قراءات نقدية
بهيج حسن مسعود: صور من نص "نبوءة بلا جمهور" للأستاذ زياد حلبي
زياد حلبي إعلامي وصحفي فلسطيني بارز، وُلد عام 1969 يشتهر بتغطيته الميدانية العميقة والشاملة لأحداث منطقة الشرق الأوسط على مدار عقود.
المنصب الحالي: كبير مراسلي قناة العربية في فلسطين، ومراسل إذاعة مونت كارلو الدولية.
المناصب السابقة: عمل مراسلاً لقناة دبي الفضائية (1994-2002) ولقناة النيل. كما شغل منصب مدير مكتب "نيوزلينكس" في القدس.
غطى حلبي أهم الأحداث السياسية والأمنية في المنطقة، وأجرى مقابلات مع شخصيات سياسية بارزة على المستويين المحلي والدولي:
- تغطيات ميدانية رئيسية: حرب لبنان 2006، اجتياح الضفة الغربية، والحروب المتتالية على قطاع غزة.
- حوارات مع قادة فلسطينيين: مثل الرئيس الراحل ياسر عرفات، والرئيس محمود عباس، والمناضل مروان البرغوثي في سجنه.
- حوارات مع مسؤولين دوليين: مثل وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، ووزير الخارجية البريطاني ديفيد ميلباند، والفرنسي برنار كوشنير.
حصل على جائزة الإعلام العربي مرتين، في عامي 2003 و2006.
الخلاصة
يمثل زياد حلبي نموذجاً للإعلامي المخضرم الذي شهد على مفاصل تاريخية وصاغها عبر تقاريره. تراكمت هذه التجربة الثرية لتشكل رؤية نقدية عميقة تظهر جلياً في كتاباته الأدبية، مثل النص الشعري "نبوءة بلا جمهور"، حيث يتحول من مراسل للأحداث إلى ناقد للواقع وشارح لعلاقة المبدع بالمجتمع.
نبوءة بلا جمهور
أنا لا أتنبأ.
أنا أتعثر بالمستقبل صدفةً
ثم أعتذر له.
*
كل ما أعرفه
أن العالم يسير بلا سائق،
والناس يجلسون في الخلف
يصفقون للطريق.
*
هناك عملية تنظيف كبرى،
لكنها لا تستهدف الشوارع،
تستهدف العقول.
يكنسون الأسئلة،
يمسحون الغضب،
ويتركون لنا
موسيقى خفيفة
لننام واقفين.
*
الشباب؟
لا أعرف.
ربما سيولدون وهم يعرفون كل شيء
إلا لماذا يعيشون.
ربما سيحملون هواتفهم الذكية
وقلوبًا بنظام الطيران.
*
أما الكاتب،
فليس بائعًا في واجهة ثقافية،
ولا مهرجًا في سيرك الجوائز.
الكاتب شخص
لم يجد مكانًا يصرخ فيه
فاخترع الورق.
*
اكتب
لأن الجملة تطاردك في الليل،
لأن الصمت أثقل من السجن،
لأن هناك كلمة
لو لم تُكتب
ستعيش حياتك كلها
كشاهد زور.
*
لا أحد يحتاج أدبًا نظيفًا.
نحتاج أدبًا يوسّخ يديه،
ينزف،
ويرفض أن يبتسم في الصورة الجماعية.
*
وما تبقّى بعد ذلك
ليس سوى
نبوءة…
بلا جمهور.
***
صور من النص:
- "أنا لا أتنبأ. / أنا أتعثر بالمستقبل صدفةً / ثم أعتذر له."
- الصورة: المستقبل ككيان مادي/شخصي يمكن التعثر به. الكاتب ليس نبياً مُلهماً، بل هو شخص مرتبك، يصطدم بالغد بشكل عشوائي، وهذا الاصطدام محرج يستدعي الاعتذار.
- "العالم يسير بلا سائق، / والناس يجلسون في الخلف / يصفقون للطريق."
- الصورة: العالم كسيارة مسرعة بلا سائق، والجمهور سلبي، جالس في المقاعد الخلفية. التصفيق للطريق (وليس للسائق) هو تصفيق للحركة وللمسار نفسه بغباء وانهزامية، بغض النظر عن الوجهة أو الخطر. تجسيد للتبعية والرضا الوهمي عن واقع مجنون.
