عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

زهير ياسين شليبه: قراءة في كتاب قمم موسيقية مغيبة لمؤلفه داود أمين

يوثّق هذا الكتاب* المهم للغاية سِيَرَ ثلاثة ملحنين عراقيين بارزين وتجاربهم، لكنهم ولشديد الأسف لم يحالفهم الحظ تماماً وكما يجب ليقدموا كلّ مواهبهم للفن العراقي، إنهم وكما وردت أسماؤهم بفهرست الكتاب: كمال السيد، طالب غالي وكوكب حمزة!

ولا أبالغ إن قلتُ إن هذا الكتاب بمثابة تكريم معنوي كبير لهؤلاء الفنانين وأعمالهم الخالدة!

واللافت، أن أعلام الموسيقى العراقية الثلاثة هؤلاء عاشوا معنا في الدنمَرك في ظروف الاغتراب القسري جنباً إلى جنب مع زميلهم العَلم الرابع داود أمين (أبو نهران)، مؤلف هذا الكتاب المكرس لهم، وكانت له صلات شخصية وثقافية بهم، ما يفسر أيضًا خصوصية الكِتاب. وأنا بدوري، أشعر كمغترب عراقي بضرورة تكريم صديقنا الكاتب داود أمين من خلال استعراض كتابه والحديث عن موضوعاته بتفصيل أكثر لكي يطلع القارئ عليه.

وكما يبدو أنه يقصد بـ"قمم موسيقية مغيّبة" تلك المواهب الفنية الكبيرة التي لم تَنَلْ ما تستحقه من فرص عمل في حياتها، وحضور في الذاكرة الموسيقية العراقية والعربية خلال حياتها وبعد رحيل بعضها رغم أهميتها.

وهناك فنان أخر لا يقل أهمية عن الآخرين، ايضاً مقيم في الدنمرك، إنه الفنان الكبير قحطان العطار الذي ورد اسمه في الكتاب أكثر من مرة!

استمتعتُ بقراءة هذا الكتاب لكثرة المعلومات الشخصية عن هؤلاء الفنانين الثلاثة رغم معرفتنا بهم وبنتاجاتهم، لكن الكاتب يقدم للقارئ الكثير ليس عنهم فحسب، بل أيضاً عن الأغنية العراقية السبعينية بالذات، وأحاول هنا إلقاء الضوء باختصار (رغم الصعوبة) على أهم موضوعاته، ونقل بعض المقاطع المهمة منه!

ولعله من المفيد هنا القول إني انغمرتُ حقّاً بقراءة هذا الكتاب القيّم للصديق داود أمين (أبو نهران)، لا سيّما كنت استمع أثناء قراءة الكتاب إلى أغاني هؤلاء الفنانين العراقيين المذكورين في الكتاب وانا أعيش غربتي التي تعدت الخمسة عقود بعيداً عن بغداد، فأنا أيضاً جزء منهم، إن جاز التعبير كمستمع محب لأغانيهم السبعينية!

صدر كتاب "قمم.." سنة 2024 عن منشورات "موقع الناس"، لكني حصلت عليه بعد فترة من إصداره بأكثر من عام. يتناول هذا الكتاب الفنانين الكبار: الراحلَين كمال السيد وكوكب حمزة، والشاعر والموسيقي والملحن طالب غالي نتمنى له دوام الصحة والعمر المديد.

نتصفحُ في هذا الكتاب سيرةَ حياةِ ثلاثةِ موسيقيين عراقيين ارتبطت أسماؤهم بفترة تميزت بحركة ثقافية خصبة ومهمة في تاريخ العراق رغم قصرها، حيث بدأت بانفراج سياسي نسبي قبل تأسيس "الجبهة الوطنية" بين حزبَي البعث والشيوعي العراقيين، لكنها انتهت مع الأسف بمضايقات حزب السلطة ومطارداته لنشطاء "حليفه" أو المحسوبين عليه مثل هؤلاء الفنانين الثلاثة فاضطرّوا الى الهروب من وطنهم واللجوء إلى المنافي: الكويت، اليمن، سوريا وأخيراً الدنمرك. ولم يكونوا الوحيدين، فقد ترك البلاد فيما بعد العديد من الأدباء والفنانين من مختلف المعتقدات السياسية بمن فيهم البعثيون إلى مختلف أرجاء العالم هرباً من الممارسات التعسفية!

والكاتب داود أمين، عندما ألّف هذا الكتاب منطلقا من هذه القيم كان يحمل او يهدف إلى تعريف القراء العراقيين والآخرين بهذه الفترة السبعينية وأعلام الأغنية العراقية آنئذ، ومنهم بعض الملحنين الموسيقيين والذين أصبحوا تقريبا مغيبين أو مهمّشين بسبب أفكارهم التي انعكست في مضامين نتاجاتهم بوضوح وبشكل غير مباشر احياناً، ولهذا يشعر بمسؤولية حفظ تراثهم، أو ما يمكن حفظه منه.

كمال السيد.. ذكريات عن الناصرية!

والمؤلف داود امين، وهذا مهم أن نذكره هنا، لا يكتب بطريقة جافة، بل يقدم لنا سرديةً جميلةً فيها وصف للزمان والمكان والتاريخ حيث نتعرف على طفولتهم ونشأتهم وصباهم وصراعهم مع الحياة، فمثلا عند حديثه عن كمال السيد، ابن الناصرية يصف لنا هذه المدينة وسكنتها من عشائر المنتفك، ويذكر المهندس البلجيكي (بول تللي) الذي صمّمها، والتي أمر ببنائها الوالي مدحت باشا، الذي كان يخطط لتدجين (سكنتها) عشائر المنتفك!..كان الشارع، الذي سمّي بالحبّوبي..، يقسم الناصرية إلى نصفين! وكان الهواء يمر رخيا عليلاً وسط هذا الشارع.. وكانت " الربلات" وهي عربات تجرها الخيول، تجوب (عكد الهوا) والشوارع الأخرى المرتبطة به، والمتفرعة عنه، بعجلاتها الخشبية". ص11

وكان كورنيش النهر متنزه المدينة، في ذلك الزمن الذي صار بعيداً الآن، فالأشجار العملاقة وارفة الظل، والمصاطب الحجرية والخشبية، محطة استراحة للمتعَبين وعشّاق النهر! ص12

ويصور أمين داود الذي يتمتع بمعرفةٍ دقيقةٍ عن المكان، منزلَ الراحل كمال السيد، الواقع قرب سينما البطحاء الشتوي، فذلك الوقت كانت موجودة سينما، وكمال كان يتيماً عمره 15 عام، حيث توفيت والدته بعد ولادته بعام وعدة شهور، ثم جدته التي عوضته عن حنان الأم فتيّتم كمال، "وكان والده مشغولا بمقاولاته الكثيرة في الناصرية وبغداد والبصرة". ص13

طفولة كمال السيد:

