قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية لمقاطع من قصيدة توفيق أحمد بعنوان: "جينالوجيا"

تنتمي هذه النصوص إلى نمطٍ كتابيٍّ هجين، يزاوج بين السيرة الذاتية والتخييل الشعري، ويجعل من الذاكرة مادةً جماليةً للتأويل لا مجرد استعادةٍ زمنية. فهي نصوص تقوم على الشذرة، والمقطع، واللقطة، حيث تُبنى التجربة من تفاصيل صغيرة تتحول ـ عبر اللغة ـ إلى رموز كبرى للوجود. لغتها بسيطة في ظاهرها، عميقة في طبقاتها، تعتمد الإيقاع الداخلي، والانزياح الدلالي، وتكثيف الصورة، لتصوغ ذاتاً شعرية ترى العالم من جرح الطفولة، ومن حكمة الفقد، ومن مساءلة الأصل والمعنى. إنها كتابة لا تؤرخ الحياة، بل تؤوّلها، وتحوّل الخاص إلى إنساني، والذاكرة إلى أفق فلسفي وجمالي مفتوح.

تحمل قصيدة «جينالوجيا» دلالة عنوانية كثيفة؛ فالجينالوجيا ليست مجرد تتبع أنساب بيولوجية، بل هي ـ كما عند نيتشه وفوكو ـ تفكيك لأصول القيم والوعي والذاكرة، والبحث في ما تراكم في الجسد واللغة والطفولة من آثار الزمن. الشاعر هنا لا يكتب سيرة ذاتية مباشرة، بل يكتب سيرة الوجدان، حيث تتحول الطفولة، الأم، الجدة، العوز، العمل المبكر، الذاكرة الشعبية، إلى طبقات تأويلية تشكّل هوية الذات الشعرية.

النص يتوزع إلى مقاطع قصيرة تشبه الشذرات السيرية، لكنها تُبنى بمنطق شعري رمزي، يجعل من التجربة الخاصة أفقاً إنسانياً عاماً.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

لغة القصيدة فصيحة، واضحة، خالية من التكلف، لكنها مشحونة بانزياحات دلالية رقيقة:

مثل:

“نضبت طفولتك المترعة”

هنا مفارقة: الامتلاء يقترن بالنضوب، فينشأ توتر دلالي يعبّر عن طفولة ثرية بالمعنى لكنها فقيرة بالزمن.

التراكيب تميل إلى الجملة الفعلية، ما يمنح النص حركة سردية:

رعيتُ، نقلتُ، سحبتُ، واجهني، قفز، رحلت…

وهذا يعزز طابع السيرة المتدفقة.

الدقة اللغوية عالية، مع ميل إلى البساطة المشحونة، لا إلى الزخرف.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة ملائمة تماماً لموضوعها: الطفولة، الفقر، الذاكرة الشعبية، الأمومة. لا نجد ألفاظاً متعالية على التجربة، بل لغة “قريبة من التراب”:

النبع الشحيح، التنور الحامي، الزبدة، الرغيف، الأغنام، الزواريب…

كلها ألفاظ مشهدية، حسية، تشد النص إلى واقعه.

التوازن بين اللفظ والمعنى قائم على البساطة المؤثرة، لا على البلاغة المتكلفة.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة نثرية، لكنها تقوم على:

الإيقاع الداخلي عبر التكرار:

“رحلت… رحلت”

تكرار يحمل شحنة حدادية.

الجرس الصوتي في التقابلات:

مرة ترفعنا / مرات تسقطنا

توازن صوتي ودلالي.

الموسيقى ناتجة عن توازي الجمل، وعن الإيقاع النفسي لا العروضي.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية:

القصيدة مبنية على مقاطع مستقلة ظاهرياً، لكنها متصلة عبر خيط الجينالوجيا:

السرد ليس زمنياً صارماً، بل ذاكرة تتنقل بين لحظات الطفولة والأم والجدة والعمل والعزلة.

لا توجد شخصيات بالمعنى الروائي، بل “شخوص رمزية”: الأم، الجدة، الكلب، المرأة القاسية، العصافير.

المنهج الوصفي واضح، لكنه يتحول إلى منهج تأويلي حين تتجاوز الصورة معناها المباشر.

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر للعالم تقوم على:

الطفولة بوصفها أصل الوعي.

