عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

غزلان هاشمي: هل يموت التأويل؟

قراءة في كتاب موت التأويل من الجذور إلى الخوارزميات

كتاب "موت التأويل من الجذور إلى الخوارزميات " للأستاذ علي لفتة سعيد الصادر عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع بمصر، يحاول أن يجيب عن التساؤل: هل يموت التأويل؟ والذي صار يرهق الكتاب والنقاد معا في ظل التحولات التكنولوجية وانحسار القيم الثقافية وخلخلة كل معيارية ثابتة.

قدم للكتاب الأستاذ سلمان كاصد والذي لم يكن في تقديمه ما يوضح خصوصية هذا الكتاب وإضافاته، إذ لم يركز على ما جاء فيه، وإنما قدم نظرته حول التأويل ليشير إلى فكرة الكتاب بشكل عابر.

تحت عنوان التأويل كفعل وجودي يبين الناقد أن العملية التأويلية إنما تتم من خلال الجمع بين ثلاثة أمور: الرؤية، التمحيص، القراءات، كما أنه نتاج فهم المتلقي وهو ما يجعله متحررا من المعنى الأحادي ملتبسا بهوية الاختلاف والتعدد، لذلك حينما يفك شفرة النص يخلق عالما موازيا منفتحا على المغايرة مجاوزا سلطة المرجعيات، يقول الأستاذ علي: "إن التأويل ليس مجرد عملية فكرية، بل هو رحلة وجودية. رحلة يعبر فيها المتلقي من ضفة "ما قيل" إلى ضفة "ما يمكن أن يقال"، حاملا معه أمتعته الشخصية، ثقافته، ذاكرته، مخاوفه، وأحلامه".

إن الناقد ينكر أن يكون التأويل علما، لأنه خاضع لمزاج وثقافة ووعي المتلقي، ومن هنا تتدخل الإيديولوجيا في تشكيل القراءة، ويعترف الناقد أن المنحى العام لهذا الكتاب يختلف عن سابقيه لأنه لا يخوض في معنى التأويل وحدوده وآلياته، إذ يقول: "هذا الكتاب ليس دفاعا عن النسبية المطلقة، ولا تبجيلا لسلطة النص. ولا البحث عن التأويل وتعريفه، لكنه يحاول الإجابة على سؤال، بعد طغيان التقنيات المختلفة والمتسارعة والقافزة والجاهزة والمتمرد ة والقاتلة للتفكير، هل مات التأويل؟ أو بصورة أصح، هل سيموت التأويل؟".

يعتبر الناقد التأويل ولادة مستمرة، يحتفي بالتعدد، وخوفا من طرح سؤال: هل سيموت التأويل، يحرص على طرح سؤال جوهري وهو: كيف يعيد كل عصر صياغة النصوص في زمن التقانة والذكاء الاصطناعي؟.

جاء الفصل الأول تحت عنوان "الإطار النظري للتأويل" تطرق فيه الأستاذ علي إلى مفهوم التأويل وجذوره اللغوية في العربية واليونانية، وقد بين أن التأويل العربي ركز على الإرجاع إلى الأصل والمآل، بينما التأويل اليوناني ركز على النقل والشرح والوساطة، وهو ما يعكس حسب قوله وجود خلفيتين فكريتين: دينية /نصية عند العرب، فلسفية/ منطقية عند اليونان .انتقل الناقد إلى رصد الفروق الجوهرية بين التفسير والتأويل والتدبر، لينتهي إلى أن التفسير "يعتني بالظاهر ويكشفه، والتأويل ينفتح على الباطن ويمنحه معاني إضافية، بينما التدبر يتجاوز الفهم ليصل إلى الغاية العملية من النص وهي العبرة والعمل".

