قراءات نقدية

جمعة عبد الله: رقصة الجريح في المجموعة القصصية "الرقصة الأخيرة"

للكاتبة سنية عبد عون رشو

النصوص القصصية هي من رحم مسرح الحياة الواقعية بكل تفاصيلها اليومية، سواء في التجربة أوالمعايشة الفعلية، تسلط الضوء الكاشف على الشرائح واقعة في قعر بالظلم والحرمان والانتهاك في الواقع المر، والانسانية تفقد قيمتها وكرامتها وكيانها، وتكون في مجهر الاختبار والتجربة والامتحان، من شظايا الحياة المتقشفة والجافة، التي لا تنتج سوى الوجع والحزن والخيبة، والانكسار النفسي والروحي، في تعامل مع الذات وكذلك مع الآخرين، فلا تجد سوى الحيبة والانهزام في عصب الحياة اليومية، تشعر بالانكسار والتهشيم في وجودها الانساني، حتى تعاني من الاحباط حتى في حالة الحب، هذه النصوص القصصية تمثل لوحات حياتية واقعية بكل تفاصيلها، في صراعها القائم مع الحياة والزمن، هي حكايات الحزن العراقي للشرائح الشعبية، وخاصة على عاتق المرأة، التي تقع عليها كامل الأثقال على ظهرها، هي حكايات ذلك الزمن البغيض وما بعده، نجد الإنسان يرقع في دائرة المصير المجهول، في المغيب أو الموت، سواء في الحروب، أو في السجون الارهابية، في رغبة السلطة الحاكمة، في جعل الإنسان ببغاء، يردد ما يطلب منه، وإلا يقع في المحظور في العواقب الوخيمة، وما عليه إلا ان يؤدي فروض الطاعة العمياء، انها لوحات نصوصية رسمت بالتراجيديا السوداء، بالقهر والمعاناة، كتبت باللغة الشفافة، رغم انفجار الشعور الداخلي، لذا فأنها تحمل في طياتها مغزى ورمزية بليغة، في الشأن الاجتماعي والسياسي، في واقع جاف لايحمل الشفقة والرحمة تجاه الانسان، يجعله يرقص رقصة الجريح الاخيرة، كأنه يؤدي رقصة زوربا، في الوجع والالم المر، في واقع شرس، يطلق غربانه المتوحشة لنهش وتهميش العصافير الوديعة، لذا فان الحدث السردي يحمل خاصيتين، واقعية حكايات الحدث السردي، وكذلك اهمية الكلمة، المشحونة بصدق الشعور الداخلي، كأنها جاءت نتيجة الانفجار الذات، في الاحساس الصادق بأهمية الكلمة، التي تحمل معنى ورؤية فكرية ناضجة وهادفة، في معرفة بواعث الظلم والانتهاك والحرمان، حين ترزخ القيمة الانسانية تحت رحمة قوى لا ترحم، أو في قسوة الزمن الذي لا يرحم حتى الحب، نجد ابطال النصوص القصصية، يسيرون في طريق مليء بالاشواك ووعر، تعاني الخذلان والاحباط.2305 εικόνα

لنتحرى المنطلقات الفكرية والرمزية الدالة، في إيجاز بعض نصوص القصص القصيرة:

1 - الرقصة الاخيرة: وهي تحمل عنوان المجموعة القصصية. نبوءة المرأة الغجرية، ما زالت تطاردها حتى في منامها ويقظتها، فقد اخبرتها بأنها ستظل تقضم اظافرها وحتى اصابعها حتى آخر لحظة من حياتها. كانت طفلة مثل عصفور وديع مليء بالأحلام والاماني، لكنها انكسرت وتهشمت، في احدى الايام السوداء، حين سمعت قرعاً عنيفاً على باب دارهم في مطلع الفجر، رأت رجل ضخم اهيئة عبوس والشرر يتطاير منه، حين أمسك ابيها بعنف ووحشية، وأبيها كأنه استسلم لقدره المروع، رغم التوسلات والصرخات المريرة، لكن دون جدوى، والأب يحاول ان يهدأ فزعهم وخوفهم بترديد لازمة (سأعود قريباً.. سأعود قريباً) لكنه ذهب ولم يعود، رغم مرور ثلاثة عقود، كل جريرته، حين مر موكب الملك المفدى، فلم يعر اهمية له، والناس في صخب الاستقبال والحفاوة، رغم معرفتهم بأن المئات من العصافير الوديعة والجميلة والوديعة، قتلوا بدم بارد بأمر الملك المفدى، مثل ذلك الصبي المتمرد أبن الخامسة عشرة، الذي وقع في قبضة احد المعتوهين من رجال الملك المفدى وما اكثرهم، نتف ريشه، حتى جعله يسكر برقصة الموت الاخيرة، بكل وحشية وشراسة، كما تركوها تعاني رقصة الموت الاخيرة بغياب الاب، الذي ضاعت اخباره.

