عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

عبد السلام فاروق: «الرأسمالية الجديدة» احتكار بلا رقيب!

اشتريت قبل أيام كراسة صغيرة الحجم، عظيمة المضمون. عنوانها «الرأسمالية الجديدة... شركات التقنية الكبرى واحتكار الأسواق الرقمية»، لمؤلفها الدكتور عادل عبد الصادق، وهي صادرة ضمن سلسلة «كراسات استراتيجية» عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، التي يرأس تحريرها الدكتور محمد عز العرب.

الواحد منا قد يقرأ العنوان ويظن أنه سيدخل في جدل المصطلحات الدائر الآن في الغرب بين أنصار الليبرالية الجديدة وخصومهم. لكن الحقيقة أن الكراسة تذهب، في رأيي، إلى ما هو أبعد وأخطر. إنها ترسم ملامح نظام عالمي جديد، لا عاصمة له في واشنطن ولا في بكين، لكن مراكزه في وادي السيليكون وتايوان . نظام تتزعمه شركات عملاقة لا تبيع بضاعة، لكنها تنتج السلوك، وتصمم الوعي، وتخلق الاحتكار من العدم، من مجرد كود وخوارزمية وبنية تحتية سحابية لا يراها أحد.

ما نسميه خطأ «اقتصاد المنصات» ليس إلا وجهاً جديداً لرأسمالية لم تعد تكتفي بامتلاك وسائل الإنتاج. صارت هذه الرأسمالية تملك وسائل التنسيق الاجتماعي كلها. عندما تملك جوجل محرك البحث، وتملك ميتا الخريطة الكاملة للعلاقات الإنسانية، وتملك أمازون البنية التحتية السحابية التي تقوم عليها دول، وتملك آبل المتجر الوحيد الذي يمر منه أي تطبيق ليصل إلى جيبك، فعندها نكون أمام شيء يتجاوز فكرة الاحتكار التي عرفها قانون شيرمان الأمريكي قبل 135 سنة. ذلك الاحتكار كان لسلعة في سوق جغرافي محدد، أما احتكار هذا الزمن فهو احتكار المساحة الرقمية بأكملها. إنه احتكار مركب، متعدد الأسواق، يبدأ من بياناتك ولا يتوقف عند البنية التحتية التي تمر منها، مروراً بالذكاء الاصطناعي. إنه احتكار للعقود الاجتماعية غير المكتوبة التي صارت تدير إيقاع حياتنا اليومية، ونحن نائمون.

ما كان يسمى في أدبيات مكافحة الاحتكار القديمة رفاهية المستهلك صار مفهوماً ساذجاً إلى حد التفاهة. لأن جوجل تعطيك البحث مجاناً، وميتا تعطيك شبكتها مجاناً. المستهلك ظاهرياً لا يدفع قرشاً. لكن الحقيقة المرة أنه يدفع أغلى ما يملك يدفع انتباهه، يدفع بياناته، يدفع استقلاله الإدراكي. الثمن ليس مالاً، الثمن سيادة. سيادة الفرد على قراره، وسيادة الدولة على حيزها العام الرقمي.

هنا مربط الفرس. فالرأسمالية الجديدة رأسمالية بنية تحتية. المنصة ليست تاجراً، المنصة دولة ترتدي ثوب شركة. هي من يقرر من يصل صوته إلى الجمهور ومن يخفت، أي كتاب يباع وأي تطبيق يحظر. انتقلنا من زمن اليد الخفية التي تحدث عنها آدم سميث، إلى زمن اليد الخوارزمية. وهي ليست خفية أبداً، بل مبرمجة سلفاً على هدف واحد تعظيم الربح. وليكن الثمن تمزيق النسيج الاجتماعي، أو تآكل أسس الديمقراطية.

المعضلة الكبرى، كما نفهم من كراسة الدكتور عادل عبد الصادق، أن الدولة الوطنية، خصوصاً في عالمنا النامي، تجد نفسها عارية أمام كيانات تتجاوز قدرتها التنظيمية والتشريعية. قوانين حماية البيانات والمنافسة صممت لعالم المصانع ومنافذ البيع القديمة. فكيف تطبقها على كيان لا مقر له في بلدك، ولا أصول ملموسة يمكن مصادرتها، وبيانات مواطنيك عنده مجرد وقود مجاني يحرقه كما يشاء؟ أوروبا حاولت متأخرة بقانون الأسواق الرقمية، والأمريكيون يحاولون اليوم عبر وزارة العدل. لكن ماذا عنا نحن؟ دول كثيرة لا تزال عارية تماماً أمام طوفان المنصات، لا تعرف أين تضع المشرط التنظيمي، ولا تملك أصلاً جراحاً يمسك بالمشرط.