يرصد الأستاذ علي لفتة سعيد حركة التأويل في التراث الفكري، حيث بين أنه ارتبط عند اليونان بالأسطورة، قبل تحوله إلى مصطلح فلسفي، إذ كانت مهمة هرمس رسول الآلهة إيصال الرسائل الغامضة إلى البشر وتفسيرها لهم، ومن هنا ارتبط فعل التأويل بالشرح والتفسير والوساطة، لينعكس ذلك فيما بعد على الفلسفة اليونانية، "إذ رأى أفلاطون أن النصوص الشعرية والفكرية تحمل معاني خفية لا تكشف ذاتها للوهلة الأولى، وأن الفيلسوف هو القادر على النفاذ إلى جوهرها وإبراز المعنى الأصيل الكامن وراء الرموز. أما أرسطو فقد أعطى للتأويل طابعا أكثر دقة ومنهجية، وخصص كتابا بعنوان في التأويل ليبين فيه أن عملية التأويل هي إخراج ما في النفس من فكر إلى صياغة لغوية يمكن إدراكها"، فاللغة إذن تلعب دور الواسطة بين الواقع والفكر، فتصبح مهمة التأويل تحويل المعنى الكامن إلى صيغة مفهومة، أو تحويل ما هو داخلي إلى ما هو مشترك بين الناس.

أما التأويل في الفلسفة الإسلامية فانتقل مفهومه عبر الترجمة في العصر العباسي، "لكنه سرعان ما اكتسب خصائص جديدة نابعة من طبيعة النص القرآني ومكانته. فقد أصبح التأويل من أهم أدوات التعامل مع النصوص، خاصة في حال وجود تعارض بين ظاهر النصوص ومتطلبات العقل أو بين دلالاتها المختلفة"، وتحت هذا العنوان أشار الأستاذ علي إلى رؤية كل من الإمام الغزالي وابن رشد وابن عربي في هذه القضية.

وعن التأويل في الفكر الغربي الحديث بين الناقد كيف تحول إلى علم قائم بذاته، أي ما سمي بالهرمنيوطيقا الذي يذهب معناه إلى علم فهم النصوص، ووضح كيف اختلف المفكرون في تحديد طبيعته ووظيفته، معرجا على أسماء فكرية كشلاير ماخر وهايدغر وغادمير وبول ريكور، ليخلص إلى أن التأويل عبر التاريخ "لم يكن مجرد أداة لشرح النصوص، بل تحول إلى آلية لفهم الوجود نفسه، يتسع معناه باختلاف الحقول: "من الوساطة بين اللغة والفكر عند اليونان، إلى التوفيق بين النص والعقل أو التجربة الروحية في الإسلام، وصولا إلى كونه أفقا فلسفيا لفهم الإنسان والعالم في الفكر الغربي الحديث". هذا وينهي الناقد هذا الفصل بالحديث عن أنواع التأويل والتي وزعها بين تأويل ديني، وأدبي، وقانوني، ليحدد خصائص كل نوع ووظائفه بشكل عام.

أما الفصل الثاني فورد بعنوان "سلطة الذات المؤولة: جدل الحقيقة والوهم"، حيث انبنى على إشكالية هامة، تتمثل في الحدود الفاصلة بين التأويل كفعل عقلاني يستجيب إلى شروط النص، والتأويل الوهمي أو المشوه والذي تبنيه الذات من خلال تحميل النص مالا يحتمله من دلالات، لتبعده عن معناه الحقيقي وتقوله مالم يقله، وتقوم بمصادرته، وإجابة على هذه الإشكالية عرض الناقد آراء مجموعة من الفلاسفة الغربيين كهوسرل وغادمير وجاك دريدا..

هذا واعتبر أن فكرة الذات المؤولة المجردة التي تصل إلى المعنى الموضوعي من خلال تجردها من تحيزاتها الإيديولوجية وسياقاتها وظروفها لا يمكن الاعتداد بها، فكل نص يتم تلقيه وفقا لظرفيات محددة، ليتدخل وعي القارئ/المتلقي وثقافته وتجاربه ومرجعياته في تحديد معناه، وفي إعادة إنتاجه كذلك، وهنا يتحول القارئ إلى شريك، يتجاوز سلطة المعنى الأحادي نحو تعددية تأويلية، وأما عن التفكيك ونقد وهم المعنى الثابت، فيبين وجهة نظر دريدا التي تعتبر أنه لا يوجد معنى نهائي، و"أنه لا يوجد "خارج" موضوعي ومستقل، بل يتشكل دائما داخل شبكة العلاقات الدلالية للنص، وفي ضوء خبرة المتلقي وثقافته. وبذلك يصبح كل تأويل عملية لا نهائية من إعادة البناء، حيث يتكشف المعنى في حركية مستمرة لا تعرف الثبات. وهذه الشبكة تقود إلى فهم الذاتية الموضوعية في عملية التأويل التي قد تكون سهلة لكنها مخادعة أيضا إذا كان المتلقي له أسباب مخالفة مسبقا".

