قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية نفسية موسّعة لقصيدة أميرة كرم "هنا الغياب"
قراءة في الذات المبدعة، الجرح والرغبة
قصيدة «هنا الغياب» ليست نصّاً عن الفقد فحسب، بل هي وثيقة نفسية، وسيرة شعورية، وجسد لغوي يعيد تمثيل الصدمة عبر المجاز، ويحوّل الألم إلى بنية جمالية. إننا أمام نصّ يكتب الغياب لا بوصفه حدثاً خارجياً، بل بوصفه حالة نفسية مقيمة في الجسد واللغة والذاكرة.
القراءة النفسية هنا لا تبحث عن سيرة الشاعرة الواقعية، بل عن السيرة النفسية للنص، أي الكيفية التي يتجلّى بها اللاوعي، والجرح، والرغبة، في النسيج الشعري.
أولًا: الذات المبدعة والسيرة النفسية للنص:
الذات في هذا النص ليست ذاتاً سردية فقط، بل ذاتاً مجروحة، محكومة بصدمة الرحيل:
«بعد رحيلكَ، لم أفعل شيئاً تقريباً
أطفأتُ جميع الأحلام»
هنا يتجلّى أول مظهر من مظاهر السيرة النفسية للنص:
الرحيل ليس حادثة زمنية، بل لحظة تأسيس نفسي، أي ما يمكن تسميته بـ الجرح المؤسِّس.
منذ هذه اللحظة، كل الصور التالية ليست إلا تفريعات لهذا الجرح.
القصيدة تُكتب من داخل الصدمة، لا بعدها. الذات لا تتذكّر الفقد، بل تعيشه لحظة بلحظة، وكأن الزمن توقّف عند تلك النقطة.
ثانياً: اللاوعي الإبداعي والدافع النفسي للكتابة:
الكتابة هنا ليست فعلاً واعياً مخططاً، بل تفجّراً من طبقات اللاوعي.
الصور الكبرى في النص (الغابة، الرماد، الأنفاس المحترقة، الرأس المتدلّي، التمثال الرخامي) ليست اختياراً زخرفياً، بل إسقاطات لاواعية لحالة نفسية مأزومة.
الدافع النفسي للكتابة هو:
تفريغ الألم.
إعادة تمثيل الصدمة.
محاولة ترميم الذات عبر اللغة.
الكتابة هنا ضرورة نفسية لا اختيار جمالي:
«نبتت غابة من حزن
أشجارها رماد
وسمادها أنفاسي المحترقة»
اللاوعي يختار مفردات الاحتراق، الرماد، التحلّل، لأن النفس تشعر أنها تحترق من الداخل. اللغة تصبح ترجمة جسدية للألم.
ثالثاً: التعويض الرمزي والإسقاط النفسي:
1. التعويض الرمزي:
حين تعجز الذات عن استعادة الغائب واقعياً، تعوّضه رمزياً عبر:
القميص
تمائم الحب
أحاديث المساء
الأبواب
«عيناي مثبّتتان
على قميصك البنيّ المعلّق فوق السرير
على تمائم الحب المبثوثة فيهما»
القميص هنا ليس لباساً، بل جسد بديل.
الذات تمارس تعويضاً رمزياً: تتعلّق بما يحمل أثر الجسد الغائب.
2. الإسقاط النفسي:
كل العالم يتحوّل إلى مرآة للحزن:
الغابة = النفس
الرماد = المشاعر
الأبواب = الصدر المختنق
الضباب = التشوّش الداخلي
«أبحث عن رأسي وسط الضباب»
الرأس الضائع هو العقل المعطوب بالصدمة.
العالم الخارجي ليس موضوعاً مستقلاً، بل إسقاطاً للحالة النفسية.
رابعاً: الصراع الداخلي وآليات الدفاع النفسي.
1. الصراع الداخلي:
هناك صراع بين:
رغبة اللقاء
وواقع الغياب
«لا بدّ من طريق يقودني إليك
حتى لا أقف هنا...»
الذات عالقة بين:
أمل مستحيل
وواقع خانق
هذا يولّد قلقاً داخلياً دائماً.
2. آليات الدفاع النفسي:
الذات تستخدم عدة آليات:
أ- الإنكار الجزئي:
«لم أفعل شيئاً تقريباً»
تقليل من حجم الانهيار كآلية حماية.
ب- التجميد النفسي:
«مثل تمثال رخامي»
التحوّل إلى حجر لتجنّب الإحساس.
ج- التماهي مع الألم:
الذات لا تحاول الهروب من الحزن، بل تسكنه وتبنيه كغابة داخلها.