يقول أمين واصفاً رهافة مشاعر كمال، حيث كان يسعده أن يقال عنه إنه "يشبه الملك فيصل الثاني، وتألم كثيراً عندما انتحر وهاب ابن عمه عبد الرزاق برمي نفسه في النهر وهو بملابس العسكرية". ص 14

دخل كمال "فرقة النشيد في المدرسة الابتدائية، كما شدته السينما وعالمها السحري، الذي حاول تقليده من خلال شراء أشرطة الأفلام من نوع 36 ملم". ص 14 وكان يبدأ بالرسم و"أصبح رساما مجيدا للناس والطبيعة.. وتطورت موهبته، ومع.. انتقاله لمتوسطة الجمهورية.. رسم لوحة بالألوان المائية بعنوان (سفرة مدرسية) فحصل من خلالها على كأس تكريمي أهداه كمال لمدرّسه مجيد اليعقوبي". ص 14

الملاحظ هنا أنه ينقل لنا حقائقَ، بادر هو بتسجيلها قبل أن تصبح نسياً منسيّاً لمجرد أن كمال السيد فنان لم يرضَ أن يكون آلةً بيد ماكينة الدعاية الرسمية.

كمال السيد والروائي عبد الرحمن الربيعي والموسيقي سالم الشالاتي:

من الأشياء المهمة التي جلبت انتباهي أن كمال السيد قرر دراسة الفن التشكيلي في معهد الفنون الجميلة، ولم يكن هذا بسهولة فقد جرى "ترسيبه عمداً"، ولهذا ساعده القاص والروائي الراحل عبد الرحمن مجيد الربيعي، الذي كان "يدرّس كمال مادة الرسم، وتعهّد لتقديم شكوى للمتصرف احتجاجا على التزوير، لكن كمال لم يفعل!".

وحثّه "مدرس الموسيقى في الناصرية سالم الشالاتي، وهو يرى انكسار كمال ويأسه على أن يقدم على فرع الموسيقى في المعهد، ما دام يجيد العزف على العود، وهو عضو في فرقة التربية الموسيقية في الناصرية"، وفي النهاية حقق هدفه حيث قُبل هو "والفنان جعفر حسن من بين 126 متقدما وكانوا يريدون في ذلك العام قبول 26 طالب" فحسب. ص1-16

وترك الرسم نهائياً مكرٍّساً حياته كلها للموسيقى، فتعلم كتابة النوتات، وجميل سليم أحسن من يكتب النوتات الموسيقية في العراق كان المعهد يضم "نخبة من الأساتذة المعروفين: منير بشير وجميل بشير وسلمان شكر الذي كان يعزف بالأسلوب التركي، وكانت قراءته للنوطة الموسيقية لا تماثل قراءة وبراعة جميل سليم.. الذي كان يستشهد بالمطربة صديقة الملاّية وإضافاتها للموسيقى العراقية، ويتحدث أيضا عن الغناء الكويتي.. وصوت المطرب عوض دوخي بالإضافة ليوسف دوخي". ص 17

كمال السيد والمخرج المسرحي الراحل إبراهيم جلال:

وكان هناك في المعهد زملاء لكمال السيد الذي انتقل من الناصرية إلى بغداد من أبناء مدينته مثل فائق حسين وحيدر الجاسم وناجي السنجري وكاظم فارس، ورؤيا رؤوف من البصرة وعوني كرّومي وعلي رفيق الذي أخرج مسرحية "القاعدة والاستثناء" لبريخت من تعريق الشاعر طارق ياسين، وتمثيل عوني كرومي وأشرف عليها المخرج الراحل إبراهيم جلال الذي لم يكن مطمئناً في البداية عندما علم أن موسيقى المسرحية ستكون عزفاً على العود من قبل طالب الموسيقى كمال السيد، ولهذا اشترط أن يسمع الموسيقى أولاً، ولكن "بعد العرض صعد إبراهيم جلال إلى المسرح، وقبّلَ كمال السيد وقال له: لم أكن اتصور أنك بهذه البراعة! وتمنّى له المستقبل الجيد". ص 18

ولا بدّ من تسجيل إعجاب المخرج إبراهيم جلال بعزف كمال السيد وأنه في حقيقة الأمر نقطة مهمة في حياة الشاب المتواضع والخجول كمال السيد، فتعرف في المستقبل من خلال علاقته المحدودة بالإذاعة العراقية ببعض المطربين العراقيين مثل ناظم الغزالي ويحيى حمدي ومحمود عبد الحميد السوري الأصل في حين كان لزميله جعفر حسن نشاط أوسع وأكثر من كمال مع الإذاعة العراقية لميله للغناء، لكنه تمكن من تلحين نشيد "شعر الرصافي تقول كلماته: سواد العين يا وطني فداك وقلبي لا يود سوى علاكا. ص 19

لكن هذه القصيدة للشاعر المعلم بطرس البستاني وهي من بحر الوافر 31 بيتاً وقد غناها نوران المعراتي.**

ومع الأسف أن هذا النشيد لم يتم الاحتفاظ به رغم تسجيله في الإذاعة العراقية و"قدم ألحاناً أخرى، لكنها قوبلت بالسخرية من قبل اللجان المختصة بالإجازة من قبل الموسيقيين أيضاً، وقد أثار هذا الموقف الغضب والتحدي في نفس كمال". ص 19

ومع ذلك تخرج وتعين معلماً في مدينة الناصرية التي كان ينشط فيها الفنان الموسيقي طالب القرغولي وعبد الحسين الأنباري وصباح السامرائي وحسين نعمة وأخرين. ولحن أوبريتات: "البائع والمشتري" و"أبو الهيل" و"جنيات الوادي" وأغاني: "تمر بي، هَي ولك يا بلام، قَصّة المودة، وما أبدلك والنبي"، وغيرها. ص 19 ولحن كمال السيد في فترة السبعينات أغنياتٍ كثيرةً، إضافة إلى التي ذكرتها مثل: جنيات الوادي من تأليف الشاعر قيس لفتة مراد وإخراج الفنان المسرحي صالح البدري، وحصد أوبريت "الحمامة" الذي لحنه كوكب حمزة لمحافظة البصرة، الجائزة الثانية.