لا توجد إذن ذات محايدة وقراءة محايدة، فكل قراءة هي إعادة إنتاج للنصوص ضمن ظروف ثقافية وسياسية واجتماعية ..معينة، وكل قراءة تضمر إيديولوجيا محددة، وتخدم مصالح، وهو ما يجعل الحديث عن الموضوعية والمعنى الثابت وهما ورأيا متطرفا، ولا أدل على ذلك من قراءة المستشرقين للتراث الشرقي، والتي أبانت عن تحيزات ثقافية وسياسية، تخدم المصالح الاستعمارية بالدرجة الأولى.

إن ما يدعو إليه الناقد أن تكون القراءة متوازنة، تجمع بين الذاتية والموضوعية، فالتأويل حسب قوله "عملية مزدوجة تجمع بين الذاتية والموضوعية. فهي ذاتية لأنها مشروطة بوعي القارئ

وسياقه وتجربته الخاصة، لكنها موضوعية لأنها لا تتم خارج النص، بل في ضوء إشاراته وبنيته. وكل قراءة جديدة للنص هي إضافة إلى تاريخه التأويلي، مما يجعل النص فضاء مفتوحا

لتعدد الدلالات ".

والنصوص الكبرى حسب رأيه هي التي تكون لديها القابلية للتعدد التأويلي، إذ تظل حية بفضل شراكة قائمة بين القارئ والكاتب في إنتاج المعنى وتجديده.

الفصل الثالث وسمه الناقد بـ"أمزجة المتلقين ..كيف تنتج المعنى؟"

يؤكد الناقد أن فك شفرات النص تتدخل فيها العاطفة في تداخل مع العقلانية، والموضوعية مع الذاتية، ما يجعل المزاج عاملا حاسما في تحديد المعنى وتشكيله، والمزاج يتدخل فيه الموروث الثقافي مع التوقعات المسبقة والانحيازات الشخصية، يقول: "إن النص الواحد قد يتحول إلى نصوص متعددة بقدر عدد قرائه، أو حتى بقدر عدد قراءات القارئ الواحد في لحظات مزاجية مختلفة"، هذا ويعرض الناقد الآليات التي تحول المزاج الذاتي إلى عامل منتج للمعنى فيحصرها في: البعد النفسي /المزاج الفردي، إذ تتغير القراءات بتغير الحالات النفسية للمتلقين، وحسب تقلباتهم العاطفية ..، البعد الثقافي والمعرفي، حيث تختلف القراءات تبعا للمرجعيات الثقافية والمعرفية، البعد الاجتماعي والسياسي، حيث يتم استقبال النصوص ضمن منظومة معقدة من الانتماءات السياسية، والتجارب الحياتية والانتماءات الطبقية، ما يؤكد أن التأويل على حد قوله: " ليس فعلا فرديا محضا، بل هو سيرورة جماعية تتأثر بالبنى السلطوية والقيم السائدة في المجتمع، وهو ما يجعل المعنى دائم الحركة، متغيرا بقدر تغير أوضاع الناس وتحولاتهم".

البعد الروحي والديني وفيه فرق بين تأويل السلفية وتأويل المتصوفة وتأويل المفكرين الحداثيين والتأويل المعتمد على الاقتباس الموسوعي ..، هذا ويضع الناقد ضوابطا للتأويل تحميه من التطرف أو التحيز أو العشوائية من خلال إفراغه من معناه الأصلي وتوجيهه نحو معان تخرج به عن قصديته، ومنها: احترام أفق النص، الحفاظ على التماسك الداخلي للنص، وضع حدود للمعنى المفتوح، التفاعل الواعي ومرجعيات المتلقي، التوازن واحترام حرية التأويل.

ورد الفصل الرابع بعنوان "سيكولوجيا التأويل: اللاوعي الفردي كمحرك خفي، وضح فيه الناقد أن العملية التأويلية لا تنفصل عن السيكولوجية القرائية، والمتلقي لا يقرأ النص بعقله الواعي فقط، بل بلا وعيه الذي تتدخل في تشكيله الرغبات المكبوتة، والذكريات الشخصية والخيبات، والإسقاطات النفسية..فالمتلقي حسب قوله "لا يتعامل مع النص بوصفه سطحا لغويا فقط، وإنما يدخل إليه وهو محمل بخبراته الشخصية، وصراعاته الباطنة، ورغباته المكبوتة التي تتحول إلى مرشحات لا واعية تؤثر في عملية الفهم ".

