حوار يتجاوز اختلاف الأجيال
حين تكون الرسائل بين ابنة ووالدها، تصبح حوارًا بين جيلين، وبين تجربتين، وبين رؤيتين للحياة.
وفي هذا الكتاب- "الرسائل العشر"، تبدو الرسالة كأنّها جسر ممتدّ بين ابنة تريد أن تفهم العالم، وأب يحمل العالم في ذاكرته وتجربته. وبينهما لغةٌ تحاول أن تُنصت بقدر ما تحاول أن تقول.
أوّل ما يُلفت في كتاب الرسائل هذا، أنّ الرسالة لا تبقى أسيرة وظيفتها الأولى المعهودة، أي التواصل بين شخصين. إنّما تتجاوز ذلك لتصبح شكلًا من أشكال الكتابة والبوح، ومساحةً للتفكير والاعتراف والغضب والتألّم والتوجّع والتأمّل. تمتزج فيها المشاعر بالتجربة الشخصيّة والرؤية العميقة للحياة.
وعندما يتّخذ الكتاب شكل رسائل متبادلة بين ابنة ووالدها، فإنّ هذا البناء السرديّ لا شكّ سيستثير فضول القارئ، نظرًا لحساسيّة الموضوع وما تنطوي عليه المراسلات الشخصيّة، خاصّة بين الآباء والأبناء من خصوصيّة، وما تُتيحه من إمكانيّة للاطّلاع على جوانب حميمة من العلاقة الأسريّة. إلّا أن اللّغة الشعريّة التي صيغت بها هذه الرسائل، حالت دون تحوّل هذا الفضول إلى فعل من أفعال التلصّص. إذ أُعيدت صياغة التجربة الشخصيّة في إطار أدبيّ جماليّ، ينقلها من مستوى الاطّلاع على الحياة الخاصّة، إلى مستوى التأمّل في الحياة عامّة بأبعادها الإنسانيّة والاجتماعيّة والعاطفيّة.
تتجلّى ملامح شخصيّتي الأب المرحوم الأستاذ نبيل عويضة والابنة عُلا عويضة في الرسائل بصورة واضحة. حيث تكشف كلّ شخصيّة عن صفاتها وفكرها ومشاعرها، سواء من خلال حديثها عن نفسها أو من خلال الطريقة التي تنظر بها إلى الطرف الآخر. فكلّ طرف يكشف شيئًا من ذاته وهو يحاور الآخر، وكلّ رسالة تضيء جانبًا من شخصيّة صاحبها. كقول عُلا مثلًا في رسالتها الأولى: "عندما كنتُ طفلةً صغيرةً، كانت تقفز الأسئلة في زوايا فكري وتُشغلني؛ كنتُ أتساءل ولا أسأل، كنتُ أبكي ولا أدمع، كنتُ أتناسى ولا أنسى" (19). فكلماتها هذه تكشف عن شخصيّة تتّسم، منذ طفولتها، بفضول فكريّ ووعي عميق يتجاوز حدود عمرها. وبشخصيّة شديدة الحساسيّة، تنزع إلى التأمّل الداخليّ وقادرة على كبح انفعالاتها وكتمان مشاعرها.
والحقيقة، أنّني خلال قراءتي لكتاب "الرسائل العشر"، شعرت بتأثّر عميق، ذلك لأنّني أعرف مدى حبّ عُلا لوالدها وتعلّقها به، وأدرك جيّدًا المكانة الكبيرة التي يحتلّها في قلبها وحياتها. كان بالنسبة إليها أكثر من أب. كان سندًا وأمانًا، وصديقًا، وقدوةً تستمدّ منه القوّة والحكمة والإلهام. لذلك، لم تكن الرسائل بالنسبة لي مجرّد كلمات مكتوبة، بل كانت انعكاسًا لعلاقة إنسانيّة عميقة مليئة بالمحبّة والاحتواء والثقة والاحترام. شعرتُ وأنا أقرأها أنّني أقترب من جزء حميم من روح عُلا، وألمس من خلال كلماتها مقدار حضور والدها في وجدانها، وكيف ترك أثرًا لا يمحى في شخصيّتها وفِكرها ومسيرتها.
تكشف عُلا في بداية الكتاب عن الدافع لكتابة هذه الرسائل، ألا وهو شعورها المتزايد بزيف العالم من حولها، وما آلت إليه العلاقات الإنسانيّة من افتقادٍ للقيم والمعاني النبيلة. فالصدق في نظرها
أصبح نادرًا، والمحبّة والوفاء والاحترام لم تعد تحكم كثيرًا من العلاقات كما كانت. فضاق بها هذا
العالم بما فيه من تناقضات وابتعاد عن جوهر الإنسان. ومن هذا الضيق، ومن حاجتها إلى ملاذٍ صادق ونقيّ، جاءت رسائلها إلى والدها، وكأنّها عادت إليه بحثًا عن عالم آخر. عالم ما تزال فيه القيم حاضرة، والمحبّة صافية، والكلمة صادقة. وعليه، تبدو هذه الرسائل، في جانب منها، احتجاجًا على زيف الواقع، وفي جانب آخر، تشبثًا بما تبقّى داخلها من قيمٍ إنسانيّة وحنين إلى عالم أكثر صدقًا ونقاءً:
"حين ضاق بي الفضاءُ سكنتُ ذاتي، حين ضاقت بي الكلمات نطقتُ صمتًا، ثمّ نسجتُ صمتي رسائل طرّزتها برحيق السكون ورفعتُها إلى والدي. نسجتُ صمتي كي لا تصدأ الكلمات والأسئلة في فمي، لأعرف أنّي لا أعرف أنّي أعرف حقيقة هذا العالم المشوّه، لتملأ أسئلتي مستنقع الوحل، كي لا تجفّ الدمعة على جدار الصمت وكي لا تتزاحم الأسئلة في طابور الدهشة. نسجتُه لأغضب ولأفرح على فِراش كلماتي، لأشاطر وجعي مع والدي الذي غرس فيَّ قيمًا ومبادئ تشرق في شراييني؛ والدي الذي زرعني عميقًا في هذه الأرض وزرعها فيَّ قلبًا فباتت نبضًا يلحِّن كلماتي. جدّلتُ أسئلتي إليكَ، يا أبي، كي لا تنطفئ الأحلام في عتمة الغياب، كي لا تحترق بساتين الأمل في ظلمة الألم وكي لا تبقى صرختي يتيمةً. كتبتُ إليكَ كي تبقى دمعتي على قيد الأمل". (17) وفي الرسالة الثالثة تقول:
"عرفتُ أصحاب النفوس الصغيرة، المحطَّمة، وأولئك الذين يلوّحون بشعارات يزيّنون بها لسانهم ويعرضون فكرَهم المزيّف؛ يدعون للمحبّة والعنصريّةُ ترفّ فوق رؤوسهم والحقد يسكن بين حروفهم. عرفتُ أولئك الذين يجعلون طيبتك طعامًا لمآربهم ولنواياهم المستترة. وعرفتُ أولئك الذين يسكنون أريج الأزهار ويلوّنون حياتك. وما أقلّ الأريج.. ما أقلّه!! في هذا العالم تضيع بين حِبال النفاق، بين الوجوه الظاهرة والمستترة، بين الألسن التي تدقّ كلمات الثناء ثمّ تدير ظهرها لتطلِق كلمات الهجاء. أنظرُ إلى هذا العالم المحتال فتغرقُ نفسي في أرضٍ خراب، لا يسلكها سوى الحقد، العنصريّة، القتل والدمار. لا تَسَلْني.. لا تَسَلْني، يا أبتِ، عن لون الدمعة في عينيّ، لا تَسَلْني عن الأمل المجفّف في مقلتيَّ؛ لا تَسَلْني عن الحزن السّاكن في أزقّة حنجرتي وعن صوتي الضّائع في ضجيج الصّمت. لا تَسَلْني عنّي، فأنا ضائعة في شرايين الأرض أبحث عن الإنسان وعن الإنسانيّة في هذا العالم!" (35-36).