نعيد ونقول، إن هذه الفترة تميزت بِنتاجات الفنانين والشعراء الملتزمين الواقعيين التقدميين، لكنها في الوقت نفسه شهدت صراعاً سياسياً رغم التعاون أو الاتفاق الرسمي بين الحزبين الكبيرين الشيوعي والبعث من خلال جبهة وطنية تقدمية كما سميت، إلا أنها مع ذلك عكست خلافات اتضحت من خلال النشاطات الثقافية. إذ كان كل حزب يحاول كسب ما يمكن كسبه، فمثلا كان هؤلاء الفنانون يعانون من الإهمال والعجز والضغط فلم تجد كل أعمالهم طريقها للتسجيل، "إذ كانوا في الإذاعة يهملون ألحان كمال السيد ربما ليساريته واعتباره من الشيوعيين". ص 22

كمال السيد ومحمد سعيد الصحّاف، قصة لا تخلو من الطرافة:

كما لحن كمال للمطرب حسين نعمة أغنية "هَي ولك يا بلاّم" وكان قد سبق تسجيلها للإذاعة وتقديمها من قبل طالبات مدارس الناصرية وبصحبة الفنان حسين، وتعرف كمال على الشاعر زامل سعيد فتاح وتعود علاقته به بفضل قصيدة المقّير (المكيّر) ولحّنها للمطرب ياس خضر، الذي كان أصلا مطرباً ريفياً جديداً، وسبق له أن غنّى "الهدَل" و"أبو زرقاء"، يذكر الكاتب أنه عندما قدم أغنية "المكيّر" للجنة الإذاعة قوبلت بالرفض والاستهزاء، من.. وديع خندا (سمير بغدادي) زوج المطربة مائدة نزهت، ومحمود عبد الحميد وجميل قشطة ويحيى حمدي وجميل سليم (مدرّس كمال في المعهد).. الذي استهزأ به وقال هذا لحن سخيف وتافه! مما اضطر كمال لرفض قرار اللجنة، وعدم الاعتراف بوجاهته وصحته، والاحتجاج، والذهاب لمحمد سعيد الصحاف، الذي كان مديرا عاما للإذاعة والتلفزيون، وتقديم شكوى له ضد اللجنة!.. وعندما اشتكى كمال لدى الصحاف، سأله الأخير هل أنت متأكد من نجاح لحنك؟ فأكد له كمال ذلك، فقال له الصحّاف ولكن في حالة فشل الأغنية سنضطر لسجنك، فقال كمال: موافق، بل علّقوني في باب الإذاعة لو فشلت الأغنية!! فاطمئن الصحاف ووافق على تقديم العمل. ويذكر كمال أن من بين من رفض العمل عازف ناي يدعى حكّومي حكمت داود، وهو عازف جيد بمستوى خضر إلياس، وحين فرضت الأغنية عليه بقرار الصحاف ساهم في العزف، ولكن دون رغبة، وحين نجحت الأغنية اعتبرها من أجمل ما عزف فيها، وقبل إنجاز العمل والتسجيل في الإذاعة طلبوا من كمال العودة إلى الناصرية وانتظار سماع الأغنية هناك من الإذاعة، ما دام قد صدر قرار من الصحاف بتسجيلها، ولكن كمال أصرّ على البقاء في بغداد، والتدريب في الإذاعة حتى إنجاز العمل أمامه، بعدها عاد إلى الناصرية". ص 24

وقد أشاد الملحن طالب القرَغولي بها، الذي اعتذر سابقا عن تلحينها لصعوبتها وبدأ يلحن بطريقة كمال نفسها والمطرب ياس خضر ذاته مثل: "أغاني البنفسج" و"عزاز"، وأشاد به واعتبره ملحنا كبيرا". ص 24

وهكذا يسلط الكاتب الضوء على سيرة الكاتب كمال السيد وعائلته وزيجاته وحياته في دمشق وعدن والدنمرك، فهي في النهاية غربة صعبة مهما كانت وفي أي مكان في الدنيا!

يتضمن هذا الكتاب معلوماتٍ دقيقةً جدا عن حياة كمال السيد تستحق القراءة والاطلاع، فقد استمر بتلحين أغانٍ للمطرب فاضل عواد كلمات الشاعر مظفر النواب، وأنوار عبد الوهاب وعارف محسن وصباح السهل وقحطان العطار وغادة سالم وحسين نعمة، الذي غنى له "كون السلف ينشال"، ولحّنَ لحميد منصور "حدائق" و"قالت لي الشموع" للمطرب سعد الحلى. وعند خروجه من العراق سافر إلى عدن، وهناك التقى الفنان حميد البصري وجعفر حسن والمطرب سامي كمال وشوقية وعازف الطبلة حمودي، وأسس فرقة الطريق الغنائية التي قدموا من خلالها الحفلات الموسيقية في دمشق استمر في النشاط الثقافي وأسس فرقة بابل. ص 33

أخيراً، لا بدّ من القول إن بعض النقاد يعتبرون أن الفضل يعود للراحل كمال السيد بتجديد بناء الأغنية العراقية واكتشاف طاقات المطربين الجدد، كما تجسد ذلك في أغاني: "لمكيّر، يا ريحان، كون السلف ينشال، البلاّم" وأخرى.

ما الذي أراد الكاتب داود أمين قوله في كتابه "قمم موسيقية ؟

راودني هذا السؤال قبل البدء بقراءته، والكتاب واضح من عنوانه: "قمم موسيقية.. مغيّبة"، رغم أن هناك من قالَ إنهم غير مغيّبين، "فداود أمين لا يقدم مجرد تراجم لفنانين، وإنما يحاول استعادة ذاكرة جيل كامل من الموسيقى العراقية من أواخر الستينيات حتى انتهاء السبعينيات، حين انتقلت الأغنية العراقية من القوالب التقليدية إلى بناء أكثر تعقيدًا في اللحن والإيقاع والمقدمة الموسيقية والتلوين المقامي"، كما يرى بعض النقاد، وكما يتضح حقّاً من القراءة المتأنية له.

والاختيار ذاته ذو دلالة: الثلاثة لم يكونوا مجرد ملحنين ناجحين، بل كانوا جزءًا فعّالاً من الوسط الثقافي العراقي، ثم وجدوا أنفسهم في غربتنا القسرية المشتركة. وفي مقدمة الكتاب، يقول أمين عنهم أمراً معروفاً لنا نحن المقيمين هنا معهم في هذا "المنفى": "الموسيقيون الثلاثة الذين يتناولهم هذا الكتاب هم أصدقائي، وقريبون جداً مني".

ثم يوضح أن علاقته بطالب غالي وكوكب حمزة تعود إلى مهرجان الشباب العالمي في ألمانيا الديمقراطية عام 1973، وأن الثلاثة اجتمعوا فيما بعد في كوبنهاجن.

فالكتاب يسلط الضوء على نتاجات الموسيقيين الثلاثة وذكرياته عنهم داخل العراق وفي غربتهم القسرية أو "منفاهم" كما يسميها بعضهم.

وقد سبق للصديق داود أمين أن نشر بعض مقالاتِه عن الأغنية العراقية، وبالذات عن دور أصدقائه في تطوير الموسيقى العراقية في مواقع الحوار المتمدن وينابيع العراق والناس قبل نشره كتابه الرائع هذا.

