يمكن أن يعد كتاب د. جاسم الخالدي: (بنية الحداثة الشعرية.. في تجربة عمر السراي: الرؤية- المتخيل- الخطاب)-الصادر حديثاً عن دار فراغات٢٠٢٦- مساجلة نقدية مع عالم عمر السراي الشعري، وهما اللذان نذرا نفسيهما لفض اشتباك المعنى في أشيائنا وتجاربنا، وبث روح الشعر والشعرية فيها، سواء أكان ذلك عبر القول الشعري -كما هو عند السراي-، أم اليمين النقدي الذي آلى الخالدي في مقارباته الشعرية والنقدية على أن يبحر عميقا في دهاليز نصوصها، والسرارية منها خاصة، وهكذا انطلق الخالدي في كتابه هذا صوب المعنى عبر قضايا شعرية لا يجليها من تيهها لوقتها إلا هو، فكانت مقاربات الرؤية، والمتخيل، والخطاب نافذة لابد منها، ومن الوقوف عبرها طويلا لنرى أعماق هذا البحر اللجي المتلاطم، مما سطره عمر السراي في قصائده ودواوينه، ولا أظنني أبعد في القول كثيرا إن قلت إنه بات ضروريا أيضا لا لكشف تجربة فردية أخرى معها مشابهة لها، بل يمكن أن تمتد إلى المشهد الشعري الحديث بكل غناه، وتعرجاته، والتوائه على ذوي البنية القرائية الضعيفة، والتي لم تتمرس طويلا بمزالق النص الشعري الحديث، وامتناعه عن الانصياع إلا لمن تجشم عناء السفر عبر بحره المتلاطم ذاك، إذ طفق الناقد الحصيف يهشم الظلام، وانغلاق المعنى بسبب رمزيته الكثيفة، في فصول سبعة غنية، ومتنوعة في مباحثها، وعنواناتها، ومصطلحاتها، امتدت على ( ٢٦٩ صفحة)؛ لتوقفنا على غنى هذا المنجز، وسعته، وامتداده، وقوة أثره، وقدرته على كشف الوجع الإنساني، والألم العراقي، والضياع الوجودي، مفتضا ضبابية الرمز وإشاراته للألم التاريخي الممزوج والمكرر في النص الحديث، والمعاصر. فكانت الوقفة المعجمية في الفصل الأول انطلاقة لتحسس تحولات المعنى عبر تحولات اللفظة ومجازاتها، واستعاراتها، متخذة من الانزياحات الدلالية، عامل ضبط لقراءة موضوعية في منهجها، ذاتية في تذوقها وجماليات تأثرها، ومن ثم خلق تأثيرها.
لينتقل في مبحث ثان من الفصل الأول لقضايا البلاغة المعتادة، والحديثة، ويرنو بنظره، ويتأمل لما يعتمل في نصوص السراي من تفاعل بين التشخيص، والرمز، والمفارقة، والتناص. ليحول الشعر من مجرد سرد للأحداث، إلى رؤية متكاملة تعكس الأزمة الوجودية، والسياسية للإنسان والوطن معا.(٢٠٢٦، ٢٩).
يخط قلم الخالدي بعدها مداراته الفكرية حول: "تجليات الاغتراب.. وجماليات الهامش في قصائد (دراجة هوائية) النثرية". في فصل ثان بمباحث أربع، وتنبع أهمية هذا المحتوى (الاغتراب) من قدرته على تحويل الفقد من رثائية تقليدية إلى فلسفة حضور، حيث يتجلى الوطن في نصوص السراي الشعرية بوصفه جسدا حيا يئن في ردهات (العناية المركزة)،(٣٣-٣٤) .
جاء الفصل الثالث تحت أفق فلسفي ينذر بوقع وخيم، فكان :"فلسفة التكرار وبلاغة الفقد: دراسة في قصائد التفعيلة: حداد أبيض، وقصائد النثر (دراجة هوائية)"، فانشغل بالبحث عن قدرة الشاعر على تحويل المفردة المكررة إلى أداة لترميم شظايا الروح المتناثرة، وتوثيق بلاغة الفقد. وذلك في مباحث أربع، ننتهي بعدها للحكم إنها جعلت من القصيدة فعلا للمقاومة، ومن الحداد بياضا يستعصي على المحو والنسيان.(٧٠).