الشعور بالاغتراب
في رسائلها، نجد عُلا في صراع دائم مع عالم يبدو غريبًا عن العالم الذي نشأت وتربّت فيه، وتشكّل وعيها على قِيَمه ومبادئه. وكلّما حاولت أن تجد لنفسها موطئًا في هذا الواقع، شعرت بأنّ ثمّة مسافة تتّسع بينها وبينه. إذ تشعر بأنّها حاضرة في المكان لكنّها غريبة عن روحه. وبين الناس، لكنّها عاجزة عن الانتماء الحقيقيّ إلى عالمهم. ومن هنا، يتولّد شعورها بالغربة. ليس بوصفه ابتعادًا مكانيًّا عن الآخرين، بل بوصفه اغترابًا داخليًّا عن واقع/مجتمع لم تعد تشعر بالانتماء إلى منظومته الأخلاقيّة والانسانيّة:
"كالعبير خرجت من عباءة حديقتكَ أتنزّه في مسالك البلاد، أتأرجح بنسائم الفرح وأغنّي للحبّ، فتعثّر وجهي بوجوه هذا العالم، تلعثمت لغتي بلغة لا أفهمها وتكسّر صوتي في حضرة عالَمٍ جديد لدغتني أنانيّته! عالم تضربكَ أمواجه، تبتلعك، تشربُ من نورك وتتحلّى بدموعك المالحة. غنّيتُ.. لكنَّ الصمت الْتهم حنجرتي كما يلتهم اللّيل النهار، وغرقت حروفي الممزّقة في خيمة الصمت. سكنني القلقُ؛ ووقف على شرفة قلبي يُطلّ على هذا العالم الغريب، وفي زاوية عيني لؤلؤة تسجد لأغنية صامتة، لأغنيةٍ شُرّدت عند أقدام الأنانيّة والانتهازيّة وتكسّرت في عيون مجتمع أسقط قيَمه ومبادئه وجَرَح اسم الإنسانيّة" (27-28).
"ما به هذا العالم يا أبي؟
ضاع العطاء، قلّ الوفاء، نام الانتماء؛ أصبحت الانتهازيّة سيّدة العلاقات ودخلت المحبّة في سبات! المبادئ تتجوّل على ألسنة الناس فقط، الأخلاق صدئت على شاطئ الخجل المهجور، حتى الأمل لم يعد يعرف كيف يرتّب حروفه. وها أنا، أحمل قيمًا ومبادئ أصارع بها هذا العالم الغريب..." (29).
وتسأل والدها: "وأنتَ يا أبي.. هل تشتاق للماضي؟ لساحات النضال، لبساطة الناس وصدقها؟ هل سألتَ نفسَك عن نفسِكَ؟ هل اطمأننتَ عن ذاتك مرّةً؟ أم تسيرُ كجذور الأشجار في تعاريج الحياة؟! كيف تلوّنُ أيّامك؟ كيف تربّي أحلامكَ؟ كيف ترى بلادي؟ كيف تراكَ؟ أخبرني!" (78).
في رسائلها، تطرح عُلا على والدها أسئلة عميقة فلسفيّة وجوديّة تحمل في طيّاتها كما يقول الأب "أبعادًا لا يمكن القبض عليها بسهولة، فهي نوافذ مفتوحة على عوالم من التأمّلات. هي أسئلة تلامس الروح وتُثير الخيال، تتسلّل عبر الذاكرة والمشاعر لتفتح أبوابًا لأفكار تتجاوز حدود المألوف" (81). كما يظهر في هذا المقطع مثلًا:
"هل تعرف ذلك الشعور يا أبي، الشعور الصامت الذي يسير في شرايينكَ، يخطفُكَ من حاضرِكَ يُشعل فكرَكَ ويُشغِل دموعَكَ؟! هل تعرف هذا الشعور الذي يسرق وقتكَ وصوتكَ وحضوركَ؟ ذلك الشعور الذي يتجوّل بكَ بين أحياء عقلكَ، يجلس معك عند ضفاف لحنٍ حزينٍ تغسلُ به ذكرياتِكَ التائهة، ويسير معك في أزقّة قلبكَ، يقفز مع تنهّداتكَ المتعَبة وهي تعزف كلماتك نبضًا كسولًا على أدراج جسدِكَ. ذلك الشعور الذي يوقظ فيك أسئلةً يتيمةً، يبحث في سبب وجودكَ، قيمتك ومكانتكَ. الشعور الذي يصرخ بكَ حين تنام، يدغدغ كلّ الأحلام القديمة المطويّة، ويتمدّد في شرايينكَ. الشعور بأنّك تشتعلُ، تذوبُ، تشتعل، تذوب حتى تنطفئ وحدَكَ دون رفيق، فتحملك الريح على ظهرها وترحل معكَ إلى قصيدةٍ جديدةٍ. هل تعرف ذلك الشعور الذي يُفرغك من أناكَ فتبحث عن ذاتكَ، عن وجودِكَ، عن محيطِكَ، وحيدًا في عتمة الحضور؟! شعورٌ يُشعل رائحة الحقيقة في ظلّ عالم أكله النفاق؛ يحاوركَ، يصطاد أحزانك من مستنقع الحياة، يرفع في وجهكَ وجوهًا قد شاهَتْ وأيّامًا قد شاخَتْ في حضن الزمن!" (63-64).