ونقول هنا باختصار شيئاً عن الموهوبين الثلاثة:

1-  كمال السيد: لعب الملحن كمال السيد دوراً مهماً في تطور الأغنية العراقية، جنباً إلى جنب مع الملحنين الآخرين من السابقين ومجايليه، ونقلها من أشكالها الريفية الجنوبية البسيطة الأولى إلى الطابع المديني بحيث غدت مفهومة ليس للعراقيين فحسب، بل وللمستمعين العرب. وأنا أعتقد أن دوره كان يمكن ان يتعاظم ويتعمّق لو توفرت له إمكانيات العمل في مجال التلحين والموسيقى في غربته، التي عانى فيها ما يعانيه أغلب المبدعين العراقيين. وتصفه بعض المصادر بأنه من أهم الذين أسهموا في تشكيل ما يسمى الأغنية العراقية "السبعينية". الحوار المتمدن

"المكيّر" الأغنية المتميزة لكمال السيد:

هناك من يرى أنه إذا أردت أن تستمع إلى عمل واحد لفهم أهمية كمال السيد، فليكن "المكيّر" بصوت ياس خضر وكلمات زامل سعيد فتاح. "لم تكن أهميتها مجرد نجاح جماهيري. الملحن أخذ قصيدة شعرية طويلة ذات طابع سردي، ووضع لها بناءً موسيقيًا يتغير من مقطع إلى آخر، مع انتقالات في الإيقاع والنغم وفواصل للناي. وبذلك خرج من نموذج الأغنية الذي يقوم على تكرار اللحن نفسه في المقاطع" الحوار المتمدن.

وهنا تكمن عبقرية السيد: "لم يتعامل مع القصيدة باعتبارها كلمات تنتظر لحنًا، بل باعتبارها مشهدًا دراميًا ينبغي للموسيقى أن ترويه". ولهذا وصفت دراسة موسيقية هذه الأغنية بأنها من اللبنات الأولى التي أسست للأغنية السبعينية".

والأجمل أن أغنية "المكيّر" لم تكن مجرد أغنية مهمة لكمال السيد، لقد غيّرت مسار ياس خضر نفسه، إذ نقلته من إطار الغناء الريفي إلى فضاء الأغنية العراقية الحديثة، وكشفت إمكانات صوته التي استثمرها ملحنون آخرون بعد ذلك. أنظر: الحوار المتمدن

أعمال أخرى مهمة لكمال السيد:

من الأعمال الأخرى التي ينبغي البحث عنها والاستماع إليها: "يا ريحان" لفاضل عواد، من شعر مظفر النواب، "كون السلف ينشال"، "هي ولك يا بلاّم" "البلاّم" لحسين نعمة، كَصّتْ المودة لأنوار عبد الوهاب، يا غريب الدار، سَلّمِت وإنتَ ما ردّيتْ السلام لقحطان العطار، العِشِك مو بالشكل لصباح السهل، نجمة حبيبي والحدايق (الحدائق) وكَالت (قالت) لي الشموع لحميد منصور، يا أهيف الطول لسعدون جابر.

ومن اللافت أن السيد تعاون مع شعراء مرموقين لهم باع مثل مظفر النواب وزامل سعيد فتاح وعريان السيد خلف وكريم العراقي، وكان يبحث عن النص الشعري المختلف، مبتعداً عن السطحية. وقد تأكد لي صحة هذا الرأي وانا استمع إلى هذه الأغاني مجرد كمتذوق ولستُ متخصصاً في هذا الميدان، أثناء إعداد هذه المادة متذكراً قفزة الأغنية العراقية في السبعينات.

لكن، هل كان كمال السيد حقاً مغيّباً ولماذا؟ قد يمكن اختصار الإجابة على هذا السؤال بالقول: إنه لم يأخذ حقه في الحركة الموسيقية، ولم يقل كلَّ ما لديه! وهو بطبيعته إنسان متواضع ولا يحب الظهور، وعانى من صعوبات كثيرة عمقت عدم استقراره النفسي منذ طفولته، إضافةً إلى كونه "مهّمشاً"، في الخارج لأنه بعيد عن بيئته العراقية والعربية ولم تحتضنه مؤسسة فنية محترفة حقيقية منتجة أو شركة من القطاع الخاص، وهذا هو حال أغلب المبدعين العراقيين الجديين في الداخل وبالذات في الخارج! إنها مشكلة كبيرة تجسد العلاقة بين المثقف والمبدع المنتج والسلطة!

والمؤسف أننا نستمتع بسماع هذه الأغاني العراقية السبعينية ونتذكر زمننا الجميل، لكننا لا نعرف أو لا نتذكر شعراءها ولا ملحنيها، وهنا يكمن دور داود أمين الذي سلط الضوء على بعضها.

2- طالب غالي: موسيقى هجينة خليجية بصرية عربية عراقية:

فصل كامل مكرس لحياة الفنان طالب غالي يقدمه لنا الكاتب داود امين، ولا أروع منه، يبين أنه شخصية متميزة ومختلفة إلى حدّ ما من عدة نواحٍ وأكثر استقراراً، مارسَ الفن هو وزوجته السيدة سلمى عبد الوهاب، وتخرج من دار المعلمين وكوّن عائلةً فنيّة وأدبية، إنه الملحن والمغنّي والشاعر وعازف العود (تعلم العزف على الملحن ياسين الراوي بصري المولد راوي الأصل)***

والحمد لله حالفه الحظ أن "يقيم" في بيئة خليجية أقرب إلى البصرة والعراق ويحقق ما يمكن تحقيقه من ذاته الإبداعية قبل أن يبتعد عنها ويرحل بعيداً نحو الجزر الإسكندنافية الباردة، ولذلك يبدو حضوره في الكتاب أكثر ارتباطًا ببيئته البصرية نفسها.

تأثر منذ نعومة أظفاره بما كان يسمعه بصوت والده من أغاني عبد الوهاب وأم كلثوم، وتعلم العود، وتأثر بحميد البصري، وانخرط في النشاط الفني في البصرة منذ الستينات ومطلع السبعينات ليس بعيداً طبعاً عن توجهاته السياسية اليسارية، بحيث أصبح من الشخصيات الفنية المعروفة في العراق.

ويهتم الكتاب، كما نرى من خلال قراءتنا له ومعرفتنا الشخصية بمؤلفه ونشاطاته الإعلامية والثقافية على مدى أربعة عقود، يهتم بفنون البيئة الشعبية البصرية: الهيوة والنوبان ورقصات الزنوج وتفصيلات فرق الخشابة ومختلف الأجواء الاجتماعية، فالموسيقى عند طالب ليست منفصلة عن مكان نشأته وترعرعه فيه.

الكويت: عندما اضطر الفنان طالب غالي إلى مغادرة العراق، اتجه نحو الكويت، حيث تحققت، فترة مهمة من حياته اتسمت بتعاونه مع الراحل فؤاد سالم في الفترة (1979 -1985) حيث لحّن له نحو 25 أغنية، من أهمها: "غريب على الخليج" لبدر شاكر السياب و"دجلة الخير" لمحمد مهدي الجواهري. أنظر: موقع الناس

تكمن أهمية هذين العملين في كونهما تعكسان تجربة الفنان مع الغربة ومعاناتها، رغم أن الكويت ليست بعيدةً جغرافيا عن البصرة، لكن الإحساس بالغربة لدى العراقي عميق! كلهم هنا في هذا العمل يعانون منها: الشاعر والملحن والمغنّي! وليس هذا بغريب على منتجي الثقافة والفن العراقيين في العقود المنصرمة مع شديد الأسف!