- "هناك عملية تنظيف كبرى، / لكنها لا تستهدف الشوارع، / تستهدف العقول."
- الصورة: عملية تنظيف كبرى (مثل حملة أمنية أو تطهير) لكن الهدف ليس القذارة المادية بل الفكرية. تحويل العقول إلى فضاءات يجب "تطهيرها" من أشياء محددة.
- "يكنسون الأسئلة، / يمسحون الغضب، / ويتركون لنا / موسيقى خفيفة / لننام واقفين."
- الصورة المتتالية: الأسئلة والغضب كأوساط وغبار يُمكنس ويمسح. ما يتبقى هو "موسيقى خفيفة" (تلميح للإلهاء الإعلامي والترفيه المسطّح). النتيجة: "ننام واقفين" – صورة قوية للغيبوبة الواعية، أو الخدر مع الاستمرار الظاهري في الحياة والحركة. هي حالة من التنويم الاجتماعي.
- "الشباب؟ / ربما سيولدون وهم يعرفون كل شيء / إلا لماذا يعيشون."
- الصورة: تناقض حاد بين وفرة المعلومات ("يعرفون كل شيء") والفراغ الوجودي ("لماذا يعرفون"). المعرفة السطحية مقابل الجوهر الضائع.
- "ربما سيحملون هواتفهم الذكية / وقلوباً بنظام الطيران."
- الصورة: الهواتف الذكية (اتصال، معرفة ظاهرية) مقابل القلوب "بنظام الطيران" – أي في وضعية إيقاف أو عدم تفعيل للمشاعر الحقيقية، أو أنها متحضرة للهروب والانفصال عن الواقع في أي لحظة. قلب معطّل عن وظيفته الأساسية (الشعور).
- "الكاتب... / لم يجد مكاناً يصرخ فيه / فاخترع الورق."
- الصورة المركزية: الكتابة ولدت من القمع والاختناق. الورق ليس أداة فحسب، بل هو "مكان" بديل للصراخ المُمنع في الواقع. الكتابة هي صرخة مُسكّنة في حيز مادي.
- "اكتب / لأن الجملة تطاردك في الليل، / لأن الصمت أثقل من السجن"
- الصورة: الكتابة كضرورة وجودية ونفسية. الجملة ككائن حي يطارد. الصمت كثقل قاتل يفوق ضغط السجن. الكتابة هنا تحرّر من أشباح داخلية وسجن خارجي.
- "لأن هناك كلمة / لو لم تُكتب / ستعيش حياتك كلها / كشاهد زور."
- الصورة القضائية: الحياة التي لا تُكتب فيها الكلمة الحقيقية هي حياة شهادة زور على الذات وعلى الواقع. الكاتب الذي لا يكتب يخون الحقيقة ويشهد زوراً. الكتابة هنا مسؤولية أخلاقية.
- "لا أحد يحتاج أدباً نظيفاً. / نحتاج أدباً يوسّخ يديه، / ينزف، / ويرفض أن يبتسم في الصورة الجماعية."
- الصورة: الأدب "النظيف" هو الأدب الزائف المطيَّف. الأدب الحقيقي هو جهد شاق ("يوسخ يديه")، صادق وجريح ("ينزف")، وغير مُستعدّ للمجاملة أو الانصهار في القطيع ("يرفض الابتسام في الصورة الجماعية"). صورة الأدب العامل، المتمرّد، الحزين.
- "وما تبقّى بعد ذلك / ليس سوى / نبوءة… / بلا جمهور."
- الصورة الختامية: بعد كل هذا الجهد والصراخ المكتوب، ما ينتجه الكاتب هو "نبوءة" – رؤية للحقيقة أو للمستقبل – لكنها معزولة، "بلا جمهور". الجمهور إما نائم واقفاً، أو يصفق للطريق، أو منشغل بهاتفه وقلب الطيران. النبوءة (أو الأدب الحقيقي) تصرخ في فراغ، مما يعيدنا إلى العنوان ويدور في حلقة مفرغة من العزلة واللامبالاة.
***
كاتب المقال:
بهيج حسن مسعود