أزمة القِيَم
يتشارك الأب والابنة إحساسًا عميقًا بالألم إزاء واقع اجتماعيّ مُثقل بالأزمات والاختلالات والتشوّهات. حيث تتداخل الأنانيّة والانتهازيّة والجهل، مع مظاهر النفاق والتمييز والعنصريّة. وتصبح المصالح الشخصيّة، في كثير من الأحيان، محرّكًا أساسيًّا للسلوك الفرديّ والجماعيّ. وفي ظلّ هذا الواقع، يبدو العالم، بالنسبة لكليهما، وكأنّه يسير وِفق منظومة قِيَمٍ مقلوبة، اختلّت فيها المعايير الأخلاقيّة وتبدّلت الحدود الفاصلة بين المقبول والمرفوض، وبين الصواب والخطأ.
فعُلا، كانت طفلةً تحلم بالفرح والحياة، وتتطلّع إلى عالمٍ تسوده المحبّة والصدق وتَحْضرُ فيه القيم. لكنّ الحياة خذلتها، فاصطدمت بواقعٍ لم يشبه أحلام طفولتها، واكتشفت أنّ العالم الذي تمنّته ليس هو العالم الذي وجدت نفسها فيه. فتحوّلت هذه الطفلة الحسّاسة المرهفة إلى إنسانة مسكونة بالحزن والألم، إلى حدّ أصبحا جزءًا أساسيًا من تكوينها النفسيّ والوجدانيّ، وتحوّلا تدريجيًا إلى حالة مستمرّة تتداخل مع نظرتها إلى ذاتها وإلى العالم المحيط بها. وكلّما انكشفت أكثر على تناقضات العلاقات الإنسانيّة، وكلّما شهدت مأساة شعبها تتعمّق، أخذ هذا الشعور بالحزن والألم يتّسع داخلها، ويُضعف قدرتها على استشراف الأمل.
تقول: "حلمتُ بطفل يضحكُ في وجهي، بوطن ينفض جروحه وبقمرٍ يتكلّل بأشعّة الشمس. أحلامٌ كبرت معي، ثمّ مدّت جناحيها وهاجرت مثل الطيور، ثمّ عادت.. عادت بعد شتاء، عادت في كَفَنٍ، عادت تلفّني، تثير رائحة الطفولة البريئة وتجلد صمتي بغضب.. تُمسكُ الوجع من يده وتربطه بي. عادت دمعةً تُطفئ نارها في عينيّ، ورموشي تسرّح شعرها المنسدل على وجه الموت". "لماذا يا أبي؟ لماذا نحلم صغارًا؟ أكي نبكي كبارًا؟!! لماذا تتكسّر أمنياتنا في حناجر الزمن؟! لماذا تسقطُ أحلامنا في عيون الموت؟!" (20)
حتى أنّها، في بعض المواضع، تبدو محبطةً إلى حدٍّ يكاد اليأس يطوّقها، وكأنّها فقدت قدرتها على رؤية مخرجٍ من واقعها:
"بتُّ أحلم بأن لا أحلم، كي لا تنكسر فرحتي ولا تبكي أمنياتي. بتُّ أتجوّل بين عتبات السنين، أدرّب ذاكرتي على النسيان، أدرّب الفرح على الحزن، أدرّب وجهي على قبول بسمةٍ مبلّلة. بتُّ أدرّب نفسي على الصمت والوِحدة […] يا أبتِ، إنّي أرى الحلم يكبر والأمنيات تحت خيمة الموت، وأرى الموتَ يراقص الحياة، أرى النهايات تعانق البدايات. أرى الحلم يخلع ثيابه ويغرق في بحر الألم" (20-21).
ومن هذا المنطلق، تتّخذ رغبة عُلا في العودة إلى الطفولة دلالة نفسيّة ورمزيّة واضحة. فهي لا تعبّر بالضرورة عن حنين إلى مرحلة عمريّة بعينها، بقدر ما تعكس حنينًا إلى زمن أو مرحلة اتّسمت بالبساطة والبراءة والصدق:
"ليت الزمان نسيني كما نسِيَ الزهر عطره في زجاجة الذكريات؛ ليته نسيني فبقيتُ طفلةً تركض وراء فراشةٍ ملوّنة، وراء رحيق مُحلّقٍ أو ريشة عصفورٍ تائهة". "لا أدري لماذا عشّشت طيور الحزن في عيوني وتعطّرت بدموعي" (64-65).
صوت الأب
وفي مقابل هذا الانكسار، يأتي صوت الأب- الأستاذ نبيل عويضة محمَّلًا بالتفاؤل والأمل. فيتحوّل الأب في رسائل عُلا إلى صوتٍ مضادّ لليأس، يذكّرها بأنّ الاستسلام للواقع ليس قدرًا، وأن الأمل لا يكون مجرّد انتظار، بل إرادةً وعملًا.
يظهر الأب في رسائله بوصفه شخصيّة متّزنة وواعية. تتّسم بالحكمة والتفاؤل والقدرة على احتواء ابنته. فنراه يستمع إلى شكواها ولا يستخفّ بمشاعرها، بل يتمكّن من فهم دوافعها ومخاوفها ومصادر ألمها. فهو يدرك أن حزنها ليس حالة عابرة، وإنّما هو نتاج تراكم من التجارب والخيبات والانكشاف على واقع اجتماعيّ وإنسانيّ مضطرب. ولذلك، يتعامل معها بقدر كبير من المحبّة والاحتواء والتعاطف والتفهّم:
"ولكِ، يا ابنتي، لكِ قلبي درعًا يحمي أحلامكِ ويقي قلبك الصغير من طوفان الحزن الذي قد يداهمك، وبيتًا من الأمان وسط زمان غادر" (94). "أذكر يا ابنتي.. أذكر ما كتبتِه عن هذا العالم الغريب. وأعلم أنّك غريبة.. غريبةٌ كنجمة تلمع في أوج النّهار وفي عين الشّمس، غريبةٌ كليلٍ عميقٍ يُنير بسكونه عيون النّجوم، غريبةٌ كصوتي الذي يزهر في صمتك" (75).