الأخطر من كل ذلك أن هذه الرأسمالية الجديدة لم تعد تنتج التضخم النقدي الذي نعرفه فقط، لكن صارت تنتج ما أسميه التضخم الوجودي. ذاك الشعور الدائم واللزج بأن حياتك مراقبة، مصنفة، مسعرة من قبل خوارزميات لا تعرف عنها شيئاً. المشكلة هنا لم تعد اقتصادية محضة، بل حضارية. المنصة حولت المواطن إلى مستخدم، والمستخدم إلى منتج للبيانات، والبيانات إلى ذهب هذا القرن. لكن الفرق أن الذهب يستخرج بإذن صاحب الأرض، أما البيانات فتستخرج بلا إذن، ثم يعاد بيعها لنا في صورة إعلانات موجهة وخدمات يقولون عنها إنها مجانية. إنه استعمار من نوع جديد، لا يرسل جنوداً.. يرسل أكواداً، ولا يحتل أرضاً .. يحتل وعياً وذاكرة وانتباهاً.

ما نعيشه بالفعل هي لحظة تغير جذرية في طبيعة الرأسمالية نفسها. المدرسة النمساوية في الاقتصاد، وعلى رأسها فريدريش هايك، حذرت من أن المعرفة موزعة بين الأفراد ولا يمكن لسلطة مركزية أن تجمعها. لكن ما حدث أن جوجل وفيسبوك وأمازون جمعت هذه المعرفة فعلاً، واحتكرتها، ليس لسلطة سياسية منتخبة، لكن لسلطة تجارية خاصة لا ينتخبها أحد. صار بوسع خوارزمية تنبؤية في ميتا أن تعرف ميولك السياسية قبل أن تعرفها أنت، وأن تقرر نيابة عنك ما الذي ستقرؤه الليلة، وما الذي ستغضب منه صباح الغد. هذه قوة تتجاوز أي قوة امتلكتها كنيسة أو حزب أو دولة عبر التاريخ. إنها قوة الهندسة السلوكية الجماعية الممنهجة، تمارسها شركات لا تملك تفويضاً من ناخب، ولا شرعية من عقد اجتماعي. هي فقط تملك المال، والكود، والغطرسة.

ويبقى السؤال الذي يوجعني شخصياً أين نحن العرب في هذا المشهد؟ لا أبالغ إذا قلت إننا مستهلكون متخمون في سوق لا ننتج فيه شيئاً من بنيته التحتية. لا نملك محرك بحث، لا نملك شبكة اجتماعية عابرة للحدود، لا نملك سحابة حوسبية تنافس أمازون أو مايكروسوفت، والأدهى أننا لا نملك حتى تشريعات تجعل هذه الكيانات العملاقة تلتزم بشيء اسمه سيادة وطنية. نحن سوق كبيرة، ولحم رخيص للبيانات، ومختبر لسياسات محتوى لم تجرؤ المنصات على تجربتها في بروكسل أو واشنطن، فتأتي لتجربها هنا على أجسادنا وعقولنا. وبينما يدرس الغرب، عبر مراكز أبحاثه كما يفعل مركز الأهرام هنا، كيف يستعيد زمام المبادرة، نكتفي نحن بتغريدات غاضبة كلما حذفت منصة منشوراً أو حجبت حساباً. نستجدي لفتات إنسانية من آلة لم تبرمج أصلاً لتكون إنسانية.

لنكن واقعيين، المخرج ليس سحب البساط من تحت المنصات، فهذا ضرب من الخيال. المخرج، كما تفيد خلاصات هذا النوع من الأبحاث الجادة، له ثلاثة أرجل. الأول سيادي بصناعة بنى تحتية رقمية وطنية وإقليمية مستقلة، تفقد المنصات الكبرى حجة أنها الناقل الوحيد الذي لا بديل عنه. الثاني تشريعي بقوانين لا تكتفي بغرامات هزيلة تضحك عليها الشركات، وتفرض قابلية التشغيل البيني، ونقل البيانات، وفك الارتباط القسري بين مكونات الاحتكار المركب. الثالث وعيي، وهو الأصعب والأشق بإعادة تعريف المواطن الرقمي كصاحب حق لا مجرد مستخدم، وتوعيته بأن المجاني ليس مجانياً على الإطلاق. أنت تقايض على المجاني بأغلى ما تملك هويتك واستقلالك.

في الختام، كراسة الدكتور عادل عبد الصادق تضع الإصبع على الجرح النازف في جسد العولمة الجديدة. الرأسمالية الجديدة ليست عدواً، ولكنها وحش كاسر يلزم ترويضه. وحين يكتب باحث مرموق في مركز الأهرام هذه الكراسة، فاعلم أن السؤال لم يعد أكاديمياً، بل صار سؤال أمن قومي. لأن السيادة اليوم، أي سيادة، لن تكتمل قبل أن نستعيد السيطرة لا على أرضنا وسمائنا فقط، وعلى كودنا وبياناتنا ووعينا، الذي تسلل بهدوء إلى غرف عمليات في كاليفورنيا، لا نعرف عنها شيئاً، ولا تعرف عنا إلا ما أرادت الخوارزمية أن تعرفه. تلك هي المعركة الحقيقية القادمة، ومعركة الوعي هي أم المعارك.

***

عبد السلام فاروق