عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

محمد حبش: الإسلام والسيخ.. المشترك أكثر مما تعتقد

هل تستطيع الأديان المشاركة في الفضاء الديمقراطي الذي صار سمة العالم الجديد من دون أن تتخلى عن ثوابتها في الدعوة الى الدين الحق، وإنقاذ الناس من الظلام إلى النور؟.. تحاول هذه الدراسة الفريدة التي أنجزناها في مركز دراسات الإخاء الإنساني أن تجيب على ذلك. ومع أن الحوار بين الأديان ليس جديداً في الوسط الأكاديمي، ولكنه يكاد يقتصر على الديانات الإبراهيمية، ولم يتقدم باتجاه ديانات الشرق، خاصة الديانة السيخية الكريمة.

يبلغ السيخ نحو خمسين مليون إنسان حول العالم، وهم يحملون ثقافة العمل والخدمة، وينتشرون بشكل واضح في الخليج العربي، ولكن ظلت أفكارهم وعقائدهم لغزاً مغلقاً، ولم يتعامل الفقه الإسلامي مع السيخ إلا على أنهم ديانة مارقة، ولا شك أن الأمر في الجانب الآخر لا يختلف كثيراً، وتبادل الطرفان خلال التاريخ التهم والريب، ووقعت حروب البنجاب الدامية خاصة في فترة حكم المغول للهند، وتالياً في قترة الدولة السيخية في البنجاب 1599-1649

ويمكن اعتبار المبادرة الجديدة التي قادها مركز دراسات الإخاء الإنساني في الشارقة توجهاً جديداً نحو عالم جديد قائم على تجاوز الماضي والتفاؤل بالمستقبل، والبناء على المشترك الإنساني والأخلاقي، وبالفعل فقد تم لأول مرة في التاريخ إنجاز عمل مشترك ضخم يكتب فيه فقهاء مسلمون وفقهاء سيخ في المشترك بين الديانتين.

لقد كتب كل فقيهين في محور واحد من زاوية إسلامية ومن زاوية سيخية، واستوفى كل فقيه ما في تراثه الديني في المحور المخصص، بمعزل عما كتبه الآخر، وبعد استيفاء البحوث قمنا بعرض النتائج على الذكاء الصناعي الذي قام باستخراج المشترك بين هذه المحاور وبالفعل كانت النتائج مدهشة، حيث ظهر تماماً أن الديانات ليست في جوهرها إلا تجلياً لإرادة الله الواحد، وأن الأهداف التي سعى لها الأنبياء والحكماء الذين نالوا قبول الملايين في التاريخ إنما تخرج من مشكاة واحدة، وتعمل في الجوهر لصالح الخير الإنساني وسعادة الناس.

وقد توجهنا إلى أربعة محاور نعتقد أنها على رأس مقاصد الرسالة الإسلامية والسيخية:

الأول: التوحيد، حيث تؤمن الديانتان إيماناً راسخاً بالله الواحد خالق كل شيء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحداً، وأنه ليس كمثله شيء وأنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

وتكاد السيخية تتفق مع أصول التوحيد المقررة في الإسلام في باب الصفات الواجبة لله تعالى، وانه المتصف بالصفات السبعة الواجبة عقلاً لله تعالى وهي الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والقدرة والقيام بالنفس والمنزه عن مشابهة الخلق.

وكلا الديانتين تؤكدان على وحدانية الله، وإن اختلفت الصياغة اللاهوتية:

- الإسلام: الله واحد لا شريك له.

- السيخية: "إك أونكار" — الإله واحد، غير مجسّد، سرمدي.

