قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية في البنية اللغوية والجمالية للشاعرة حفيظة الفائز

تأتي قصيدة «سهاد على ناصية الشوق» للشاعرة المغربية حفيظة الفائز بوصفها نصّاً إشكالياً كثيفًا، لا يكتفي بتسجيل انفعال وجداني عابر، بل ينخرط في مساءلةٍ عميقة لعلاقة الذات بالرغبة، وبالغياب، وبالمقدّس حين يتقاطع مع العاطفي. إننا أمام نصٍّ يتجاوز حدود الغنائية التقليدية، ليؤسس خطابًا شعرياً مركّبًا، تتجاور فيه اللغة الحسية مع الرمز الطقوسي، ويشتبك فيه الحب مع الخوف، والاشتهاء مع الكفّ، في بنيةٍ لغوية ودلالية مشدودة على قلق الوعي لا على طمأنينة القول.

تنفتح القصيدة على حوار داخلي (قال/قالت) لا بوصفه تقنية سردية فحسب، بل باعتباره آلية كشفٍ نفسي وفكري، تتيح تفكيك العلاقة غير المتكافئة بين ذاتٍ تمنح حتى الذوبان، وذاتٍ تنسحب متذرّعة بالتحفّظ والاعتكاف. ومن خلال هذا الحوار، تُعيد الشاعرة إنتاج التجربة العاطفية بوصفها طقسًا معطوبًا، يُؤدّى دون اكتمال، ويُعاد دون خلاص، حيث يتحوّل الطواف إلى دوران، والسعي إلى خطأ في العدّ، والصلاة إلى نشازٍ خجول.

تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربةً نقديةً موسّعة، تنطلق من تحليل الأسس اللغوية والبلاغية، وتنتقل إلى تفكيك البنية الجمالية والفنية، قبل أن تنفذ إلى مستوياتها الفكرية والفلسفية، والنفسية، والسوسيولوجية، والسيميائية، في ضوء منهج وصفي–تحليلي–تأويلي، مع الاستفادة من المقارنة حين يقتضي السياق. وتسعى الدراسة إلى الكشف عن البنية العميقة للمعنى، وعن الكيفية التي تُنتج بها القصيدة دهشتها، وتبني عالمها الرمزي، وتؤسّس لرؤية شعرية خاصة، تُثبت حضور الشاعرة بوصفها صوتًا واعيًا باللغة، وبالذات، وبأسئلة الوجود المعاصر.

تنهض قصيدة «سهاد على ناصية الشوق» على توتّرٍ داخليٍّ عالٍ بين الرغبة والكفّ، بين الانجذاب والانسحاب، وبين المقدّس والعاطفي، في نصٍّ يتكئ على خطاب حواري مزدوج (قال/قالت)، يُنتج دراما لغوية داخلية لا تقوم على الحدث، بل على الاحتكاك الدلالي بين ذاتين: ذاتٍ مأزومة بالاشتهاء، وأخرى مأزومة بالخوف من الاشتهاء.

إننا أمام قصيدة نثر ذات حساسية إيقاعية عالية، توظّف المجاز الديني، والانزياح البلاغي، والرمز الطقوسي، لتفكيك علاقة حبٍّ مختلّة، تتنازعها الرغبة والانسحاب، الفعل والتعليق، الحضور والغياب.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتميّز لغة النص بـ:

١- سلامة نحوية واضحة

٢- تراكيب مشدودة ومكثّفة

انزياحات دلالية واعية غير مفتعلة

مثل:

١- «تجتاحين هشاشتي»

٢- «شباكَ حبالٍ تشنق المعنى»

التركيب هنا يزاوج بين الفعل الجسدي والفعل النفسي، حيث تتحول الهشاشة إلى فضاء يُجتاح، ويتحوّل المعنى إلى كائن يمكن شنقه. هذا ليس تزيينًا لغويًا، بل تفكير بالمجاز.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ:

١- غير متكلّفة

٢- ملائمة للموضوع ٣- الوجداني–الطقوسي

٤- مشبعة بحمولة رمزية

تنجح الشاعرة في خلق توازن دقيق بين:

١- حرارة الانفعال.

٢- وبرودة الصياغة المتأنية.

فلا تنزلق إلى الغنائية المفرطة، ولا إلى الجفاف الذهني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص نثري، لكنه مشغول على:

١- الجرس الداخلي

٢- التوازي التركيبي

٣- التكرار الدلالي

مثل:

«قديمٍ

قديمٍ جدًّا»

«سبعًا في سبعٍ»

التكرار هنا ليس إيقاعًا صوتيًا فقط، بل إيقاع وجودي يعكس الدوران، العجز، والطقس غير المكتمل.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص قائم على:

١- حوار شعري داخلي

٢- تقابل صوتي (قال/قالت)

٣- بنية مشهدية لا سردية

٤- لا شخصيات بالمعنى السردي، بل أصوات نفسية تتواجه. الزمن ليس خطيًا، بل دائري، يعيد إنتاج الفعل نفسه (الاقتراب/الانسحاب).