ويقول طالب غالي عن "غريب على الخليج" إنها من أهم أعماله، وإن أبيات السياب كانت تعبر عن حالته وهو في المنفى. أنظر: موقع الناس

وهناك أعمال أخرى لطالب غالي قدمها للعراقيين مثل: "عمي يا بو مركب" و"أم راشد"، لفؤاد سالم. "هلا يا بلاّم"، "هَلي"، "عاد الربيع" لسيتا هاكوبيان، "طاح الندى يا كَصيبة" لمائدة نزهت، و"هَلّه هَلّه يا سمه" لسعدون جابر.

وله أيضًا تجربة في المسرح الغنائي والأوبريت، مثل: "المطرقة" و"العروسة بهية"، ولحّن 12 أغنية للأطفال في مسرحية "ساندريلا" وعُرضت في التلفزيون الكويتي.

والفنان طالب غالي هو الآخر لا تختلف حالته كثيرا عن زميليه الراحلين كمال السيد وكوكب حمزة، من حيث قسوة الأب والطفولة وصعوبة الحياة وشظف العيش والانتقال من الريف (محلة مناوي الباشا) إلى المدينة (البصرة) بالتدريج وصولاً إلى الاغتراب القسري أو "المنفى" الإسكندنافي الأصعب من الناحية النفسية رغم جمال طبيعته في الصيف ورفاهيته.

لكنه كان "سعيد الحظ " من حيث التعلم منذ نعومة أظفاره على ملّاية أعانته كثيرا في تعلم القرآن واللغة العربية بحيث صار يساعد والدته الملّاية في كتابة ما تقرأه في مآتمها، ودرسَ في مدرسة مع زملائه التلاميذ الريفيين الفقراء. ص 41

وصار بمرور الزمن يحضر الحسينيات بنفسه ويسافر إلى كربلاء ويسكن في بيت من "اللِبَن الطيني.. تجوب ساحته بقرة حلوب ومجاميع دجاج) ص42 وزاولَ مختلف الأعمال في العطلات الصيفية، واطلع عن قرب على الواقع العراقي وفنونه الشعبية المختلفة، حيث كانت البصرة تتميز بتنوع ثقافي متسامح لا مثيل له. ص44 "وكان طالب يتابع بشغف حفلات فرق الخشابة.. وفرق (النهامة) في البحر حيث الإيقاعات الهندية.. والزنج، وكانوا يغنون ويشوون السمك على شط العرب.. ويستمع لأغاني المولد والذكر، وزفات الأعراس في الشارع.. وأصوات باعة الخضرة وهم ينادون على بضاعتهم (ياحمرة ياطماطة).. و(ماتت امك يا الأسود) بلحن مرتجل ولكن خاص!.. ويعتقد طالب ان لا تاثير كبير للاهواز وبلاد فارس على الأغنية البصرية.. بل إن تأثير بلدان الخليج وحضرموت وزنجبار والهند أكبر!.. أشبعت ذاكرة طالب بخزين وفير من الألحان " ص46 وعرف رقصات زنوج البصرة المقيمين في صرائف فقيرة في مكان اسمه "الوكيد" ورأى كيف يرقصن النساء وهن يحملن أطفالهن. ص 47 يا لها من صور جميلة تعكس حياة الفنان طالب غالي!

وأصبح طالب غالي أحد أبرز فناني البصرة ومثقفيها: حميد البصري، محمد سعيد الصكار قاسم حول، وأعجب الفنان وديع خنده بألحانه في الإذاعة، لكنها حذفت فيما بعد لأنهم اعتبروها أغانيَ الشيوعيين! انظر: ص 48

محمد سعيد الصحّاف مرة أخرى!

"وكان هناك دافع وطني وفني جميل..لم يفكروا بالمردود المادي..، وكان مدير عام الإذاعة والتلفزيون محمد سعيد الصحاف يحضر هذه التدريبات، ويتابعها بفرح..وجاء لزيارتهم في البصرة، واستضافهم..في بغداد وهيأ لهم قاعة للتمرين.. وخلال ساعة وربع تم تقديم أوبريت (بيادر الخير) في بغداد..". ص 49

بعدها تم تقديم اوبريت "المطرقة" عام 1970 وقال عنه الصحاف " هؤلاء هم فنانو حزب البعث العربي الاشتراكي! فصرخ أحد الحاضرين..هؤلاء جماعة محيسن..فكسر بجملته كلمة الصحاف!.. وتبرع صدام بإيجار نادي الفنون لمدة سنتين دعما للفرقة". ص51

لكن الأمور، ومع الأسف الشديد تغيرت وتحولت من سيء إلى أسوء بسبب انهيار الجبهة الوطنية واضطرار اغلب المثقفين والفنانين العراقيين اليساريين إلى الهروب حفاظاً على أرواحهم. "عاش طالب في الكويت 11 سنة..من أكثر الفترات خصبا في حياته.. قدم أجمل ألحانه للمطرب فؤاد سالم" ص58 ونتاجات أخرى كثيرة.

ويتضح أن القاسم المشترك الآخر لهؤلاء الفنانين الثلاثة: التشرد وعدم الاستقرار باستثناء زميلهم الفنان طالب غالي إلى حدّما، الذي أسعفته الظروف أن يبقى في الكويت أكثر بقليل من عقدٍ من الزمان توفرت له بيئة ثقافية استطاع التعاون مع الفنان الراحل فؤاد سالم واستفاد من بيئة ثقافية متفتحة مع وليد أبو بكر وليلى العثمان وآخرين، لهذا كانت من أفضلها من حيث النتاجات الفنية.