وتكتسب هذه العلاقة أهميّة خاصّة لأنّ الأب نفسه عاش تجارب قاسية وشهد تحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة عميقة، الأمر الذي جعله أكثر قدرة على فهم شعور ابنته هذا في عالم لم يعد قادرًا على منحها الأمان أو الثقة. وبينما ترى عُلا في الحياة مصدرًا متواصلًا للخيبة واليأس، يحاول الأب الأستاذ نبيل عويضة، من موقع خبرته الطويلة، أن يستوعب هذا الألم وأن يخرج بها من دائرة اليأس، مؤكّدًا أنّ المشكلات لا تستعصي على الإنسان إذا امتلك الإرادة وسعى إلى الحلّ: "فنحن وحدنا مَن نخطّ مسارنا، بثقة وإرادةٍ لا تنكسر، نحو غدٍ نصنعه بأيدينا" (31).
تحتلّ المحبّة والإنسانيّة موقعًا مركزيًا في خطاب الأستاذ نبيل، إذ لا تردان في رسائله بوصفهما مجرّد قيمتَين أخلاقيّتين، وإنّما تتشكّلان باعتبارهما جوهر رؤيته للحياة والإنسان. وقد حرص على غرس هاتَين القيمتَين في ابنته، حتى غدتا جزءًا من منظومتها الوجدانيّة والأخلاقيّة، وهو ما يتجلّى في دعوته المتكرّرة لها إلى التمسّك بهما بوصفهما قيمتَين لا ينبغي أن تنال منهما قسوة التجربة: "إنَّ هذا الحزن الذي تشعرين به، يا ابنتي، دليلٌ على نقاء روحكِ وعظمة قلبك. إنّ الألم الذي يسكنك دليلٌ أنّك لم تفقدي البوصلة وأنّك ما زلت تؤمنين بأنّ الإنسان قادرٌ على أن يكون أفضل. لا تدعي قسوة العالم تُطفئ نورك، بل كوني ورفاقك بذوره. اجعلي من محبّتك شعلةً تهدي التائهين ومن إنسانيّتك وطنًا يحتضن المتعبين. اجعلي من المحبّة رسالةً، ومن الخير ميراثًا، ومن الإنسانيّة وطنًا" (41). "الإنسانيّة، يا ابنتي، حالةٌ من السّمو، شعلةٌ متّقدة تنير دروبنا نحو الآخر. هي أن ترى في ألم الآخر امتدادًا لألمك، وأن تجد في حاجته دعوةً للعطاء. الإنسانيّة هي المحبّة" (40).
التضادّ بوصفه آليّة للكشف عن خبرة الأب وتراكم تجربته الحياتيّة
وممّا يُلاحظ في رسائل الأب، ولا بدّ من الإشارة إليه، أنّ تجربته وتراكم خبرته الحياتيّة تتجلّى في بعض المواضع من خلال توظيف بنية التضادّ. هذا التوظيف الذي يكشف عن وعيٍ تشكّل عبر معايشتة ثنائيّات متقابلة في الحياة جعلته يظهر بوصفه ذاتًا عارفة بتعقيدات التجربة الإنسانيّة. فهو لا يستحضر الفرح بمعزل عن الألم، ولا الإخلاص بمعزل عن الخيانة والغدر ولا الحبّ بمعزل عن الكراهية: "لو لم تجمع الحياة الألم والفرح، لما تعرّفنا على معنى الفرح ولا أدركنا عمق الألم. لو لم تجمع الحياة الإخلاص والخيانة، لما تعرّفنا على جوهر الإخلاص ولا فهمنا معاني الخيانة وآلامها. لو لم تجمع الحياة الحبّ والكراهية، لما تعرّفنا على قيمة الحبّ ولا تجلّت لنا مساوئ الكراهية" (33). وبناءً على ذلك، يغدو التضادّ في رسائله أكثر من مجرّد تقنيّة أسلوبيّة، وإنّما يتحوّل إلى بنية دلاليّة تعبّر عن حصيلة تجربة إنسانيّة طويلة خبرت وجهَي الحياة، وأسهمت في تشكيل وعيه بها وبذاته وبالآخرين. وفي هذا السياق، تشكّل رسائل الأب نبيل عويضة إلى ابنته علا، فضاءً للخبرة المتوارثة من جيل إلى آخر، بهدف تهيئتها لمواجهة الحياة بكلّ تناقضاتها، وإلى تحويل تجربته إلى معرفة تساعدها على فَهْم الحياة دون أن تفقد إيمانها بها.
بالإضافة إلى هذا، يلاحظ القارئ وبوضوح، إصرار الأب في رسائله، وحرصه المتواصل على ترسيخ نزعة التفاؤل لدى ابنته، في كلّ فرصة تُتاح له. وكأنّ هذا الإصرار يكشف عن حاجة الأب إلى طمأنتها وحمايتها من مشاعر اليأس والانكسار. وهو نابع في جوهره، من خوفه عليها وقلقه العميق بشأن قدرتها على مواجهة قسوة العالم وتقلّباته. فنراه يدعوها باستمرار إلى التمسّك بالمحبّة والإنسانيّة والأمل، ويُؤكّد لها أنّ الخير لا يزال حاضرًا في العالم، وأنّ الحياة لا تزال جديرة بالحبّ والعيش: "ما أجمل هذا الأمل والتحدّي اللّذان يحلّقان في سماء فكركِ! إنّ الأمل هو الجسر الذي نعبر به إلى عالمٍ أوسعَ وأرحب. أمّا الألم فهو فرصة للوصول إلى أعماق ذواتنا لننطلق بقوّةٍ كالأشجار، لا ننكسر أو نلين. في هذا الصمود الصامت قوّةٌ وثباتٌ وحضور لا تهدمه العواصف" (74). "احلمي، يا ابنتي، وناضلي.. فبالنضال تُشرق الأحلام وتمطر" (25).
