطة المركزيّة المطلقة التي تتحكّم بفضاءات السوشيال ميديا ثم توزّعها على شكل مركزيّات صغرى في كلّ تفريعاتها، ومفاد القول أن النظام المعرفي العالمي يجمع بين نقيضين تشبه نظريّة هيجل وهما المركزيّة واللامركزيّة في آن، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل استطاع الواقع الافتراضي أن يحسم الجدل الفلسفي التاريخي حول الوعي والوجود؟ وأيّهما يحدد الآخر؟! أم هل ثمّة نظريّة فلسفيّة جديدة تؤسِّس لها فعاليّة التكنولوجيا بخصوص الوعي والوجود؟.

نعم هكذا: هل استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي وأدوات ووسائل التكنولوجيا أن تقدم إضافة جديدة بما قد يفرض نظريّة جديدة فيما يخصّ وعي الإنسان ووجوده ـ بيئته، وأيهما يحدّد الآخر؟ والتي مثّلت على مرّ تاريخ الفلسفة جدلاً واسعاً بين الفلاسفة المادييّن والفلاسفة المثالييّن بما لا يمكن تجاوزه بسهولة أو عدم التفكير فيه؟،

لتوضيح ذلك نعود إلى أهم مقولات الفلاسفة حول الوعي والوجود، ولنبدأ بقول كارل ماركس: "ليس وعي الناس هو الذي يحدّد وجودهم إنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم"؛ وقال إنجلز معبّراً عن رأي ماركس وفلسفته الماديّة مع فارق توجّهه أكثر باتجاه الايديولوجيا: "إن نمط تفكيرنا يختلف حسب وجودنا في قصر أوفي كوخ". 

وبحسب فريدريك أنجلز فإن الايديولوجيا أو الأفكار الفلسفية تتمّ صياغتها وفقاً لمصالح الطبقة الحاكمة أو نمط الإنتاج، فكان أفلاطون وأرسطو مثلاً وضعا ضمن قوانين فلسفتهما العلاقة بين السيّد والعبد، ضمن سياق الأمر الواقع، وإضفاء صفة المعقوليّة والشرعيّة عليها!، وبالتالي عدم حقّ العبيد في أثينا أن يشاركوا في العمليّة السياسيّة الديمقراطيّة لأن ذلك قد يضعف من امتيازات الاحرار المالكين للعبيد والأراضي ووسائل الانتاج.!

ويقول ماركس: "لقد اقتصر الفلاسفة حتى الآن على تأويل ـ تصوُّر العالم بطرقٍ متنوعةٍ، لكن المهمّ هو تغيير هذا العالم".

ويقول هايدجر معلقًا على قول ماركس: "إن تغيير العالم يفترض تغيير تأويلنا ـ تصوُّرنا لهذا العالم، وامتلاك تأويل ـ تصوُّر صحيح له". ويستند ماركس إلى تأويل ـ تصوُّر خاص جدًّا للعالم ليقول إن المهم هو تغييره. 

ويقول ماركس في كتابه "رأس المال": "إن منهجي الديالكتيكي لا يختلف عن المنهج الجدلي الهيجيلي من حيث الأساس وحسب، بل إنه الضد المقابل له مباشرة، فالبنسبة لهيجل: إن عمليّة تطوّر الفكر ونموّه، هذه العمليّة التي يشخّصها ويعتبرها مستقلّة ويطلق عليها اسم الفكرة هي في نظره خالقة الواقع، فما الواقع في نظره إلاّ المظهر الخارجي للفكر، أما بالنسبة لي فإن عالم الأفكار ليس إلاّ العالم المادّي منقولاً إلى الذهن البشريّ ومترجماً فيه."

ويقول كارل ماركس: "إنّ عدم تسليح الجماهير بالوعي الطبقي لإدراك مصالحها الحقيقيّة سيجعلها معادية لمصالح طبقتها"،

وفي الطرف الآخر الذي يعبّر عن الفلسفة المثاليّة كان هناك كانط وأيضا هيجل الذي يرى أن الوعي هو ما يصنع البيئة المثقّفة والواقع المثالي وهذا هو شرط تحصيل الوعي لدى الأفراد،

وبرأيي أن التكنولوجيا وفّرت واقعاً إضافيّاً افتراضيّاً بديلاً، بما يسمح للأفراد أن يحظوا بفرصة إيجاد وجود اجتماعي، وهو ما يحقّق وعيهم المفقود، بخلاف واقعهم الحقيقي الذي يعيق امتلاكهم لوعي يمكن التعويل عليه، بمعنى أن هذا الواقع الافتراضي البديل يمثّل القصر على حد تعبير إنجلز، وهو رأي الفلاسفة الماديين عموماً، وأما الجانب الآخر الذي يتقاطع فيه الواقع الافتراضي البديل مع فلسفة المثاليين هو أن الواقع الافتراضي الذي توفّره وسائل التكنولوجيا يسمح بإمكانية خلق وعي مما يجعل إمكانية وجود بيئة أو واقع مثالي أمراً حقيقياً ممكناً.

مفاد القول إن التكنولوجيا تفرض نظريّة جديدة تتقاطع فيها الفلسفتان المادّية والمثاليّة؛ ويبقى الإشارة إلى مسألة مهمّة وهي مسألة الأخلاق، والتي لم يتطرّق إليها الماديّون ولا المثاليون في سياق جدليّة الواقع والوجود؛ حيث أن لها دوراً مهماً في الواقع الافتراضي وتحديد نوع العالم الذي يجد الأفراد أنفسهم فيه، أو بالأصح يصنعونه؛ فبالأخلاق وحدها يمكن إيجاد واقع مثالي ووعي حقيقي وبيئة بديلة وبدونها يصبح الأمر سيّان بالنسبة للأفراد في الواقع الحقيقي أو في الواقع الافتراضي.

شوقي هو هذا الشاعر المبدع والمثقّف المفكّر الذي يمتلك عدسة عين السمكة التي ترى فتحيط بكل شيء في المشهد الذي تراه، بل هو عقل الناقد حين يطلّ على العالم من فوق مميّزاً الخبيث من الطيّب في الأفكار وحوادث التاريخ وقضايا الأمّة.

***

د. هايل علي المذابي

في المثقف اليوم