3-  كوكب حمزة: التجديد والمنفى و"اكتشاف النجوم"! التقيتُ شخصياً بالفنان الراحل الكبير كوكب حمزة منذ خمسة عقود في الغربة وتابعته، كان أولها في موسكو وأخرها في الدنمرك، ولم أرَ أي تغير في شخصيته من حيث حماسته للفن الملتزم وشغفه به خدمةً لوطنه العراق وحبه الكبير له، لكن ليس دون الشكوى من الاضطهاد السياسي في بلده، ومعاناته من التهميش حتى في غربته سواء كانت في سوريا أم الدنمرك، ربما كان ذلك هو السبب الأكبر الذي قد يكون شغَله أو أبعَدَه عن الإبداع الفني. وتطرق إلى ذلك داود أمين في كتابه الحالي، حيث يقول: "ويؤكد كوكب أنه محبط في الغربة.. هو لا يتمناها لأحد، كما يؤكد أن هناك حصاراً إعلامياً عليه، فقد طرق الكثير من الأبواب من إذاعات واستوديوهات وكلها كانت موصدةً بوجهه! بل حتى الفنانين العرب أيام النظام السابق، يقول كوكب، إنه بعد حرارة اللقاء الأول معهم، سرعان ما تبرد وتختفي تلك الحرارةّ! ربما بسبب الخوف من نظام صدام! فإذا كان لديَّ عشرون لحناً غير مسجلة..، فكيف أفكر باللحن الواحد والعشرين ولمن أقدمه؟.. كما يؤكد أنه لن يقترب في ألحانه الجديدة من أي شيء سياسي، ولن يشتغل (شتّاماً)، بل سيعمل أغانيَ للحب والجمال والأرض والناس، ولعراق جميل زاهٍ" كما يقول كوكب إنه كان يتمنى أن يغني له المطرب العراقي ياس خضر وكذلك المطرب الكويتي عوض دوخي.. ويؤكد أن حدوده في العراق لا تتعدى كُردستان..بسبب المتربعين الجدد على الوضع السياسي بعد الاحتلال وسقوط صدام". قمم موسيقية مغيبة. ص 94 يختصر هذا الكلام الصعوبات التي يواجهها المبدعون العراقيون في الخارج!

فالفنان الراحل الموهوب كوكب حمزة، ربما الأكثر شهرة بين الثلاثة اليوم، وكان المفترض والمتوقع أن يحصل على فرص تعاون كثيرة مع "المؤسسات" الفنية العربية الخاصة المنتشرة، لكن ذلك لم يحصل حتى أثناء إقامته في سوريا كما حدثني في أحد اللقاءات الشخصية معه، ولهذا عاش تجربة تهميش فني شديدة القسوة، كما ذكرنا أعلاه.

عاش كوكب حمزة مثل زملائه الآخرين طفولةً قاسيةً في مدينة القاسم بعيداً عن مدينة الحلة (بابل)، فهو لا يختلف من هذه الناحية كثيراً عن زميليه السابقين، لكنه عرف كيف يتعامل مع والده المزواج والمشغول دوماً عنه، ولم ترقْ له الدراسة الروتينية المملة، بينما وفّق في دراسة الموسيقى في معهد الفنون الجميلة في بغداد لرغبته الشديدة وشغفه بالفن. واعتقل في 8 شباط 1963 قبل تخرجه من المعهد "هو وزميله سلام الأعظمي.. وعاد إلى المعهد بعد حوالي أربعة أشهر" ص83 وعمل معلماً في مدرسة المربد، وقضى ثماني سنوات في البصرة والتقى بزملاء له من الأوساط الفنية وتعرف على التراث الفني في هذه المدينة المنفتحة على الثقافة. ص 84

كوكب حمزة والفنان العراقي المرحوم أسعد عبد الرزاق (1923-2013)!

ويقول الكاتب داود امين عن انطباعات كوكب حمزة عن تلك الفترة " عندما يحدث الانفتاح تبرز المواهب، وتزدهر الثقافة بكل فروعها، وتتراجع الحساسية والغيرة، كان قسم كبير من المثقفين البعثيين في البصرة، أصدقاء لكوكب، وهم كانوا طيبين! لأن الانفتاح السياسي، انعكس أيضاً على العلاقات الاجتماعية، وعلى المناخ الثقافي في عموم العراق". ص85

وحصل كوكب على فرصة تنسيبه لتدريس الموسيقى في كليات العلوم والهندسة والآداب كمادة إضافية، لكن "تم استدعاؤه لمديرية أمن البصرة..بادره المدير بالقول: لماذا تهدد البعثيين وتمنعهم من تعليق لافتة عن 8 شباط في (نادي الفنون)؟ ص 91

بعدها انتقل كوكب حمزة من البصرة إلى بغداد ليدرّس مادّةَ "التذوق الموسيقي" في اكاديمية الفنون الجميلة، وهنا اصطدم بالفنان الأستاذ أسعد عبد الرزاق، الذي قال (وقد يكون مازحاً لأني أعرف أن الراحل كوكب طيب بتعامله مع الآخرين): (هذا كان هالكني وهو طالب، فكيف به الآن وهو زميلي!؟). ص 92

وهناك نصحه "صديقه المسؤول لمنظمة حزب البعث في الأعظمية بالسفر خارج العراق وساعدَه في الحصول على جواز سفر" ص 93، فقرر كوكب حمزة الرحيل بزمالة دراسية عام 1974 إلى تشيكوسلوفاكيا وموسكو وأذربيجان، ثم انتقل إلى سوريا، وأقام في الدنمرك عام 1989 حتى رحيله الأبدي.

لم يكن هذا الفنان الراحل مستقراً في طفولته بسبب قسوة والده والحياة ووفاة والدته مبكراً بعد فقدها ابنها السياسي عزيز في السجن، ولا في شبابه بسبب المضايقات، ولم تكن الغربة سهلةً عليه، ورغم كل ذلك برز في موجة التجديد التي أخذت الأغنية العراقية بعيدًا عن التقليدية. انظر ص 77

ألحان كوكب حمزة:

يا نجمة، والقنطرة بعيدة، ويا طيور الطايرة، وبساتين البنفسج، ومكاتيب، ومن تمشي، وشوق الحمام، ووين يا المحبوب، ومر بيّه، وهمّه ثلاثة للمدارس يروحون".

من منّا نحن الذين عشنا وتكوّنا في السبعينات لم يُعجب بهذه الأغاني المشهورة، ليس داخل العراق فحسب، بل حتى خارج العراق حيث كانت هذه الأغاني تصدح في مساكن الطلبة في أوروبا والدول العربية ؟

أغنية "يَنجمه" من أهم علامات حياة كوكب حمزة الإبداعية بصوت الفنان العراقي حسين نعمة كونها اتسمت بتركيبها الذي يجمع عدة عناصر فولكلورية عراقية. والأمر ذاته يُقال عن الأغاني الأخرى، حيث كانت منتشرةً كرمز للأغنية العراقية السبعينية التي تخطت حدود الريف العراقي وجمعت بينه والمدن العراقية كلها!

رغم قصر فترة عمله الفني وتعثرها بسبب ظروفه الصعبة وتنقلاته بين البلدان، إلا أن كوكب حمزة استطاع أن يثبت انه لم يكن ملحنًا ذا حسٍّ عالٍ فحسب، بل "مكتشفَ أصوات أيضاً مثل حسين نعمة، رياض أحمد، ستار جبار، سعدون جابر وعلي رشيد، كما قدم أسماء لمنوّر في بداياتها ولحّن لها "دموع إيزيس" من شعر أحمد فؤاد نجم سنة 1997". وأشار له أكثر النقاد الفنيين شهرةً الراحل عادل الهاشمي والملحن محسن فرحان وآخرين.

المنفى! القاسم المشترك الأكبر لهؤلاء المبدعين الثلاثة!