أثر كلمات الأب في الابنة
ولا شكّ في أنّ كلمات الأب لا تمرّ على الابنة مرورًا عابرًا، بل تلقى صداها العميق في نفسها وتترك أثرًا واضحًا في وجدانها. إذ تتحوّل عباراته التشجيعيّة إلى مصدر للدعم النفسيّ، وتمنحها دفعة من الأمل والثقة وتعزّز قدرتها على الصمود. غير أنّ هذا الأثر الإيجابيّ لكلمات الأب لا يلبث أن يصطدم بثقل الواقع وهو يلقي بظلاله على الابنة، فتتراجع عزيمتها وتنحسر تدريجيًّا قدرتها على التشبّث بالأمل. الأمر الذي من شأنه أن يكشف عن التوتّر القائم بين كلام الأب المفعم بالأمل، وقسوة الواقع الذي تعجز الابنة عن تجاهله أو تجاوزه. فالوضع المأساويّ الذي يعيشه مجتمعها وأبناء شعبها يعود في كلّ مرّة ليفرض نفسه عليها، ويُعيد إليها مشاعر الحزن والألم والغضب:
"وبلادي يا أبي.. بلادي! في بلادي صورٌ معتّقةٌ تتجدّد في عين التاريخ، في بلادي صمتٌ يتمزّق صراخًا ودمع يحترق ألمًا، في بلادي حياة يلفّها الموت […] في بلادي تكبر جثثُ الأحلام البريئة وعناقيد الابتسامات الحزينة، في بلادي أطفالٌ ينسجون الحياة في دفاتر الموت!" (43).
وهكذا، تبدو علا معلّقةً بين صوت الأب الذي يدعوها إلى الأمل والعمل، وواقعٍ قاسٍ يهدّد، باستمرار، قدرتها على التمسّك بهذا الأمل. فتطلق صرختها: "أين العالم من كلّ ذلك؟! أين؟!! العالم يتفرّج على مسلسل الاحتلال الذي لا ينتهي.." (50). صرختها تطلقها بغضب وحرقة وألم عميق. تحتجّ وتتساءل: كيف يُمكن لعالمٍ عربيّ أن يرى كلّ ما يحدث للشعب الفلسطينيّ، ثم يكتفي بالصمت وكأنّ الأمر لا يعنيه؟ عالمٌ يرفع شعارات الكرامة والعروبة، لكنّه يتراجع حين تُختبر هذه الشعارات أمام المأساة الحقيقيّة. عالمٌ انتهازيّ تحكمه المصالح على حساب الكرامة والإنسانيّة. صرختها لا تُعبّر عن مجرّد خيبة أمل، بل عن صدمة وغضب واحتجاج ووجع وهي ترى من يُفترض أن يكون سندًا، يتوارى خلف الصمت والمواقف الباردة.
ومَن يعرف عُلا، لن يمرّ على صرختها هذه مرّ الكرام. فهي ليست صرخة غضب فقط، بل صرخة تكشف عن مقدار حبّها لوطنها ووجعها عليه. وهي إعلان أنّ ما بداخلها من ألم قد تجاوز قدرة صمتها على الاحتمال. فعُلا بطبيعتها هادئة، قليلة الكلام، لا تبوح بسهولة بما يعتمل داخلها، وغالبًا ما تختار الصمت حتى في اللّحظات التي يكون فيها الكلام أسهل من الصمت. لذلك، عندما تصل إلى مرحلة الصراخ، فهذا يعني أنّ شيئًا داخلها قد تراكم طويلًا ولم يعد الصمت يتّسع لكلّ هذا الوجع حتى بلغ نقطة الانفجار.
أمّا والدها، فلم يحاول إسكات صرختها، ولا التقليل من حدّة غضبها وألمها. بل بدا مدركًا لحاجتها إلى من يتفهّم وجعها ويمنح مشاعرها شرعيّة التعبير عنها. وعليه، فقد حرص على مواصلة حضوره بوصفه مصدرًا للأمان والدعم، وسعى إلى أن يظلّ النور في قلب ابنته، وأن يمنحها القدرة على مواجهة قسوة الواقع واستعادة شيء من الأمل، محذّرًا إيّاها من أن تسمح للألم أن يهزمها. فالوطن لا يحتاج منّا إلى اليأس، بل إلى أن نبقى واقفين، أوفياء له، مهما اشتدّت المحن. وإن خانه بعض أبنائه، فذلك لا يجعله أقلّ استحقاقًا للحبّ، بل يجعله أكثر حاجة إلى أبنائه الصادقين:
"ليس هنالك وقت للنحيب على جراح الوطن؛ فجراح الوطن باقية ما دام في وطننا حياة جريحة وأرض محتلّة وبيوت تنتظر عودة أصحابها" (83). "البلاد الجريحة يا ابنتي، لا تنزف دمًا، بل تفيض بالحبّ والحياة رغم الجراح، وإذا أغمضنا أعيننا عنها لن تفيض حبًّا وحياة بل كآبة وموتًا. البلاد الجريحة لا تداوي جراحها بنفسها، أهلها فقط يعرفون كيف تداوى جراحها" (53). "سيأتي يوم أفضل، وأنا أؤمن بذلك. ربما لا نراه قريبًا، وربما يطول الطريق، لكن علينا أن نُبقي قلوبنا مستعدة لذلك اليوم".
فالأب، الأستاذ نبيل عويضة، عاش تجربة النكبة وما رافقها من أحداث جسيمة تمثّلت في الدمار، والتهجير، والتشريد، والقتل، وما نتج عنها من آثار عميقة على الأفراد والمجتمع، ولا سيّما على الأطفال الذين حُرموا من طفولتهم الطبيعيّة بفعل ظروف العنف والاقتلاع وعدم الاستقرار. وعلى الرغم من قسوة التجربة وما خلّفته من آثار نفسيّة مؤلمة، فإنّ الأستاذ نبيل قد حافظ على قدر كبير من التفاؤل والإيمان بعودة الوطن، وبأنّ الإنسان يستطيع أن ينهض من بين الركام، وأن الأمل، مهما أثقلته الجراح، يبقى أقوى من اليأس:
"هكذا نمت فينا بذرة الأمل؛ نور يمتدّ من أعماق كوارثنا. إنّ جدار الأشجار لا يموت حين يحترق الشجر، ولا يذبل الأمل في قلوبنا. الأمل صار حلمًا وهدفًا، تغذّيه الحياة وتسقيه ينابيع الوطن. فالحزن إذا تحوّل إلى قوّةٍ، لا يُقهر؛ والألم الذي يولد من الظلم والأحزان، يولّد فينا قوّة البقاء" (60-61). "لا أستطيع أن أحلم أنّ بلادي جريحة تئنّ تحت وطأة الألم وتبكي مصيرها، بل أراها في حلمي أقوى وأفضل البلاد".