المنهج الوصفي يبيّن أن النص:

يصف حالة لا حدثًا

شعورًا لا واقعة

2. الرؤية الفنية

رؤية الشاعرة للعالم:

١- الحب اختبار أخلاقي

٢- والرغبة امتحان للوعي

٣- والطقس الديني استعارة للارتباك الوجودي

هناك انسجام واضح بين:

١- شكل النص المتقطّع

٢- ومضمونه القلق

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تتجلّى الدهشة في:

«ترتدي زمن الإحرام»

«اعتكاف الحلزون»

وهي صور:

غير مستهلكة

ذات طاقة تأويلية عالية

تمزج المقدّس باليومي دون ابتذال

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الحب خلاص أم فخ؟

هل الرغبة خطيئة أم طقس؟

هل الصبر فضيلة أم خوف؟

هذه أسئلة وجودية، تُطرح دون إجابات، وهو ما يمنح النص عمقه.

2. الأفق المعرفي

يحيل النص إلى:

المرجعية الدينية (الطواف، السعي، الإحرام)

دون خطاب وعظي

بل بوصفها لغة رمزية للتيه

وهو ما يضع النص في تماس مع شعر الحداثة الروحية.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

في العمق، النص عن:

علاقة غير متكافئة

ذات تعطي وذات تنسحب

عشق يُؤدَّى كطقس بلا اكتمال

الطواف دون المحبوب، السعي بالنيابة، الخطأ في العدّ:

كلها إشارات إلى اللاجدوى الوجودية.

رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

النص مكتوب في سياق:

ذات أنثوية عربية معاصرة

تحاول استعادة صوتها

دون الوقوع في خطاب احتجاجي مباشر

2. تطور النوع الأدبي

ينتمي النص إلى:

قصيدة النثر التأملية

ذات البعد الصوفي–الوجداني

المتقاطعة مع الشعر النسوي غير الشعاري

3. الارتباط بالتراث

الاستدعاء الديني:

واعٍ

غير زخرفي

يُوظَّف بوصفه رمزًا لا اقتباسًا

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

١- القلق

٢- التوق

٣- الخجل

٥- الشعور بالذنب

2. تحليل الشخصية

الشخصيتان:

«هو»: انسحابي، متردّد، يخشى الاكتمال

«هي»: مبادرة، معطاءة، مأزومة بالعطاء

3. النبرة النفسية

النبرة الغالبة:

١- حنين مكسور

٢- قلق وجودي

٣- خجل روحي

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يلامس:

صورة الأنثى العاطفية في مجتمع محافظ

علاقة السلطة داخل الحب

الانسحاب الذكوري بوصفه شكلًا من أشكال الهيمنة الصامتة

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- العطر: الذاكرة

٢- الطواف: البحث

٣- الإحرام: الكفّ

٤- الحلزون: الانغلاق

2. الثنائيات

١- حضور / غياب

٢- طقس / رغبة

٣- صلاة / نشاز

3. النظام الرمزي

النص يبني عالمًا:

مغلقًا

دائريًا

محكومًا بالتكرار

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل النفسي

٣- التأويل الرمزي

٤- المقاربة السيميائية

مع وضوح منهجي وتكامل قرائي.

خاتمة:

«سهاد على ناصية الشوق» قصيدة ناضجة، عميقة، لا تراهن على الانفعال السريع، بل على التراكم الدلالي. نصٌّ يحترم القارئ، ويستفزّ وعيه، ويؤكّد أن الشاعرة حفيظة الفائز تمتلك:

حساسية لغوية

وعيًا رمزيًا

وصوتًا شعريًا خاصًا

وهي قصيدة تستحق أن تُدرَس، لا أن تُقرأ فقط.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

سهاد على ناصية الشوق

قال لها:

تجتاحين هشاشتي

حين يلوح عطرُكـ

على مشارفِ الذاكرة

تسكنينني

يا امرأةً بأسلحةٍ ضارية

تشهقين بحدسِ الأنثى

تفُكٌين أزراري

شباكَ حبالٍ

تشنُقُ المعنى

فيتهدّى الضجيجُ على صدري

كومضات شِعرٍ

 بلا قافية

كهذيانِ قديم

قديمٍ جدّا

صدّقَ

أن ينالَ الطّوفانُ

من سفينةِ نوح

بشراهتِهِ العالية

*

قالت له:

يكفيك باقةُ فرحٍ

بدَلَ الوَجسِ على الناصية

لتكونَ وِشاحاً

لبيضِ ليالي

لكنك تسكبُني

دمعةً يتيمةً

من حياضِ عينيك

لسديمِ عينيَّ

*

ولما يضُمُّ عطرُكَ شغفي

ترميه مرَقاً شهيّاً

في طبقٍ مكسور

وعلى ميقاتي

ترتدي زمنَ الإحرام

*

تلْزَمُ قوقَعتَك

في اعتكافِ الحلزون

وأنا أطوفُ بدلاً عنك

وأعُدُّ سعْيِيَ

سبعاً في سبعٍ وأخطئُ العدّ

*

يعتريني نشازٌ

لا يليقُ بالصلاة

فيعجبُ محرابي مني

وأخجلُ من حِلْمِهِ عليّ

*

يتنبّأُ الأفقُ بتعبِ الطريق

فأناشِدُهُ إشراقاً

يجفِّفُ الحياةَ من عرقٍ زائد

من حمّى سهادِك

وسُهْدِ لياليّ

***

حفيظة الفائز 2|1|2026

 

في المثقف اليوم