خامساً: البنية النفسية للشخصية
الشخصية الشعرية هنا ذات:
حساسية عالية
قابلية للانكسار
ارتباط حسي شديد
اعتماد وجداني على الآخر
هي شخصية:
تُعرّف نفسها عبر الآخر
تفقد رأسها بفقده
يتدلّى وعيها حين يغيب
«بلا عينين
ورأس يتدلّى أسفل السرير»
فقدان الرأس = فقدان السيطرة العقلية.
فقدان العينين = فقدان المعنى.
سادساً: الأنا، الهو، والأنا الأعلى
الهو: يظهر في الرغبة الحسية الخفيّة، في التعلّق بالقميص، بالتمائم، بآثار الجسد.
الأنا: تحاول أن تصيغ الألم شعرياً، أن تنظّمه في صور.
الأنا الأعلى: يكاد يغيب؛ لا وجود للمنع أو الكبح، بل ترك كامل للانهيار.
اللغة هنا انتصار للهو عبر الشعر، لكن بوساطة الأنا الفنية.
سابعاً: القلق الوجودي والإحباط
القصيدة ليست فقط عن فراق عاطفي، بل عن:
انهيار المعنى
فقدان الاتجاه
غياب الطريق
«لا بدّ من طريق يقودني إليك
حتى لا أقف هنا»
الوقوف هنا هو:
توقّف الزمن
شلل الوجود
العيش بلا أفق
هذا قلق وجودي لا نفسي فقط.
ثامناً: العقد النفسية
يمكن رصد:
عقدة الفقد
عقدة التعلّق المرضي
عقدة الذوبان في الآخر
الذات لا ترى نفسها إلا عبره:
«أبحث عن رأسي وسط الضباب»
أي أن الهوية نفسها مرتبطة بالآخر الغائب.
تاسعاً: الحالة الحسية في النص هنا ليس فاضحاً، بل حزيناً، متخفّيًا في الأشياء:
القميص = جلد بديل
السرير = مسرح الغياب
التمائم = بقايا علاقة جسدية وروحية
الصدر = موضع سقوط الرأس
«وتركت رأسي يسقط خلفك على مهل
هنا على صدري»
الصورة تحمل:
خضوعًا
حميمية
انكساراً حسياً
الرأس الساقط على الصدر هو حركة جسدية ذات دلالة عاطفية وجنسية ضمنية.
الحس الجسدي هنا:
لا يبحث عن لذة
بل عن استعادة حضور
عن دفء مفقود
إنه إحساس جسدي مجروح، يتحوّل إلى حزن جسدي.
عاشراً: الكتابة بوصفها تطهيراً.
القصيدة نفسها هي فعل تطهيري.
الشاعرة لا تكتب لتخبر، بل لتشفى.
اللغة هنا:
نزيف
تنفّس
حريق مطفأ بالكلمات
كل صورة هي محاولة لإفراغ وجع:
«وسمادها أنفاسي المحترقة»
الأنفاس تحترق لتغذّي الغابة:
أي أن الألم نفسه يصبح مادة للكتابة.
خاتمة:
«هنا الغياب» ليست قصيدة فراق فقط، بل:
نص عن انكسار الهوية
عن الحس الجسدي حين يتحوّل إلى حزن
عن اللاوعي وهو يكتب نفسه
عن الجرح الذي يصير لغة
إنها قصيدة تكشف أن: الكتابة ليست ترفاً جمالياً،
بل ضرورة نفسية،
وأن الشعر، في لحظات الصدمة،
يصبح شكلًا من أشكال النجاة.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
........................
هنا الغياب
بعد رحيلكَ، لم أفعلْ شيئًا تقريبًا
أطفأتُ جميعَ الأحلامِ
وتركتُ رأسي يسقط خلفكَ على مهلٍ
هنا على صدري
نبتت غابةٌ من حُزنٍ
أشجارُها رماد
وسمادُها أنفاسي المحترقة
لا أحد يسمع أنينَها
غير الشّوقِ الّذي يأكُلني يوما بعد يوم
ها أنا جالسة على أطرافِها
أبحثُ عن رأسي وسَط الضباب
*
كقطعة من رخامٍ
عيناي مثبَّتتان
على قميصك البنيّ المعلّقِ فوق السرير
على تمائم الحبّ المبثوثة فيهما
على أحاديثِ المساء
على الشّوقِ
على الألمِ
على سعال الأبواب عند الصباح
*
لا بدّ، لابدّ من طريق يقودني إليك
حتّى لا أقف هنا ...
مثل تمثال رخاميٍّ يطلُّ على العالم
بلا عينينِ
ورأسٍ يتدلّى أسفل السّرير
****
أميرة كرم
"النّهر يسري في قلبها"