وبعبارات يتبدّى فيها انفعالها بوضوح، حتى نكاد نلمح الدموع تترقرق في عينيها، ونستشعر رجفة قلبها، تقول عُلا: "وأنا أحبّ بلادي.. أحبّ وطني كما هو، بجراحه التي تلحّن نشيد البقاء، بصمته الذي يشعل ضجيج قلبي، برحيقه الذي يعطّر أيّامنا ويطهّر جراحنا وذكرياتنا!" (55-56)
ولعلّ أجمل ما في كلمات عُلا هو صدقها. فهي تخرج صافيةً من القلب، محمّلةً بوجعها وحبّها وانتمائها. حتى أنّ القارئ لا يشعر بوجود مسافةٍ بين عُلا وما تكتب. ولا يشعر أيضًا بأنّها تكتب لتؤثّر فيه، أو لتصنع لنفسها صورةً معيّنة. فلا قناع ترتديه، ولا شخصيةً تصطنعها على الورق. ما تقوله ليس سوى امتداد حقيقيّ لما هي عليه: إنسانة تحبّ بصدق، وتتألّم بصدق، وتغضب بصدق. فيشعر القارئ بحزنها وبوجعها وهو يتسلّل بين السطور، وبذلك الحبّ الصادق للوطن الذي يفيض من كلّ عبارة. ولهذا تحديدًا يثق بها، يصدّق صرختها، ويتعاطف مع وجعها، ويطمئنّ إلى حبّها حين تتحدّث عن الوطن:
"أنا أحبّ وطني كما تحبّ مآقي العشّاق ماءها، كما يحبّ الجسد الروح، وكما يحبّ البرقوق جلده. فالوطن هو المكان الذي تجلس في زواياه فيمسح حزنك، يلحّن صمتك، يشعل الأمل في عينيك ويعطّر أحلامك برائحة ليله. في أزقّته تتصافح القلوب، في تجاعيد صوته تسير أغنياتنا وفي كبده تشتعل حرارة النضال" (57).
تتّسم علاقة عُلا بوالدها الأستاذ نبيل عويضة بعمق استثنائيّ من المحبّة والثقة، إلى درجة يتجاوز فيها الأب بالنسبة إليها حدود العلاقة الأسريّة التقليديّة، ليصبح رمزًا للأمان والانتماء والاستقرار. فثقتها العميقة به، وما تختزنه تجاهه من محبّة عميقة، تجعل حضوره مرتبطًا في وعيها بمفهوم الوطن ذاته. وفي ظلّ عالم فقدت فيه كثيرًا من مقوّمات الأمان والثقة، يغدو الأب بالنسبة إليها آخر مساحة ثابتة يُمكن الاحتماء بها والوثوق بوجودها:
"أريد يا أبي، أريد أن أخبّئ قلبي في قلبكَ ليكبر هناكَ في حدائق الأمل، لأقيه من غبار الألم ورائحة التعب، لأبني عشّ فرح على أغصان قلبك، وليخضرّ ظلّي في ظلّكَ الأخضر" (91).
"أراكَ والوطن لا تنفصلان، لأنّه أنتَ، فنحن.. نحن الوطن؛ لأنّ الوطن عريننا حين نحيا وحين نموت. أراكَ تغسل جرحه الكبير بأسماء الشهداء، تقف على فوّهة زهرة وتنشر رائحة الوطن على ظهر غيمة تبكي فينا. أرى نشيد الوطن يصفّق في عينيكَ وأراكَ في الوطن نشيدًا ينمو في حنجرة الشمس. أراكَ تزرعُ معاني الانتماء والوطن في سماء عقولنا. أراكَ تزرعُ المحبّة والعطاء في صحراء قلوبنا. هكذا أراكَ.." (79).
من هنا، يمكن فهم مساواتها الرمزيّة بين الأب والوطن. فكما يمثّل الوطن للإنسان الجذور والهويّة والذاكرة والانتماء، يمثّل الأب لعُلا هذه المعاني مجتمعة. إنه يحمل ذاكرتها، ويمنحها الإحساس بالاستمراريّة، ويشكّل نقطة ارتكاز في عالم مضطرب لم تعد تثق بكثير من قِيَمه وأفراده. ولذلك، فإن قولها أو شعورها بأن الأب هو الوطن لا يأتي بوصفه تعبيرًا عاطفيًّا فحسب، وإنّما يكشف عن علاقة رمزية عميقة، أصبح فيها الوطن شخصًا، وتجسدت فيه صورة الأب باعتباره الحامي للذاكرة والهويّة ومصدر الأمان الأخير.
ويكتسب هذا المعنى دلالة أعمق إذا ما أخذنا في الاعتبار تجربة الأب نفسه. فهو الذي عاش النكبة وشهد فقدان المكان والتشريد والاقتلاع، ومع ذلك ظلّ متمسّكًا بالأمل. وهكذا يصبح الأب في وعي ابنته تجسيدًا حيًّا لوطن لم تستطع الظروف أن تنتزعه منها. وطن تختصره في شخص تحبّه، وتثق به، وتشعر معه بأنّها ما تزال تنتمي إلى شيء ثابت وسط عالم تتداعى فيه الثوابت: "إنّي أراكَ، يا أبي، تسير في فم الشمس تصهر الآلام والأحزان وتبني أحلامًا جديدة. أراكَ تحكي للّيل حكايةً حتى ينامَ فيخلع لونَه الأسود. أراكَ تغسل البحر من العَرَق، تجفّفه بندى طازج وتعطّره بنور. أراكَ تهمس للأزهار عن سرّ الحياة. أراكَ يا أبي، صوتًا واحدًا لا يتغيّر، فكرًا نيّرًا لا ينطفئ" (78).