2 - صبي القمامة: صبي يافع يخرج في الصباح الباكر، وهو يحمل كيس القمامة، يرتدي ملابس أو بالاحرى خرق بالية، لكي يوفر لقمة الخبز الى جدته المريضة، إذ توفى ابيه في حرب ثماني أعوام، وترك طفله لمصير مجهول، بعد اجبار امه بالزواج اكراهاً، وترك طفلها في رعاية جدته وهو لم يبلغ سنته الاولى، لذلك أطلقت عليه جدته أسم (مظلوم)، لأنه مظلوماً من الأرض والسماء، في احد الايام وهو يفتش عن عمل في الأحياء الراقية، بهره قصراً عملاقاً من الرخام، وطرق الباب، سمع صوتاً نسانياً يسأله: من أنت ؟؟. يرد مظلوم: أنا مظلوم. لتقول له: ماذا تريد ؟؟ تلعثم مظلوم حين خرجت سيدة الدار وهالها صغر سنه. بأنه هو الفلاح المطلوب لحديقة القصر، فقال مظلوم: نعم نعم، لترد عليه (طيب نجرب يافتى، ولكنك لن تتقاضى اجراً ان كان عملك رديئاً) ليردد مظلوم: موافق..... موافق، وثاني يوم استلم عمله في حديقة الدار، اشتغل بكل همة ونشاط، حتى سيدة الدار ابهرها عمله ونشاطه المثابر في تنسيق وترتيب وتنظيف الحديقة، وعند الغذاء بعثت مع ولدها الصغير أنواع من الطعام وأصنافه، وتمنى ان يأخذه الى جدته المريضة، وطلب الإذن من سيدة الدار، أن يأخذ الطعام الى جدته وسوف يعود سريعاً، ان يستأجر دراجة هوائية، نظرت اليه سيدة الدار، بعين العاطفة والشفقة في الشعور بالامومة وحنانها. وقالت له يمكن ان يأخذ دراجة ابنها الصغير، وذهب سريعاً الى جدته المريضة،، لكن جمدته هول الصدمة وسقط الطعام على الأرض.، فقد وجدها جثة هامدة.

3 - قصة الانكسار: جلست هي خلف مكتبها المتواضع في الدائرة، وهي تراقبه طوال الدوام، الذي يبدأ في الابتسامة والتحية وليس غير ذلك، احبته بصمت، وقلبها يخفق بالشوق اليه بكل خطوة يخطوها، حاولت بكل وسيلة ان ينتبه اليها أو ينجذب الى مساعدتها الدائمة إليه، في المساعدة في الملفات المتكدسة فوق مكتبه، بحكم انها اقدم منه في الدائرة، وباءت كل محاولاتها بالفشل، لم يعر اهمية الى اهتمامها إليه، مرت سنتان من الحب من طرف واحد، وذات صباح سمعت خبر في الدائرة هز كيانها بالصدمة، سمعت أنه خطب أمرأة من خارج الدائرة، ويتلقى التهاني والتبريكات من زملائه في الدائرة، وتوزيع الحلوى، لكنها احست ان قلبها تهشم وانكسر.

4 - قصة حلم لن يتكرر: اختارت (سارة) باقات من الزهور لحفلة عقد قرانها، وملامحها تشع فرحاً وبهجة، بأن حبها تكلل بالنجاح في عقد قران الزواج المرتقب، وهي تنتظر خطيبها لكي تذهب معه لتسويق لملابس الزفاف وحفلة الزفاف، والعائلة تتلقى التهاني والتبريكات بالزواج ابنتهم سارة، تأخر خطيبها في المجيء الى البيت، لكنه في النهاية حضر مكفر جامد الملامح في ارتباك وقلق، والغرابة جاء في الزي العسكري وليس المدني، اصابها الذهول والحيرة من هذا التصرف الغريب، لكنه قال في حرج كبير (لا اتمنى ان انقل لكِ خبراً سيئاً لكنه حصل للاسف) لقد القي القبض على اخيها الصغير مع مجموعة من التلاميذ، بعد خروجهم من المدرسة، بحوزتهم كتب ممنوعة، واتهموا بأنهم معادون للسلطة الحاكمة، قالت بتذمر بأنه قاصر وصغير السن، فانقلب الفرح الى حزن، وبعد مرور عام انقطعت اخبار ابنهم الصغير، وأصاب المرض والحزن والديها لم يتحملوا الصدمة المفاجأة في الغياب ابنهم الصغير، فقد لفهم الحزن بصمت رهيب، وبعد ذلك سمعت سارة من خطيبها سبب إلغاء الزواج (لا يحق لها الزواج من أخت مغيب من ضابط في الجيش).

5 - قصة أصغر سيدة: في زمن المآتم وقرع طبول الحرب، وضائقة الحصار الجاثم على صدور الناس في ارهاق وانتهاك، في شحة الحياة الجافة، ضمن هذه الظروف الصعبة والقاسية، اضطر والديها بزواج طفلتهم الصغيرة القاصر، من رجل عجوز طاعن في السن، لانه يحمل مالاً كثيراً وثري، وسط ذهول الطفلة التي لم تخرج من أحلام الطفولة، لم تفهم ما يدور حولها، في تجمع النسوة في الرقص والدبكة، وحاولت احداهن جرها الى دبكة الفرح، لكنها رفضت بقولها في الصباح الباكر عندها امتحان في المدرسة، ضحكن بسخرية، بأن الحفلة هي لعقد زواجها من رجل عجوز طاعن في السن، وتم عقد القران رغم توسلاتها وبكائها، وبعد أيام عادت الى المدرسة مطرقة الرأس في مهانة واحباط وخذلان، وانها حملت لقب في مدرسة التلاميذ (أصغر سيدة).

***

جمعة عبد الله

 

في المثقف اليوم