الثاني: التسامح: ومن القيم المشتركة في الديانتين قيمة التسامح التي تزدهر في الإسلام كما تزدهر في الثقافة السيخية، وقد أردنا إحياء هذا الجانب تحديداً وذلك للتأكيد على روح التسامح التي نشأت بين المسلمين وبين السيخ في فترة تأسيس الديانة وبشكل خاص أيام السلطان المغولي أكبر، الذي تخصص في إخاء الأديان وكرامة الإنسان، ونجح في بناء أوثق الجسور بين المسلمين وبين السيخ، كما أننا قصدنا إلى معالجة الانحرافات التي ذهبت إليها العصبية الدينية بين مجموعات إسلامية وسيخية في مراحل مظلمة من تاريخ الهند.

لقد أردنا في هذا الفصل أن نؤكد أن الإسلام والسيخ يحملان قيماً مشتركة في التسامح، ولكل منهما أسلوبه ووسائله وادواته.

الثالث: الطهارة: كما يظهر اهتمام كبير وواضح في عنوان الطهارة في الديانتين، حيث اعتبرت الطهارة في الإسلام شرطاً لصحة العبادة والنسك، وفريضة دينية في أحوال متعددة، وجزءاً من نسك الصلاة والحج، وقد تطور مفهوم الطهارة بدءاً من تعزيز قيم طهارة الجسد والثوب، وكذلك طهارة البيئة، وصولاً إلى طهارة الروح.

الرابع: خدمة الناس: وكذلك فإن كلاً من الديانتين أكدت على قيمة العمل الصالح وخدمة الناس، واعتبر الإسلام أن خدمة الناس شرط للقبول عند الله، وقال النبي الأكرم: الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله

وقد تولى الكتابة في موضوع خدمة الناس في الإسلام الكاتب الأكاديمي الأستاذ مأمون ديوب، ومن الجدير بالذكر أن الدكتور ديوب هو أحد أبناء الطائفة الإسماعيلية الآغاخانية المسلمة الكريمة التي تزدهر في باكستان، وتجاور الإخوة من السيخ، وقد حقق الآغاخانيون تفوقاً واضحاً في جانب خدمة الناس وأطلقوا أكبر شبكة تنمية إنسانية في العالم وهي شبكة الأغا خان للتنمية التي تشارك في مشاريع تنموية وعمرانية وهندسية في كل انحاء العالم وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل في العالم.

ومن المؤكد أن هذه الجوانب الأربعة ليست هي كل القيم التي تتشاركها الديانتان، بل هناك قيم أخرى جديرة بالدراسة والبحث والتأمل ولعلنا نصدرها في دراسات خاصة، ومنها اتفاق الديانتين على رفض الوساطة الكهنوتية، حيث يرفض الإسلام وجود طبقة كهنوتية، ويؤكد أن العلاقة المباشرة للمؤمن مع الله، وأنه لا وسيط بين العبد والرب في صلاته، ولا كهانة في الإسلام، فيما تؤكد السيخية الشـيء ذاته وترفض نظام البراهمة وتؤكد العلاقة المباشرة مع الله.

كما تتفق الديانتان بشكل كبير في القيم الأخلاقية المشتركة من الصدق والأمانة والعدل والإحسان وخدمة المجتمع، وتكاد تتطابق توجيهات الإسلام والسيخية في الإحسان عبر تتطابق الدلالة في مصطلح: (Sewa) مقابل (Sadaqa / Ihsan)

ويمكن أن تقوم دراسات متخصصة للبحث في المشترك بين الديانتين أعلاماً وأفكاراً في حقل التصوف خاصة، حيث قام التصوف بدور رائد في التقريب وبناء المحبة، وعلينا أن نشير أن المحاولة الأولى للإشراق كانت طريقة صوفية ظهرت على يد ثنائية مهمة هي غورو ناناك والصوفي بهائي ماردانا، وهي ثنائية تشبه إلى حد بعيد ثنائية مولانا جلال الدين الرومي وصاحبه شمس الدين تبريز عليهما رضوان الله.

