قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: قراءة نقدية نفسية – رمزية - أسلوبية في قصيدة الشاعرة ريم أكرم الراوي

(رحماك ربي…)

تنتمي قصيدة ريم أكرم الراوي إلى الشعر الروحي الذي يجعل من التجربة الإيمانية مجالاً جمالياً للتعبير عن قلق الإنسان المعاصر وتوقه إلى الخلاص، حيث تتداخل الذاكرة الدينية مع الإحساس الوجودي بالهشاشة والضياع. ولا يقف النص عند حدود التمجيد أو الدعاء، بل يحوّل القصص المقدّس إلى رموز حيّة تعبّر عن حاجة الذات إلى المعنى والأمان في عالم مضطرب. وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة بمنهج نفسي–رمزي–أسلوبي، للكشف عن بنية الصورة الشعرية، والإيقاع الداخلي، والدلالة، وعلاقة الذات بالعالم، وصولًا إلى إبراز أبعادها النفسية والفلسفية العميقة.

 من هنا أرى أنّ هذه القصيدة تنتمي إلى الشعر الوجداني الروحي الذي يجعل من التجربة الإيمانية منبعاً للتعبير الشعري، حيث تتقاطع الذاكرة الدينية مع القلق الإنساني، ويتحوّل الدعاء إلى بنية جمالية تحمل أبعاداً نفسية ورمزية وفلسفية.

فالنص لا يكتفي باستدعاء القصص القرآني بوصفه مرجعاً سردياً، بل يعيد تشكيله بوصفه مرآة لأزمة الذات المعاصرة، الباحثة عن خلاص في عالم مضطرب.

وسنقارب النص بمنهج مركّب: نفسي، رمزي، أسلوبي، لتحليل الصورة، والإيقاع الداخلي، والبنية الدلالية، وعلاقة الذات بالعالم.

أولًا: البنية العامة للنص:

النص مبني على ثلاث حركات دلالية كبرى:

١- تمجيد القدرة الإلهية الكلية.

٢- استدعاء نماذج النجاة في التاريخ المقدس.

٣- إسقاط التجربة الدينية على قلق الذات الحاضرة.

فهو ينتقل من الكوني إلى التاريخي، ثم إلى الوجودي.

ثانيًا: الصورة الشعرية:

١- . الصورة بوصفها تجسيداً للإيمان

يا من يسبّح ما في الكون أجمعه

له، ويعبده بالروح والجسدِ

الصورة هنا كلية شمولية:

الكون كله كائن عابد، متحرك في مدار التسبيح.

هذه الصورة لا تهدف إلى الوصف، بل إلى بناء شعور بالاحتواء الإلهي، حيث لا يوجد فراغ خارج دائرة القداسة.

الصورة تعكس نفسية تطلب الطمأنينة عبر فكرة الشمول:

ما دام كل شيء في حضرة الله، فلا ضياع مطلق.

٢- الصورة التاريخية بوصفها رمزاً نفسياً.

ومن بقدرته نجّى الخليل فلم

تمسسه نار، لظاها جدّ متّقدِ

النار هنا ليست مجرد حادثة تاريخية، بل رمز للابتلاء والاحتراق الداخلي.

فالخليل ليس شخصية غائبة، بل نموذج نفسي: الإنسان حين يُلقى في أتون الخوف.

والنجاة هنا ليست مادية فقط، بل معنوية:

أن تمرّ النار ولا تمسّ الروح.

٣- . الصورة الحركية

وأقحم البحر موسى وهو مضطرب

كأنه عابر، يمشي على جمدِ

الصورة تجمع بين:

الاضطراب (الخوف الإنساني)

والمشي على الجمد (الثبات الإلهي)

الذات ترى في موسى صورتها:

إنسان يسير فوق المجهول، مدفوعاً بالثقة لا باليقين الحسي.

٤- الصورة الحامية:

ومن بنى من خيوط العنكبوت على

غار النبي دروعاً، لسن من زردِ

الصورة قائمة على المفارقة:

خيط ضعيف يصير درعاً

هشاشة تتحول إلى حماية

وهذه صورة رمزية للمعنى الوجودي:

القوة لا تأتي من المادة، بل من المعنى.

ثالثًا: الإيقاع الداخلي

القصيدة موزونة ذات قافية موحدة، لكن الأهم هو الإيقاع النفسي:

كثافة حروف الجهر (ر، م، ن، د) تعطي نبرة دعائية قوية.

المدود في: (أجمعه – متّقد – مضطرب – جمد – زرد – سند)

تصنع امتداداً صوتياً يشبه التضرّع.

الإيقاع يتناوب بين:

إيقاع جلالي في مقاطع القدرة الإلهية

وإيقاع خافت متوسل في الخاتمة

فيتحول الوزن إلى نفسٍ تعبّدي، لا مجرد موسيقى.

رابعاً: البنية الدلالية

١- من الكلي إلى الجزئي

النص يبدأ:

ما في الكون أجمعه

وينتهي:

غرقى لا نجاة لهم.

أي من المطلق إلى الإنسان الضعيف.

وهذا الانتقال يعبّر عن بنية دلالية واضحة:

الله كامل، الإنسان هش.