ناهيك عن تدخل المكبوتات والرغبات واللاوعي الجمعي والمزاج الثقافي في تحديد المعنى أو تأويل النصوص، ليؤكد الناقد بعدها البعد العلاجي للتأويل، حيث بين أنه "ليس مجرد تلق سلبي بل هي فعل علاجي يعيد تشكيل العلاقة بين القارئ وعالمه الداخلي والخارجي. فالنص الذي يلمس الجرح قد يفتح بابا للدمع، لكنه قد يكون أيضا مفتاحا للتعافي" .

أما الفصل الخامس فورد بعنوان "حدود التأويل ..أين يبدأ وأين ينتهي"

وحاول فيه الناقد ضبط حدود المسؤولية التأويلية، حيث وضح أن التأويل المشروع "هو ذلك الذي يقرأ من داخل النص، منسجما مع إشاراته وسياقه، دون أن يسقط عليه أيديولوجيا خارجية. أما التأويل المنحرف، فهو ما يفرض على النص معنى غريبا عنه، أو يستغله لتبرير العنف أو التسلط السياسي أوالفكري"119.

يحذر الناقد من إساءة استعمال التأويل الذي يفضي إلى شرعنة العنف والاستبداد السياسي والعنصرية ..، أو ما يسميه هو باغتراب التأويل الذي يشوه النص أو ينسفه، ومن هنا يؤكد على أن التأويل مسؤولية أخلاقية وثقافية لأن تأثيره يمتد إلى المجتمع، لذا لابد من الحذر في استعماله، وعدم توجيهه لخدمة إيديولوجيا معينة من خلال تحريف المعنى، يرفض الناقد إذن بعض التأويلات التي تبتعد عن منطق العقل مثل: التأويل الموجه إيديولوجيا، التأويل المبتور، سلطة المؤول المزيفة والتي تتعلق بمن يمارس وصاية فكرية على الآخرين، التشويه التأويلي الذي ينتج عنه انقسام المجتمع وتغذية العنف الرمزي أو الإيديولوجي، التأويل الفاسد، التأويل العشوائي..

أورد الناقد الفصل السادس بعنوان "اتساع العلم وزيادة الاختلاف"

وضح فيه التحولات التي شهدها العالم اليوم بعد الثورة المعلوماتية وانفجار المعرفة، وبين أن المنصات الرقمية أعادت إنتاج المعرفة في استجابة واضحة إلى ميول المستخدمين، حيث تم تكريس سياسة القطيع الثقافي، ما أدى إلى ذوبان الفرد وضمور الحس النقدي وسقوط الفهم والتأويل في هوة التسيب والفوضى، يقول الناقد: "لقد أصبحت القدرة على فرز المعلومات ومعالجتها نقديا أهم من مجرد جمعها، إذ لم يعد التحدي يكمن في الوصول إلى المعلومة، بل في تمييز الصحيح من الزائف، والعلمي من الشعبوي، والموثوق من المضلل ".

بين الناقد أن تضخم المحتوى الرقمي ساهم في ظهور ما يسمى بالوعي الزائف بالمعرفة، إذ يتوهم القارئ موسوعيته وإلمامه بالكثير من القضايا والإشكاليات بعد أن يقرأ عناوين وملخصات فقط حولها، لكن هذا الإلمام واهم لأن السوشيال ميديا لا تقدم معرفة حقيقية، وكتاباتها تفتقد العمق والتحليل النقدي والمنهجي، لقد تآكل المعنى حسب رأي الناقد وشاعت ثقافة الصورة وتضخمت المعلومة وهو ما أدى إلى غياب القراءة التأملية الفاعلة .

في الفصل السابع والموسوم ب"المستقبل الرقمي وتحولات التأويل"يطرح الناقد تساؤلا: هل يظل التأويل ملكا للإنسان حينما يتكلم الذكاء الاصطناعي بلغتنا؟، وهل سيساعد الذكاء الاصطناعي في تأويل النصوص أم أنه سيقوم بإنتاجها؟ وما مدى قابلية النص للتأويل؟ وهل سيكون التأويل ملكا للعقل البشري أم أنه يختزل حسابيا في استنتاج المعنى بدل تذوقه؟.