كما أننا نحتاج إلى قيام دراسات متخصصة أيضاً في فهم التأثير الأدبي المشترك للديانتين وبشكل خاص في قصائد الشعر الصوفية والربانية التي كانت تعزف في المجتمع السيخي والمجتمع الإسلامي ولا تزال إلى اليوم إرثاً مشتركاً بين الطرق الصوفية في السند وشمال الهند من إسلامية وسيخية على السواء، حيث يتبادلها الطرفان باللغة الأوردية والشعر الفارسي حتى الآن.

وفي النهاية أعود للتأكيد ان هذه الدراسات لا تهدف أبداً إلى حوار عقائدي تبشيري لتحديد حق وباطل، ولا تهدف أيضاً إلى خلط أوراق الأديان وإنتاج دين جديد منها، بل هي دراسات موضوعية محايدة، تنطلق في البحث عن المشترك ضمن حدود قاعدة: لكم دينكم ولي دين، ولا تدعو لمناسك مشتركة ولا معابد مشتركة، بل تهدف إلى تعزيز الحياة المشتركة في الحب والتعايش، مع اتفاق شبه تام بين الطرفين على ان الهدى والضلال هو شأن الله تعالى، وهو وحده من يحكم بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

لقد شارك في إضاءة الجانب الإسلامي على هذه المحاور الأربعة نخبة من الفقهاء الأكاديميين المتخصصين:

- د. تيسير أبو خشريف الرئيس الأسبق لجامعة بلاد الشام الإسلامية

- د. محمد ماهر قدسي نائب عميد كلية الشريعة في جامعة حلب

- الشيخ الملا محمد رشيد غرزاني رئيس كلية الإسلام الديمقراطي

- الدكتور مأمون ديوب عضو المجلس الإسماعيلي الإسلامي

كما كتب أربعة أكاديميين متخصصين في الجانب السيخي:

- الدكتور سيمار سينغ المؤرخ الهندي المتميز

- الدكتور جاجديب سينغ نائب رئيس الموسوعة السيخية

- الدكتور برافير سينغ الباحث في الموسوعة السيخية

- الدكتورة بابليس كانداهاري الكاتبة والشاعرة ونائب رئيس معبد غورو دربار في دبي

- البروفسور بهاي صاحب رئيس جماعة غورو ناناك نيشكام سيواك جاثا في بريطانيا

كما قام المفكر الإنساني الرائد سيرندر كاندهاري  Surender Kandhari  رئيس معبد غورو دربار في دبي بدور أساسي في المبادرة، استكمالاً لما سبق في كتبه التي أصدرها حول المشترك بين القيم الدينية ودوره الذي يتعاظم كل يوم في نشر ثقافة التسامح والمحبة، كما قدمها للجمهور في كتابه الجميل: منارة التسامح التي تحدث فيها عن تجربة الإمارات العربية المتحدة الرائدة في رعاية المحبة والسلام.

إننا في مركز دراسات الإخاء الإنساني في الشارقة الذي أتشـرف برئاسته سعداء بان نقدم هذه المبادرة الكريمة لجمهورنا في الإسلام والسيخية، وكذلك للهيئات الدينية الرسمية والمعتبرة في العالم الإسلامي وفي المجتمع السيخي، وكذلك في الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي والدراسات، وكذلك المنظمات الدولية المعنية بالإخاء بين الحضارات والديانات، لتعزيز ثقافة المشترك الإنساني والمحبة بين أتباع الأديان في الأرض.

إنني أكرر هنا شعارنا الذي اخترناه لمركز دراسات الإخاء الإنساني:

- الله واحد، ولكن أسماءه كثيرة

- الحقيقة واحدة، ولكن الطرق إليها كثرة

- الإشراق واحد، ولكن الأديان كثيرة

- الإنسانية واحدة، ولكن الناس كثير

- الحب واحد، ولكن القلوب كثيرة.

إنها حقيقة شرحتها بدقة آية قرآنية كريمة:

ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم.

***

د. محمد حبش

في المثقف اليوم