الأم بوصفها المعلم الأول للشعر والحياة.

الفقر بوصفه مختبراً للأخلاق والمعنى.

هناك انسجام بين الشكل (مقاطع قصيرة، لغة بسيطة) والمضمون (ذاكرة متشظية، حياة قاسية).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي :

الدهشة تتجلى في مفارقات مثل:

١- “خسارة رابحة”

٢- “أكبر شاعر واجهته روحي هو أمي الأمية”

هذا قلب للمعايير الثقافية السائدة، حيث تُنتزع الشعرية من المؤسسات إلى الحياة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

القصيدة تطرح أسئلة:

١- ما قيمة النسب والأصل؟

٢- “ما الفائدة من الأنساب والأصول…”

٣- ما معنى الفضيلة في عالم متقلب؟

٤- “هل بإمكان الفضيلة أن تبقى هي ذاتها؟”

هي أسئلة وجودية وأخلاقية، تنطلق من التجربة لا من التنظير.

2. الأفق المعرفي:

النص يتقاطع مع:

١- الفكر الوجودي: الإنسان يصنع معناه من الألم والعمل.

٢- الفكر الجينالوجي: تفكيك الأصل لا تمجيده.

٣- التراث الشعبي: الحكايات، الأمثال، السرد الشفهي.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):

المعنى لا يقف عند حدود السيرة، بل يتجاوزها:

١- الأم = أصل اللغة.

٢- الجدة = ذاكرة الجماعة.

٣- الرغيف = صراع البقاء.

٤- العصافير = الحرية المشروطة بالاحتواء.

النص يفتح طبقات متعددة: ذاتية، اجتماعية، رمزية.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

النص ينبع من بيئة ريفية فقيرة، حيث العمل المبكر، العوز، الأمية، الحكاية الشعبية. هو ابن لحظة عربية مأزومة اقتصادياً وثقافياً.

2. تطوّر النوع الأدبي:

يقع النص في سياق تطور قصيدة النثر العربية التي تمزج السيرة بالرمز.

3. الارتباط بالتراث

يتفاعل مع:

١- البلاغة الشعبية.

٢- السرد الشفهي.

رمزية الشجرة، الطير، الخبز، الجدة، وهي رموز راسخة في المخيال العربي.

خامساً: الأسس النفسية

1. تحليل البنية الشعورية

يسيطر على النص:

١- الحنين.

٢- الحزن الهادئ.

٣- القلق الوجودي.

٤- الإحساس بالخذلان.

2. تحليل الشخصية:

الذات الشعرية تتشكل عبر:

١- الحرمان.

٢- العمل المبكر.

٣- فقد الأم.

٤- الصدام مع قسوة المجتمع.

3. النبرة النفسية:

النبرة العامة: شجن تأملي، لا صراخ فيه، بل حزن حكيم.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

يعكس:

١- الفقر الريفي.

٢- العمل القسري.

٣- التفاوت الأخلاقي بين الناس.

2. الخطاب الاجتماعي

ينتقد:

١- القسوة الاجتماعية.

٢- لا مبالاة الآخرين بطفولة الشاعر.

٣- تشوه القيم.

3. الكاتب كفاعل اجتماعي:

الشاعر هنا شاهد أخلاقي، لا خطيب سياسي، يفضح الواقع عبر الذاكرة.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. تحليل الرموز

١- الشجرة = الحماية.

٢- العصافير = الحرية.

٣- الأفعى = القلق، الوسواس، الخوف.

٤- الرغيف = البقاء.

٥- الجدة = الذاكرة الجمعية.

2. شبكات الدلالات:

١- حضور/غياب: الأم حاضرة في الذاكرة، غائبة في الواقع.

٢- علو/سفل: العصافير مقابل الزواريب.

٣- حياة/موت: الحكايات ضد النسيان.

3. النظام الرمزي العام:

العالم يُبنى من أشياء بسيطة تتحول إلى علامات كبرى للوجود.

ثامناً: الأسس المنهجية

النص يسمح بتعدد المناهج:

١- أسلوبي: في بساطة اللغة.

٢- نفسي: في بنية الحرمان.

٣- سيميائي: في الرموز.

٤- هيرمينوطيقي: في تعدد طبقات المعنى.

وهو ينجح في الحفاظ على صرامة داخلية دون أن يتحول إلى خطاب نظري.