يحاول الناقد الإجابة عن هذه التساؤلات فيقول: "لقد دخلنا مرحلة معرفية غير مسبوقة، لم يعد فيها الإنسان هو المتلقي الوحيد للنص، بل أصبح النص ذاته قادرا على التفاعل مع المتلقي عبر وسائط ذكية تعيد إنتاج المعنى لحظيا. في هذا العالم الرقمي، تغير مفهوم القراءة من فعل تأملي بطيء إلى عملية تفاعلية تشاركية، تتداخل فيها البرمجة بالوعي، والآلة بالذهن."

لقد تغيرت علاقة الإنسان بالآلة، بعد هيمنة الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية والخوارزمية التنبؤية، وهو ما أوقع التأويل في أزمة، إذ تحول النص إلى مادة رقمية يمكن تعديلها فوريا، ما يجعل النص سائلا متحولا، ليضيع أصله فيما بعد، وهذه الاحتمالية تدخل التأويل في مرحلة ما بعد المعنى، أو ما بعد التأويل، هذا وظهر القارئ الرقمي الذي يتحرك سريعا بين الشاشات، ليقطع قراءته من أجل التصفح وقراءة الإشعارات والتحديثات المستمرة، ومع انزياح مفهوم القراءة من كونها تجربة فكرية وجودية إلى الاستهلاك المعلوماتي أو القراءة من الخارج، تراجعت وظيفة التأويل، فالقارئ لم يعد يهمه الوصول إلى المعنى الممكن، وإنما صار همه الحصول على المعلومة الفورية، وكما يقول الناقد: "هنا، يصبح النص مسطحا، مفرغا من طبقاته الدلالية، لأن التلقي لم يعد يمر عبر التأمل، بل عبر الانفعال الآني والتصفح السّريع".

هذا وعرض الناقد تحول مؤول النص بتأثير الذكاء الاصطناعي، من الفاعل البشري إلى الفاعل الخوارزمي الذي يقدم استجابات لغوية فقط وليس تأويلا عميقا يحوي رؤيته للعالم، وقد حلل مزايا المؤول البشري مع إحصاء سلبيات المؤول الآلي، لكنه افترض إمكانية الإفادة من الذكاء الاصطناعي دون محو للجهد البشري، حيث يصبح خادما للتأويل وليس سيدا عليه، كاستخدامه في التحليل الإحصائي ورسم الخرائط الدلالية، وكشف التناصات الخفية، ومن هنا يصبح التأويل تشاركيا وليس بشريا صرفا، ولو أن الناقد لا يرسم صورة قاتمة للذكاء الاصطناعي، حيث يقول: "يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لاستعادة العمق التأويلي المفقود في زمن السّعة،

عبر تمكين الناقد من قراءة آلاف النصوص ومقارنتها، واستخراج أنماط خفية تساعده على بناء رؤية أكثر شمولا دون الوقوع في التشتت الرقمي" .

ويبقى الإنسان حسب رأيه المرجع الأخير في التأويل وإنتاج المعنى، لأن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يقرأ، لكنه عاجز عن الإدهاش، اعتبارا من ذلك لا يمكن الاعتداد بمقولة موت التأويل، حيث أنه سيبقى لكن سيتغير شكله فقط، وستتغير أدواته لكن يظل جوهره.

يمكن أن نعد الكتاب دفاعا عن التأويل بوصفه عملية مجهدة تحاول الغوص عميقا في مكونات النص من أجل الكشف عن أسراره، وبقدر ما يحمل عنوانه من حسرة ومخاوف ورؤية مستقبلية متشائمة، فإن فصله الأخير يحسم الأمر ويجيب عن التساؤل حول موت التأويل، من خلال الدعوة إلى تأويلية حذرة تستفيد من بعض خدمات الذكاء الاصطناعي، ولا تلغي سلطة الإنسان المؤول، حيث تتكاثف الجهود من أجل خلق نصيات مبدعة عميقة تفلح في قراءة المضمر أو ما خلف السطور.

***

غزلان هاشمي

في المثقف اليوم