لم يكن مصطلح "الشرق الأوسط" توصيفاً جغرافياً بريئاً، ولا تسمية محايدة لمنطقة تقع في وسط العالم، بل كان، منذ لحظة ولادته، مفهوماً سلطوياً صاغته القوة قبل أن تتداوله الخرائط. فالمتعارف عليه عالمياً أنّ الشرق الأوسط يضم طيفاً واسعاً من البلدان، من إيران وشبه الجزيرة العربية، إلى العـراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر والسودان، مروراً بإريتريا والصومال وليبيا، وصولاً إلى تركيا وقبرص وجنوب اليونان، بل وحتى أفغانستان وباكستان. هذا الاتساع غير المنضبط لا يعبّر عن وحدة جغرافية بقدر ما يكشف عن وظيفة سياسية، منطقة واحدة بحدود سائبة، قابلة لإعادة التعريف كلما اقتضت مصلحة القوة المهيمنة. والسؤال الحقيقي لا يكمن في ما هو الشرق الأوسط؟ بل في: لماذا جرى اختراعه؟ ومن أجل من؟
فمشروع الشرق الأوسط، في جوهره، ليس مشروعاً حضارياً ولا رؤية للتكامل الإقليمي، بل هو نتاج مباشر للعقل الاستعماري الحديث، الذي رأى، منذ وقت مبكر، أنّ السيطرة على هذه المنطقة تمرّ عبر زرع كيانٍ وظيفي في قلبها. ولهذا، نظر الاستعمار البريطاني إلى إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين بوصفها ضرورة استراتيجية، لتكون نقطة ارتكاز متقدمة للتحكم بالعالم العربي، وثرواته، ومساراته السياسية. وتعود البدايات الأولى لهذا المشروع إلى عام 1902، أي قبل قيام إسرائيل بقرابة نصف قرن، ما يفضح الطابع المسبق والمخطط لهذه "الصدفة التاريخيّة".
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وظهور الـوعي القومي العربي، أعادت القوى الاستعمارية الأوروبية تفعيل مصطلح "الشرق الأوسط" بوصفه أداة تفتيت لا توصيف، فجاءت اتفاقيات سايكس–بيكو عام 1916 لا لترسم حدود دول، بل لتفكك وحدة الجغرافيا والهوية، وتحوّل المنطقة إلى كيانات سياسية هشة، قابلة للإدارة والسيطرة. ومنذ ذلك الحين، لم يتغير جوهر المشروع، وإن تغيّرت لغته، فمشروع الشرق الأوسط، قبل أي شيء آخر، يستهدف إسقاط الأنظمة السياسية التي لا تنسجم مع المشيئة الأمريكية، واستبدالها بأنظمة وظيفية تأتمر ولا تعترض، وتنفّذ دون تحفظ. وكان احتلال فلسطين عام 1948، وتسليمها للحركة الصهيونية، اللحظة التأسيسية لاختلال التوازن في المنطقة، وبداية الصراع العربي–الإسرائيلي بوصفه صراعاً مُداراً لا يُراد له أن يُحلّ، بل أن يبقى مفتوحاً بوصفه مبرراً دائماً للتدخل.
وبعد حرب الخليج، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، دخل العالم مرحلة القطب الواحد، فوجدت الولايات المتحدة نفسها أمام فرصة تاريخيّة لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، لا بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر غطاء حضاري، فجاءت أطروحة "صدام الحضارات" التي طُرحت عام 1993، لتؤسس لرؤية جديدة للمنطقة، تقوم على ثنائية الضبط المزدوج، كبح العـراق وإيران من جهة، وتسوية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي من جهة أخرى، تسوية لا تُنهي الاحتلال، بل تُعيد تعريفه.
ومع نهاية الحرب الباردة، نصّبت الولايات المتحدة نفسها قائداً أوحد للنظام العالمي الجديد، وأعادت صياغة العلاقات الدولية وفق ما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، ولم تكن أحداث 11 أيلول 2001 سوى اللحظة المناسبة لإطلاق النسخة الأكثر فجاجة من مشروع الشرق الأوسط، تحت لافتة "الحرب على الإرهاب" و"الإصلاح الديمقراطي"، فالديمقراطية هنا لم تكن غاية، بل أداة ابتزاز، تُرفع في وجه دول المنطقة كلما انحرفت مساراتها عن المصالح الأمريكية.
إنّ سعي الولايات المتحدة للهيمنة على هذه المنطقة ينبع من خوف بنيوي من أي تحوّل مستقل قد يُنتج قوى أو أنظمة لا تنسجم مع معادلات السيطرة، لاسيما في منطقة تختزن أكبر مخزون للطاقة النفطية في العالم، ولهذا، تُطرح المشاريع البرّاقة، وتُستخدم اللغة الأخلاقية، فيما الدوافع الحقيقية سياسية واقتصادية بحتة.
ولم تكتفِ هذه الاستراتيجية بإعادة رسم الخرائط، بل عملت على تفكيك المجتمعات من الداخل، عبر تغذية الطائفية، وإحياء الهويات الفرعية، وتضخيم الأقليات والقوميات، بوصفها أدوات للهيمنة طويلة الأمد. أما الحرب والحصار، فبقيا أداتين مركزيتين في هذه السياسة، تُمارسان على الدول المناوئة للمشروع الأمريكي، كما في فلسطين والعـراق وسوريا ولبنان، حيث يُستخدم الحصار بوصفه شكلاً حديثاً من أشكال الإخضاع. ولم يكن الدين، عبر التاريخ، مجرد منظومة روحية أو تعبيراً أخلاقياً عن حاجة الإنـسان إلى المعنى، بل كان، في جوهره العملي، أحد أخطر أشكال السـلطة، سلطة تُشرعن السياسة، وتؤطر الاجتماع، وتُعيد ترتيب العالم وفق سردية مقدّسة لا تُناقش. ولقرون طويلة، شكّل الدين الحاكم الخفي لصناعة القرار، وضابط الإيقاع في العلاقات بين الدول، وحارس التوازن الهش داخل المجتمعات.
***
د. حيدر عبد السادة جودة