اللّغة
مَن يقرأ كتاب "الرسائل العشر" ستُسحره لغة عُلا القريبة جدًا من لغة الشعر. لغةٌ تتجاوز مجرّد التعبير عن المشاعر لتصنع منها صورًا وإيقاعات نابضة بالحسّ والجمال. ففي رسائل عُلا، بصفة خاصّة، تكاد الكلمات أن تتحوّل إلى قصيدة بما تحمله من رهافة وصدق وعمق وجدانيّ. وكيف لا تكون كذلك، وعُلا شاعرة، والشعر يسكن لغتها وروحها وطريقتها في النظر إلى الأشياء؟ لقد بدا لي أن الشاعرة في عُلا لم تغادرها وهي تكتب رسائلها، فحَضَرت في انتقاء الكلمات وإيقاعها، وفي كثافة الصور: "الوجع يكبر بهدوء حتى يوقظ فيكَ كلّ الحواري الهادئة. يجلس في حلق الصراخ القابع في جيوب حنجرتكَ، يدغدغ الذكريات الدامعة والأمنيات الضائعة والخجل المنسكب على وجنتيكَ. وجعٌ أوسع من المدى وأحدّ من الصمت. فتنزف دواخلُكَ ثمّ تلتئم بالوجع. فيصير الوجع مسكنًا تغفو فيه أحلامك وأمنياتكَ وأنتَ.. أنتَ بكلّ ما فيكَ، تستحمّ بدموعه وتتدفّأ على نيرانه" (70). وأمثلة أخرى كثيرة...
كذلك، يُلاحَظ في الرسائل، ولا سيّما رسائل عُلا، تكرار ألفاظ دالّة على الحزن والألم والوجع والغضب والدموع والقلق والضياع، بما يجعل هذه الألفاظ تتّخذ طابعًا دلاليًّا متكرّرًا، فتغدو موتيفًا Motif)) بارزًا في نسيج الرسائل، يُسهم في الكشف عن الحالة النفسيّة لعُلا وتجسيد ثقل تجربتها الشعوريّة. وفي الوقت ذاته، لا يأتي هذا الموتيف منفصلًا عن خطاب المحبّة والإنسانيّة الذي يوجّهه الأب إلى ابنته. فالتجاور بين الألم والمحبّة يكشف عن رؤية إنسانيّة تتأسّس على تحويل المعاناة إلى وعي، والتجربة القاسية إلى حكمة.
الرسالة اليتيمة
وتأتي "الرسالة اليتيمة" مختلفة في نبرتها عن سائر الرسائل، إذ تبدو مشبعة بالألم والدمع والأسى، وتحمل في طيّاتها ثقل الفقد واستحالة استعادة الأب. وتكتسب كلمة "بكرا" دلالة استثنائيّة في هذا السياق، كونها آخر ما نطق به الأب قبل وفاته، حين سألته ابنته عمّا إذا كان قد كتب لها شيئًا. ومن ثمّ، لا تبدو هذه الكلمة مجرّد إجابة عابرة، وإنّما تتحوّل، بعد رحيله، إلى علامة لغويّة تختزن لحظة الوداع المؤجّل، وتختصر المسافة بين انتظار الابنة للرسالة وغياب الأب الذي لن يعود. ولعلّ هذا ما يفسّر العمق الاستثنائيّ للحزن الذي يستقرّ داخلها. فالفقد هنا لا يتمثّل في غياب الأب فحسب، وإنّما في غياب ما كانت تنتظره منه من كلمات أخيرة.
في هذه الرسالة، تتجلّى وطأة الفقد في خطاب الابنة من خلال نبرة غارقة في الحزن والوجع إلى الحدّ الذي يتحوّل فيه الخطاب إلى مساءلة للغائب واستنكار لرحيله: "أبي، ماذا فعلتَ يا أبي؟ أهكذا تردّ لي الصّوت صمتًا؟! وتردّ لي الثّورةَ سكونًا؟!! أنتَ الذي وضعتَ اللّيل في كفّكَ وأمرتَه بالنهوض، ووضعتَ الألم في كفّك الأخرى وعلّمته الذبول، ووضعتَ الحزن في قلبكَ وعلّمته الانتحار. كيف رحلْتَ وتركتني؟!" (101)
فهذا المقطع، يكشف عن صدمة الفقد التي تعجز الذات عن استيعابها. فتستمرّ الابنة في مخاطبة الأب وكأنّه ما يزال حاضرًا وقادرًا على الإجابة. كما تقوم بنية الخطاب على مجموعة من المفارقات الضدّيّة: فالصوت يُردّ صمتًا، والثورة سكونًا، والألم يُعلَّم الذبول، والحزن يُعلَّم الانتحار. ومن خلال هذه التقابلات، تستعيد الابنة صورة الأب كما عرفته: ذاتًا قادرة على مواجهة العتمة والألم والحزن. وتكتسب الاستعارات الواردة في قولها "وضعتَ اللّيل في كفّك وأمرتَه بالنّهوض" و"وضعتَ الألم في كفّك الأخرى وعلّمته الذبول" دلالة عميقة، إذ تمنح الأب قدرة استثنائيّة على تحويل العتمة والألم والانكسار إلى قوّة وحياة. غير أنّ هذه الصورة البطوليّة تتهاوى أمام فعل الرحيل، فتتحوّل قدرته السابقة على قهر الحزن، إلى عجز لدى الابنة عن مواجهة غيابه. وهكذا، يتّخذ الخطاب طابعًا رثائيًّا شديد الكثافة، يمتزج فيه العتاب بالحنين، والإنكار بالاستسلام.
ثمّ تنتقل عُلا من مساءلة والدها واستنكار رحيله، إلى وصف حالها بعد غيابه. فترسم صورة لذاتٍ أنهكها الفقد وأثقلها الحزن. وتكشف عن التحوّل العميق الذي أحدثه رحيل الأب في عالمها الداخليّ. ومن خلال وصف حالها، تتكثّف دلالة الغياب، إذ يتحوّل الأب من شخصيّة حاضرة في الرسائل إلى فراغٍ يستحيل ملؤه. ويصبح الحزن أثرًا مقيمًا في وجدان الابنة، يستمدّ استمراره من عجزها عن التصالح مع حقيقة الرحيل. تقول: "أبي، غيابُكَ يفترسني.. كنتَ لي وطنًا، وصرتُ بعدكَ لاجئة! ما زلتُ أنتظر مكالماتك ورسائلك.. ينقصني صوتك، نظراتك واسمك الذي كان يضيء هاتفي. إنّ الشوقَ إليكَ يحرِقني، ينهشني كجمرٍ تحت الرماد، والحزن يغمرني كمحيطٍ في ليلةٍ عمياء […] تخنقني الذكرياتُ كعطرٍ قديمٍ يملأ المكان، فأراكَ طيفًا في كلّ شيءٍ حولي. كلّ ما فيَّ يصرخُ باسمك؛ عيوني تشتاقُ لمرآكَ، ما عاد النومُ يزورُ أجفاني المُتعبة. لقد صار قلبي بعدك فجرًا متّشحًا بليلٍ باهتٍ لم يغسله الضوءُ بعد، نبضاتُهُ باتت ثقيلة، يجرُّ خطاه، يسير على أطراف الوقت ويستحضر ملامحكَ في كلّ زاويةٍ وظلّ. في عينيَّ أزهار حزنٍ قد أينعت، في روحي غابةُ حنينٍ قد نمَتْ وفي صوتي كؤوس دموعٍ قد تنفّسَت. لقد سقط منّي كلّ شيء، وبقيتَ أنتَ وحدَكَ تُزهر في قلبي، حتى غارت من قلبي عيناي وغار حاضري من أمسي" (103).