٢- مفهوم النجاة

النجاة تتكرر بأشكال مختلفة:

نجاة الخليل من النار

نجاة موسى في البحر

نجاة النبي في الغار

ثم نجاة "الغرقى" المعاصرين

وهنا يتحول التاريخ الديني إلى خزان رمزي لحاجة الإنسان الحديثة للخلاص.

خامساً: البعد النفسي

النص يعكس ذاتاً:

مثقلة بالخوف

تشعر بالتهديد

تبحث عن مأوى معنوي

عبارة:

رحماك ربي بغرقى لا نجاة لهم

إن لم تحطهم بعون منك أو سندِ

تكشف عن نفس قلقة ترى البشر "غرقى"، حتى وهم على اليابسة.

الغرق هنا نفسي ووجودي، لا مائي.

إنها ذات تشعر أن العالم يغرق في:

١- الضياع

٢- القسوة

٣- التيه

فتلوذ بالله لا هروباً، بل بحثاً عن معنى.

سادساً: البعد الفلسفي.

فلسفياً، القصيدة تطرح:

١- الإنسان ككائن هش.

٢- والوجود كساحة اختبار.

٣- والله كمعنى أعلى يمنع العبث.

- القصيدة لا تناقش الإيمان جدليًا، بل تعيشه وجودياً:

الإيمان هنا ليس فكرة، بل ملجأ أنطولوجي.

فالذات لا تقول: الله موجود،

بل تقول: بدونه لا يمكن أن ننجو.

وهذا يجعل الإيمان شرطاً للمعنى، لا مجرد عقيدة.

سابعاً: علاقة الذات بالعالم.

الذات ترى العالم:

١- غارقاً

٢- مضطربًا

٣- مهددًا

ولا تواجهه بالقوة، بل بالتوسل المعنوي.

إنها علاقة وجودية:

الإنسان ضعيف أمام العالم، لكنه قوي بمعناه.

خاتمة:

قصيدة الشاعرة العراقية ريم أكرم الراوي نص روحي ذو بنية جمالية عالية، يجعل من الذاكرة الدينية أفقاً رمزياً لتجربة إنسانية معاصرة.

الصورة فيه ليست زخرفة، بل ترجمة نفسية للقلق، والإيقاع ليس موسيقى فحسب، بل نبض دعائي، والدلالة ليست سرداً تاريخياً، بل إسقاطاً وجودياً.

النص يؤكد أن الإيمان في الشعر ليس وعظاً، بل تجربة داخلية تتحول إلى جمال.

النتائج:

١- الصورة الشعرية في النص رمزية–نفسية، لا سردية تاريخية فقط.

٢- الإيقاع الداخلي يخدم الحالة الدعائية والانفعالية.

٣- البنية الدلالية تنتقل من المطلق إلى الإنسان الهش.

٤- البعد النفسي يعكس ذاتًا قلقة تبحث عن مأوى معنوي.

٥- البعد الفلسفي يجعل الإيمان شرطًا للمعنى لا مجرد عقيدة.

علاقة الذات بالعالم علاقة خوف يُعالَج بالثقة لا بالقوة.

وبذلك تكون القصيدة وثيقة شعرية عن الإنسان حين يواجه العالَم لا بعضلاته، بل بمعناه.

تبيّن من خلال هذه القراءة أن قصيدة ريم أكرم الراوي ليست مجرّد خطاب دعائي أو استدعاءٍ تراثي لوقائع مقدّسة، بل هي بناء شعري يحوّل الإيمان إلى تجربة وجودية، ويجعل من الذاكرة الدينية مرآة لقلق الإنسان المعاصر وحاجته إلى الخلاص. فقد جاءت الصورة الشعرية محمّلة بدلالات رمزية تعكس هشاشة الذات أمام عالم مضطرب، بينما أسهم الإيقاع الداخلي في تكثيف النبرة الدعائية والانفعالية، فصار الوزن نبضًا نفسيًا لا زخرفًا موسيقيًا. كما كشفت البنية الدلالية عن حركة من المطلق الإلهي إلى الإنسان الغارق في الخوف، بما يؤكد أن الإيمان في هذا النص ليس فكرة ذهنية، بل شرطًا للمعنى والطمأنينة. وبهذا تغدو القصيدة شهادة شعرية على أن الإنسان، مهما اشتدّ اضطرابه، لا يجد خلاصه إلا حين يستعيد صلته بما يمنح الوجود قيمته ومعناه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.............................

رحماك ربي

الشاعرة ريم أكرم الراوي

‏يا مَن يسبح ما في الكون أجمَعُه

له، ويعبده بالروح والجسدِ

*

ومَن بقدرته نجّى الخليلَ فلم

تمسَسه نارٌ، لظاها جِدُّ متّقِدِ

*

وأقحم البحرَ موسى وهو مضطربٌ

كأنه عابرٌ، يمشي على جمدِ

*

‏ومَن بنى من خيوط العنكبوت على

غارِ النبي دروعًا، لَسْنَ من زَرَدِ

*

رحماك ربي بغَرقَى لا نجاةَ لهم

إن لم تُحِطْهم بعونٍ منك أو سندِ

في المثقف اليوم