وهنا، تكمن القيمة الإبداعية والفنية الإنسانية لهؤلاء المبدعين الثلاثة، فهم ليسوا مجرد ثلاثة ملحنين عاديين يكتفون بالنصوص السطحية والاستهلاكية، بل إنهم فنانون عراقيون ملتزمون بالفن الواقعي الذي يلامس توجهات مجتمعهم العراقي.

ومن أجمل ما يمكن أن نقرأه لفهم كمال السيد أن أحد النقاد وصف "المكيّر" بأنها أغنية أدخلت تغييرات في الإيقاع والنغم والمقدمة الموسيقية، وأنها أصبحت من اللبنات المؤسسة للأغنية السبعينية.

أما في حالة طالب غالي، فالأكثر دلالة هو حديثه عن "غريب على الخليج"، إذ ربط القصيدة صراحةً بتجربته الشخصية في المنفى، وهذا يحول العمل من مجرد قصيدة ملحنة إلى نوع من السيرة الذاتية الموسيقية. أنظر: موقع الناس

وعند كوكب حمزة، تلخص أعماله في المنفى مثل "وداعًا بابل" معنى الكتاب كله تقريبًا: الوطن الذي غاب، لكنه ظل حاضرًا في الموسيقى.

والثلاثة، مجتمعين، يمثلون ظاهرةً أكبر بكثير من سيرهم الذاتية: لحظة نادرة في تاريخ الأغنية العراقية، حين التقت القصيدة الشعبية العراقية بالمدينة، والفولكلور بالموسيقى الحديثة، والتجربة السياسية بالحب والحنين، ثم حمل المنفيون كل ذلك إلى الخارج. وتؤكد الدراسات الموسيقية عن تلك المرحلة أن كمال السيد وكوكب حمزة وطالب غالي وطالب القرَغولي وغيرهم كانوا جزءًا من تحول بناء الأغنية العراقية من حيث المقدمات الموسيقية والتلوين المقامي والإيقاعي.

وقد لاحظتُ ذلك وأنا ابحث عن مصادر عنهم في الإنترنيت حيث وجدت المديح لهم والجعجعة بلا طِحن، لكنهم بقوا في منفاهم بعيدين عن التكريم المعنوي والمادي الحقيقي في وطنهم، الذي يعني العمل في مؤسساته الفنية وتوظيفهم جنباً إلى جنب مع أخوتهم فناني الداخل بعيداً عن سلطة أحزاب تتاجر بالطوائف!

هذا هو واقع الكثير من الاختصاصيين والمبدعين العراقيين المقيمين في غربتهم القسرية أو منفاهم، الذين بدأوا يرحلون عنا كتساقط أوراق الشجر في الخريف!

***

د. زهير ياسين شليبه

..........

الهوامش:

* داود أمين، كاتب وشاعر وصحفي ومسرحي عراقي، وُلد في البصرة عام 1948 ونشأ وترعرع في الناصرية. عمل في المسرح وحصل على جائزة التمثيل في المنطقة الجنوبية، ومارس العمل الصحفي والإذاعي لعدة سنوات. ماجستير في الإعلام.

غادر بلده العراق متوجها إلى بلدان أخرى بحثاً عن الأمان فوجد ضالّتَه في الدنمرك والتقى بأصدقائه الثلاثة: كمال السيد، وطالب غالي، وكوكب حمزة، وحقق حلمه في إصدار كتابه المكرس لهم: "قمم موسيقية مغيّبة" وله إصدارات كثيرة تصل إلى تسعة كتب.

أصدر: "إضراب ديك" و"اغتراب نخلة"، وأعمالاً للأطفال. أنظر: ينابيع العراق ومنصة ألف ياء.

** أعتقد المقصود هنا قصيدة الشاعر المعلم بطرس البستاني 1819-1883

سوادُ العينِ يا وطني فداكا وقلبي لا يوَدُّ سوى عُلاكا

نشأتُ على هواكَ فتى وفياًّ وما عَودتَني إِلا وفاكا

ورد اسم الملحن ياسين الراوي في كتاب "قمم موسيقية.. مغيبة" فارتأيت أن أقدم هنا ملخصاً بسيرة حياته الفنية من إعداد جريدة "الصباح الجديد":

ولد الملحن ياسين الراوي في مدينة البصرة، جنوب العراق، عام 1936، فرغم أن أصوله تعود إلى مدينة “راوة”. أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدرسة المحمودية، قبل أن يغادر إلى بغداد ليدخل “دار المعلمين” عام 1947، ويتخرج منها عام 1952، متسلحًا بشغف كبير بالموسيقى. في دار المعلمين، درس آلة الأكورديون والعود على يد الموسيقي الراحل أكرم رؤوف، لكنه كان قد أتقن الناي قبل ذلك بطريقة فطرية. شهد عام 1957 بداية انطلاقته المهنية حين التحق بالإذاعة العراقية، حيث وجد نفسه وسط نخبة من المطربين والمطربات الكبار، وقدّم لهم ألحانه التي لاقت صدى واسعًا. كانت أولى تجاربه في التلحين وكتابة الكلمات عام 1958، من خلال أنشودة “يوم الثائرين” التي غناها الفنان عباس جميل. أسّس برنامجًا إذاعيًا شهيرًا بعنوان “ركن المواهب”، قدّم من خلاله أصواتًا عراقية لامعة، مثل فاضل عواد وصلاح عبد الغفور وآخرين، ليكون بوابة عبور للمواهب العراقية نحو الساحة الفنية. أبدع الراوي في ألحان خالدة، منها: ” “ورد الخمايل”، “يالمّاشي لمحبوبي”، “عاتبتك”، “حيرني المحبوب”، “عطاشى”، و”حلوين ويدرون نحبهم”. كما لحّن أكثر من 160 أنشودة وطنية، خصوصًا خلال الحرب العراقية-الإيرانية، عكست مشاعر الانتماء والحماس الوطني. كما غنى من ألحانه “عفيفة إسكندر، داوود العاني إلى جانب أمل خضير، حسين نعمة، محمد عبد المحسن، سعدون جابر، حميد منصور، ياس خضر”،

لحن للفنانة احلام وهبي (لا يگلبي انته لا تعتب عليه)، من كلمات الشاعر البصري علي جلال، وفي السبعينيات انتشرت الحانه الرومانسية، فهو نتاج بيئتين ملهمتين للمبدع الحقيقي، البيئة الأول البصرة الفيحاء، لكونه مولودا بقضاء ابي الخصيب العام 1936م، حيث الأنهار والنخيل والبساتين والاشجار الباسقة وطيبة الناس وبساطتهم وحبهم للحياة، والبيئة الثانية جذوره الممتدة إلى مدينة راوه العريقة، ذات الاجواء الخلابة والطبيعة الفاتنة، الممتدة من النهر إلى سفوح الجبال، وحين يلتقي الغرب الساحر، بالجنوب المليء بالأسرار والحكايات وقصص العشق والدهشة، تحدث المعجزات على مستوى الابداع، وتتحقق الكثير من الاشياء الانسانية الجميلة.