ثم تنتقل الابنة إلى تأكيد أنّ رحيل والدها لم يستطع أن يمحو حضوره من ذاكرتها ووجدانها. فهي تراه في تفاصيل الأشياء من حولها، وتستعيد ملامحه في مظاهر الحياة اليوميّة. وبذلك يتحوّل الغياب الجسديّ إلى حضور رمزيّ دائم. إذ يصبح الأب حاضرًا في الذاكرة والوعي وفي الأشياء التي تحمل أثره:
"أبي، إنّي أراكَ في كلّ شيء رغم أنّك لا تُشبه أيّ شيء. أراكَ في عين الشمس، في أشجار البستان، في زيتونة صامدة، في رقصة الأمواج، في ضحكات الأزهار، في نسمة هواء تلامس وجهي بلطف، في أغنيات كنتَ تحبُّها.. أراكَ في زوايا البيت، في الأزقّة وفي كلّ الطرقات. أراكَ في كلّ شيء وأفتقدك.. أنتَ لم ترحل، بل استوطنتني بوجع لا يهدأ، صرتَ نبضًا خفيًّا في دمي، طيفًا يزاحمُ أنفاسي، وذكرى تُمطرني كلّما أثقلني الغياب وانحنى الضوء على نافذتي" (104).
ثم تعقد الابنة عهدًا مع أبيها ومع ذاتها بألّا يكون رحيله نهايةً لحضوره في حياتها، مؤكّدةً أنّه سيظلّ مقيمًا في قلبها ووجدانها ما امتدّت بها الحياة:
"إنّ حبّك المزروع في أعماقي لن يذبل. أنتَ لا تزال هنا، في زوايا القلب، في ممرّات الذاكرة وفي نبض الحنين الذي لا يشيخ. سأظلُّ أترقّبكَ كزهرةٍ تترقّبُ شروقَ الشمسِ بعد ليلٍ طويل، وسأبقى أحبُّكَ وأحنُّ إليكَ ما دامَ في قلبي وترٌ لم تقطعه النهايات، وما دام الضوء يتردّد في عيني.. سأبقى إليكَ" (105).
غير أنّ هذا العهد لا يلبث أن يصطدم بوطأة الفقد وثقل الألم. فتخونها قدرتها على الصبر، وتتراجع شجاعتها أمام حزن يتجاوز طاقة الاحتمال: "ضيّقٌ، يا أبي، هذا القلب على حِمل هذا الحزن وهذا الوجع!" (105). تكشف هذه العبارة عن لحظة انكسار إنسانيّ عميق، يتحوّل فيها القلب إلى فضاء ضيّق لم يعد قادرًا على استيعاب ما تراكم فيه من حزن وألم. وبالتالي، تتجلّى مفارقة مؤثّرة بين رغبة الابنة في الوفاء بعهدها للأب والحفاظ على حضوره داخلها، وبين عجزها الإنسانيّ عن حمل تبعات هذا الغياب. فكلّما حاولت مقاومة الفقد بالصبر والحبّ والذاكرة، عاد الألم ليؤكّد حضوره، ويكشف هشاشة الذات أمام تجربة الموت: "ضيّقٌ، يا أبي، هذا القلب على حِمل هذا الحزن وهذا الوجع! أين هو الطّريق إلى الغياب، يا أبي؟ أين هو الطّريق إلى الغياب؟" (105).
غير أنّ عُلا، رغم وطأة الفقد وثقل الحزن، لا تستسلم طويلًا لانكسارها، بل تعود إلى وصايا أبيها وقيمه التي غرسها فيها، فتستمدّ منها قدرتها على النهوض والاستمرار. وكأنّ نصائحه تظلّ حاضرة داخلها، تمدّها بالقوّة كلّما أوشك الألم أن يغلبها، وتذكّرها بأنّ الحياة، مهما أثقلتها الخيبات، تظلّ جديرة بالمحبّة والأمل. ومن هنا، تعيد عُلا ملء قلبها بالأمل، وتختار أن تحافظ على إنسانيّتها وشغفها بالحياة، وأن تجعل من الصمود شكلًا من أشكال الوفاء للأب. وهكذا، تنتقل تجربتها من الفقد والانكسار إلى النهوض والتجدّد، لتؤكّد أنّ المحبّة التي زرعها الأب فيها قادرة على أن تتجاوز الموت، وأنّ الأمل يُمكن أن يُولد من رحم الألم، وأن الصمود ليس إنكارًا للحزن، بل قدرة على مواصلة الحياة رغم حضوره:
"أنا كالشجرة، كلّما عرّتني العواصف ولمّت ما أحمل من ورق وثمر، كلّما كسَرَتْ منّي عودًا، كلّما صفعتني بلهيب ريحها، زدْتُ تمسّكًا، فلا أنكسر ولا أموت، بل أنطلق وأتجدّد. وصوتي يزهر في صفير الريح أغنيةً يصلّيها الغمام.
ذلك الجبل.. ذلك الجبل الصامد الصامت، يا أبي، هو أنا؛ ذلك الجبل الذي تغسله الشمس كلّ صباح وتقبّله السماء.. أنا! ذلك النسيم الذي يعطِّر الفضاء، أنا؛ وذلك الشعاع الخجول الذي يلفّ السماء، أنا. وأنا صمت اللّيل، وجع القمر، أنين الغيم وبسمة الفجر.
هل تذكر يوم كتبتُ لكَ عن هذا العالم الغريب؟! كذا أنا.. غريبة، ليس كذاك العالم بل كما أردتني أن أكون؛ صامدة" (71).
(نصّ المداخلة التي أُلقيت في أمسية إشهار الكتاب في نادي حيفا الثقافيّ بتاريخ 24.9.2026).
***
د. رباب سرحان