ويبقى الناقد الخالدي طويل الوقوف عند قصائد السراي معلنا عن اكتشافاته في الفصل الرابع الذي وسمه ب: "الحب والوعي الشعري في مجموعة ( ولهٌ لها)" بمباحثه الثلاث، منتهيا إلى إن المجموعة تمثل نصا شعريا مركبا، تتقاطع فيه التجربة العاطفية، مع الأفق الفكري، والأسئلة الوجودية والفنية. فيبدو جليا لنا أن النص الشعري عند السراي لا يكتفي بوصف الحب، أو تجسيد العاطفة، بل يشكل بناء وجوديا متكاملا.
في فصله الخامس يأخذنا الخالدي إلى تخوم مغارات السراي المتعددة عبر: "تحولات التناص بين المرجعية الثقافية وشعرية اللغة التقنية "، وبمباحث خمسة جهدت على أن تكشف تجربة الشاعر السراي التي يبدو أنها أولت أهمية كبرى لـ(معمارية النص) وعلاقته بالموروث، "فالنص عند السراي ليس وليد لحظة انفعالية معزولة، بل هو ثمرة حوارية مستمرة مع نصوص غائبة، ومرجعيات ثقافية متعددة. وبعد استنطاق مجموعة من أعمال الشاعر، ورصد آليات التناص وتجلياته السيميائية خلصت المقاربة إلى جملة من النتائج الجوهرية التي ترسم ملامح الهوية الشعرية للسراي. فقد انتهت إلى أن عمر السراي استطاع اجتراح تناص تفاعلي لا يرى في التاريخ سلطة قامعة، بل يراه طاقة توليدية تمنح الحاضر شرعيته".
في الفصل السادس-ما قبل الأخير- يدون الناقد الدكتور جاسم حسين سلطان الخالدي ملاحظه الهامة حول: "البنية الايقاعية بين المحافظة والتحول" في شعر عمر السراي، ويعد الايقاع في تجربة السراي الشعرية العمود الفقري الذي تستند إليه رؤيته الجمالية، فالإيقاع عبارة عن استجابة نفسية، ونبض داخلي يتحرك بمرونة تعبيرية عالية، بين الأشكال الشعرية الثلاثة. وكما يقول الخالدي. لقد حاولت هذه الدراسة استقراء كيفية توظيف الشاعر للموسيقى (الظاهرة والباطنة)؛ للتعبير عن انكسارات الذات، وتشظي الواقع العراقي. (١٦٧).
خلصت مقاربة هذا الفصل إلى جملة من الاستنتاجات الجوهرية التي صاغت الهوية الموسيقية للشاعر، ومن أبرزها: إن السراي لم يتعامل مع الأشكال الشعرية (العمود، التفعيلة، النثر) بوصفها جزرا معزولة، بل بوصفها مسارات تطورية متكاملة.(٢٣٠).
يختم الخالدي مقاربته النقدية لشعر السراي في فصلها السابع بالحديث عن: "سيميائية الجسد والمادة واللغة التقنية: دراسة تقابلية بين مجموعتي (حداد أبيض) و(حلويات)"، خاض فيه غمار العلاقة بين الذات الشاعرة، ومحيطها المادي المأزوم. وبست مباحث غنية انتهت إلى تقرير ينص على "انتقال راديكالي في (سيميائية الجسد)؛ أثبت من خلاله أن السراي أحدث خرقا في (وقار اللغة الشعرية)، ومن ثم أكد: "أن تجربة عمر السراي تمثل صوتا شعريا متميزا في قدرته على (أنسنة المادة) و( تأثيث العدم)" .(٢٦٤) .
وهكذا يوقف الناقد القدير د. جاسم الخالدي قراءته النقدية لشعر عمر السراي بكتاب " بنية الحداثة الشعرية.. في تجربة عمر السراي: الرؤية- المتخيل- الخطاب ". وقد أكد في كتابه هذا صدق مقولة: "إن النقد ابداع على ابداع"، ليواصل بعده قراءاته لنصوص ابداعية أخرى، أثثت المشهد الابداعي العراقي، وكما عودنا بين زمن وآخر، ونحن في انتظاره، وما يجود به يراعه..
ختاما لا ندري أي القلمين أزكى نشرا وطيا، أهو بحر الشعر ومتلاطمه: السراي، ام هو من مزج الفكر، بالنقد، بالإبداع؛ د. جاسم الخالدي، فتعانقت رؤيتاهما الشعرية، والنقدية لتظهرا لونا جديدا من رؤيا العالم، والكون، والوجود.
***
د. رياض الناصري
١٨-٨-٢٠٢٦