بات يتقبل كل جديد من الملحنين، القادمين من الجنوب والفرات الاوسط، الذين أحدثوا تغييرا عميقا في اللحنية العراقية، على سبيل المثال: طالب القره غولي، كوكب حمزة، محمد جواد اموري، كمال السيد، محسن فرحان، جعفر الخفاف، لكنه يميل إلى ما يروق له من الالحان، ويهمل ما لا يجده مناسبا لذائقة الجمهور الواعي، وعندما نسلط الضوء على جمله الموسيقية نراها مثقفة، وناضجة، وخالية من الشوائب، واغلبها تبتعد عن التعقيد والتزويق اللحني الزائد، فهو ينوع بالأساليب اللحنية والمقامات والأنغام بصورة مستمرة.

انفتحت امامه الآفاق، والطريق صار سالكا نحو العطاء والمنافسة الشريفة، وقتذاك قدم إلى فاضل عواد (اشگر بشامه)، كلمات حسن الخزاعي، وكانت لأنوار عبد الوهاب (عاتبتك)، كلمات غازي ثجيل، وأغنية (وي هله عيوني حبيبي وي هله)، كلمات كريم العراقي، منح الفنان رياض احمد، واحدة من اغانيه المهمة، وهي (احبك ليش ما أدرى)، وتعد من الأغاني الناجحة للشاعر اسعد الغريري. غنى له فؤاد سالم (درب الشوگ)، رائعة علي العضب، و(نسينه يا هوى نسينه)، كتبها زامل سعيد فتاح بحرفية عالية، صدحت حنجرة مائدة نزهت بأنشودة الحب الازلية (مراضيتك)، اجمل ما كتب زهير الدجيلي على لسان المرأة العاشقة، لم يكتم ياس خضر صراخه المدوي، وراء المحبة الذين سافروا خارج الوطن (مسافرين)، مفردات خطها غازي ثجيل بأناقة العارف ماذا يكتب، وما يتطلبه النص الغنائي. المصدر: جريدة الصباح الجديد

الملحن محسن فرحان 1947-2022

أحد اعمدة الملحنين العراقيين خلال مرحلة السبعينات عراقي من مواليد مدينة الكوت.

انتقل هو وعائلته منذ طفولته الى مدينة كربلاء، وقد سارت خطواته الاولى في حب التعليم فدرس اللغة الانكليزية واختص فيها ودرس الموسيقى التي أحبها منذ صباه عرف بألحانه منذ السبعينيات منها "غريبة الروح"، "يكُولون (يقولون) غنّي بفرح"، "ما بيّ أعوفَن هَلي"، "عيني عيني" وغيرها من الألحان. أسس مع فنانين عراقيين آخرين جمعية الملحنين والمؤلفين العراقيين، لُقّب بابن العراق وسلطان الاغنية السبعينية.

نشأ محسن فرحان في بيت يهوى الشعر والأدب والموسيقى وكان لوالده صوت لطيف أثّر فيه كثيراً، وكانت ايضاً لبيئة كربلاء الأثر الواضح في تحريك شعوره وإحساسه وهي تردد قصائد الحزن وعذابات الإنسان ولتنعكس فيما بعد على ألحانه الجميلة وأغنياته. وقد كان للأستاذ لطيف رؤوف المعملجي قائد الفرقة الموسيقية في المحافظة المشجع والمحفز الاول له في اكتشاف الموهبة الفنية وضمّه الى الفرقة، إلا أن طموح الفنان محسن فرحان لم يقتصر على الإنشاد فحسب، بل أكبر من ذلك، فبدأ بتعلم العزف على العود والأوكورديون، وقد ذكر هذا الأمر في مقابلة تلفزيونية له مع الناقد الأدبي الراحل عادل الهاشمي|.

ولم يكتف بذلك، بل أتقن التدوين الموسيقي(النوتة) بمساعدة استاذه لطيف رؤوف المعملجي ودخل معهد الفنون الجميلة.

بدأت شهرته الحقيقية في عام 1972 مع اغنية غريبة الروح للفنان حسين نعمة وكلمات الشاعر جبار الغزي لتكون انطلاقةً لأغنيات كثيرة مثل:

-ما بيّه أعوفَن هلي، كوم انثر الهيل، حضن المحبة، وفارِكونة، خسارة يا زمن، بيّن علي الكبر وغيرها لحسين نعمة

وعيني عيني، لَتصدّك إليحجون، دمعه وكحل، البارحة لسعدون جابر، وآه يا زماني، يكولون غنّي بفرح، لو غيمت دنياي، شَكول عليك، زمان، ويافَي لقحطان العطار، ويا "هوى الهاب" و"تردّون" لحميد منصور

وهلا يا عين وطير الحمام لرضا الخياط، وعشرات الأغاني لصباح السهل، وفؤاد سالم، وسعاد عبد الله، وازهار الصباغ، وانوار عبد الوهاب، كريم حسين وغيرها من الاصوات الرائعة..واغنيتين للفنان حسين نعمة: الاولى بعنوان (الضياع) للشاعر لطيف حسين، والثانية (عندي الليلة هموم هواي) للشاعر سعدون قاسم، وقدم للفنان ياس خضر: اغنيتين أيضاً (سود الليالي) للشاعر زهير الدجيلي و(شفتونه نحبكم) للشاعر عدنان هادي وألبوم غنائي جديد يتضمن أغانيَ لحميد منصور وحسين نعمة.

- في عام 1976 دخل معهد الموسيقى العربية قسم الدراسات الحرة في القاهرة بإشراف عازف القانون (سامي نصير) حتى العام 1978 وخلال هذه الثلاث سنوات توطدت علاقته بكبار الملحنين العرب منهم بليغ حمدي محمد الموجي، هاني مهنى. ولم يقتصر هذا الفنان على تلحين الأغاني بل لحن الكثير من الأوبريتات والقصائد مثل: (هل تسمّين الذي كان غراماً) لبدر شاكر السياب غناها سعدون جابر، وهي ايضاً تايتل لمسلسل بدر شاكر السياب.

وله إنجازات عديدة في العراق مثل:

- اسس جمعية الملحنين والمؤلفين العراقيين أصبح رئيسآ لهذه الجمعية.

- عضو اللجنة الوطنية للموسيقى، وعملّ مستشاراً في وزارة الثقافة.

- أصبح مستشاراً فنياً لاتحاد الموسيقيين العراقيين.

- شارك مع قناة السومرية في برنامج (عراق ستار) لرعاية الأصوات الشابة لإعادة الأمل من جديد للأغنية العراقية إيماناً بطاقاتها. المصدر: مقابلة تلفزيونية أجراها معه الناقد عادل الهاشمي. ومصادر أخرى.3370 kamal

صورة الملحن العراقي

 الراحل كمال السيد (إلى اليسار)

 

في المثقف اليوم