- خاتمة:

قصيدة «جينالوجيا» ليست بحثاً عن أصل الدم، بل عن أصل المعنى. إنها كتابة في ذاكرة الجسد واللغة والحرمان. الشاعر لا يستعيد طفولته ليبكيها، بل ليجعل منها مادة للوعي. هنا تتحول السيرة إلى فلسفة، والطفولة إلى سؤال، والأم إلى أبجدية الوجود.

إنها قصيدة تقول:

نحن لسنا أبناء النسب فقط،

بل أبناء الألم، والحكاية، والرغيف،

وأبناء أول يد علمتنا كيف نكتب العالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

نص مقاطع القصيدة

لأنك لم تَرَ الإسفلت

إلا في المدينة البعيدة

نَضَبَتْ طفولتُكَ المُتْرعَة

ولم يَبْقَ منها إلاّ خَيطٌ

يكاد ان لا يُرى إلا بعين الوجدان

2

دون أن تهتدي إلى صانع مفاتيح

كيف لك أن تفتح مغاليق العمر

3

أكبرُ شاعرٍ واجَهَتْه روحي

هو أمي الأمّية

علّمتني أبجديةَ الطفولة

وسجلتني في مدرسة الغيم

وهي تفرك لي أذني

وتقول:

إياكَ ألّا تمرَّ على الأشجار

لتسقيها شجرةً شجرة

4

في مراحلَ ما من طفولتكَ

لايجعلك العَوَزُ تفكر

إلا في نطاق الضرورات

لعلكَ في أول فرصة

تمنحُها الحياةُ بالمصادفة

تصنعُ سكةَ قطاركَ المُنْتَظَر

مبتدئاً من صخرةٍ شرسة

وزواريبَ لم يغادِرْها بَعْدُ

ترهُّل التاريخ

5

رعيتُ الأغنام أحد عشر يوماً

ولم تصلني أجرتيِ

إلا بعد أحد عشر عاماً

6

عندما واجهني شطُّ بحر الصين لأول مرة

بسرعةٍ هائلة قفز إلى بالي

منظري وأنا (أَرِقُّ) العجين لأمي بحركاتٍ درامية

لتلصقه بجدار التنور الحامي

بينما الكلب القاعي

ينتظر أية خبزةٍ ناضجة

7

حافيَ القدمين نَقَلْتُ الماَء على كتفيَّ

من ذلك النبع الشحيح

وأكثرُ ما أتذكَّرُهُ

حِواري العقيمُ مع تلك المرأة

التي لم تتحسّس لأحمالي وطفولتي

8

في سنّ الخامسة

سحبتُ ذلك الرغيف من فم الكلب

الذي رماه له جدي

ربما كانت طفولةً لها عينان ثاقبتان

9

لم تبع جدتي الزبدة

إلاّ بالسعر الأدنى من المعروف

ظناً منها أنه الأعلى

يالها من خسارة رابحة

10

كثيراً ما تَدلّت تلك الأفعى

من سقف أفكاري

أهو توحش العزلة

أم استهتار بالطمأنينة ؟

11

رغم انسكابها كالمطر

في مرويات أمي

تلك الخوارق وحكاياتُ الحب

لم تُقنعْ إيماني بها

رَحَلَتْ..... رَحَلَتْ

ولم تترك لي

سوى وردةِ الخيال

12

الجدات يسردن حكايات الخيال للأحفاد

ليس فقط لإمتاعهم

وإنما كي لا يلتهمها وحشُ النسيان

في زحمة الحاجة لما يرمم الروح

وكي لا تسقط أحدُ أعمدة الذات

13

ما الفائدة من الأشجار

وأنساغها الباقية كذكرى مُرْهَقَةْ

ما الفائدة من الأنساب والأصول والمَتَحَدِّر منها

وأصلابِ الكائنات السابقة و جغرافيتِها المتنقلة

فهي عناصر في غاية الإلتباس

وأدلةٌ شعبية يوثقها اللامعنى

14

لتلوذَ بِكَ العصافير

عليكَ أن تكون شجرةً

تجهل عنوانَها الريح

15

نفوسُنا زئبقية

مرةً ترفعنا

ومراتٍ تُسْقِطنا

هل بإمكان الفضيلة

أن تبقى هي ذاتَهَا

 

في المثقف اليوم