عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

سليم جوهر: قراءة في كتاب نقد العقل التدميري

تصدى المفكر رسول محمد رسول "رحمه الله" لنقد العقل من جهاته المختلف ومنها "نقد العقل التدميري". ان اثار العنف والتدمير في عصرنا الراهن من الكثافة بحيث نجد من الصعوبة بمكان التخلص منها. يحاصرنا العنف في كل جوانب حياتنا، فيحدث دمارا هائلا. لذا يعتبر نقد العقل الكامن خلف هذه الظاهرة وتفكيكها مهمة ليست باليسيرة. في هذا الكتاب يرشر لخطورة العقل التدميري فيفكك منطقه ويسفه النزعة الفطرية للعنف وبيا ضرورة التأسيس الى عقل تداولي وانسنة الدين من خلال دعوته "هيا الى الانسان".

1. مفهوم "العقل التدميري" يذهب الكاتب الى أن "العنف" اصبح يتلبس شكلا معرفيا "العنف المعقلن" الذي تتكرس فيه المواقف والافكار والرؤى العنفية عبر اجناس التعبير والتداول المختلفة، بين الذات والواقع. واذ نرى ونلمس ان دمارا هائلا يحدث من حولنا مؤسس على منطق عقلي، يكرس مواقف وأفكار ورؤى مُفكًرٌ فيها، ويتخذ شكلا معرفيا، او إيمانيا، وذلك لأننا نعيش عصرا لا يفكر الناس فيه الا بمنطق:- مطيته العقل.- وأداته العقل. (1) فمشكلة العقل البشري ترهقه الأسئلة المفروضة عليه، الموجودة في طبيعته ذاتها، وعدم قدرته على الاجابة عنها، لأنها تتخطى كليا قدرته، انه ابتلاء يحيط بالعقل. فهو مكبل بأسئلة لا فكاك منها. ففي نقد العقل؛ يعود العقل فيقوم بأشق مهامه جميعا، معرفة الذات، معرفتها لنفسها(2).  والنقد لدى المفكر رسول محمد رسول هو اشتغال معرفي تحليلي لمفهوم العقل وليس عملية اصدار حكم قيمي عليه، ولا حتى مجرد التفكيك او التحليل بل هو، فتح لإمكان المعنى، ولمسارات الدلالة فيه، ليس ضمن علاقات فكرية او ذهنية او فكرية فقط، بل وهو الأهم ذلك الأثر الواقعي والملموس احيانا الذي يبتغيه النقد عبر محاولة خلخلة اليقين الأحادي المسار والمعنى(3).

2. تفكيك المنطق التدميري: يدعو الكاتب الى التصدي بالنقد والتحليل لكل مفردات ومفاصل العقل التدميري ولمناطق اشتغاله وتكريساته وتجلياته عندما جماعات العنف سواء أكانت إسلامية ام غير إسلامية. فيذهب الى تفكيك العلاقة بين الفكر والواقع، وكيف يمكن للخطاب المتصلب ان يتجسد بممارسة واقعية شديدة الوطأة على الحياة. لذا كان لابد من نقد لمنطق التدمير، فهو منطق مطلق القيمة لأنه:⁃ يؤسس للعنف كيانه المعرفي.  ⁃ يوجه للعنف مساره التوجيهي.  ⁃ ويبرر للعنف فعله التدميري(4)  فالعقل التدميري عريق وقديم قدم الفعل البشري، مجسد بثقافة تتشكل عبر العنف والصراع والحرب، تتسرب الى مفردات الثقافة وادوات صناعتها، حتى صار الفرد منا محاط بالكم الهائل من الصور والمشاهد في السينما والتلفزيون، والمنشورات، بل وحتى الالعاب لم تسلم من العنف فتغذي مخيلة الاطفال بثقافة العنف والحرب. فهو يصنع ويعد في بيئة مخصوصة تنتج قدرة ذهنية اختزالية، ينظر فيها الى الانسان على نحو جهوي، متغافلا الكينونة الانسانية، ليكتسب بهذا الاختزال قدرته على تدمير الإنسان. فالعنف المعقلن موجه بشكل خاص لنمط معين من البشر، الى الآخر بغية:⁃ تفكيك بنية الافكار لدى الاخر.  ⁃ وتهديم ثمار العمران الإنساني. ⁃ وتمزيق كينونة الفرد. ⁃ وخلخلة أنظمة وسياقات وعلاقات الموجودات(5). هو عقل ينقض على الموجود ليفككه الى عناصره الاولية البدائية والبالية والمعطلة عن اي نشاط وفاعلية. انه توظيف فادح للعقلنة تنهش الحاضر لتجعل المستقبل هشا وخاويا من اي امل مشرق بالعيش الآمن. فبنيته التدميرية تعتمد "البطش والقسوة" وهما على وجه التخصيص النزوع الى التدمير واشتهاء السيطرة المطلقة (العدوان الخبيث)(6).

3. نقد القول بالنزعة الفطرية للعنف: ويخالف رسول محمد رسول الكثير من علماء النفس، الذين يعزون السلوك العدواني للإنسان كما يتجلى في الحروب والجريمة والصراع الشخصي البدني واللفظي والكيدي، وكل انواع السلوك السادي والتدميري بكونه ناجم عن غريزة فطرية مبرمجة حسب تتابع النشوء تسعى إلى الانطلاق وتنتظر الفرصة المناسبة لتعبر عن نفسها.  - فيوجه نقده للفكر الذي يعزو العنف الى غريزة متجذرة في الإنسان مما يعني ان الناس المرعوبين والذين يشعرون بالعجز عن تغيير مجرى حياتهم، يرتاحون عندما يعلمون ان العنف ذا منشأ طبيعي في حيواتنا. ولن يسعوا الى نقده او تغييره.- نقد العنف والعدوان والتدمير يعني تفكيك النظام القائم ومساءلة المقدمات المنطقية للخطاب وممارسته والأيديولوجيا القابعة خلفه.- وينتهي الى نتيجة مهمة تتمثل بلا معقولية النظام الاجتماعي المؤدي الى المنظومة التدميرية، ولا يذهب الى كونها نزعة فطرية تنتظر الوقت المناسب لكي تتفتح. فنقد ظاهرة العنف المنتشرة في بلادنا، يعني نقد القول بالطبيعة العدوانية للعراقيين كما يذهب البعض، وتؤدي الى كشف الكسل المعرفي والتحليلي الذي يتجنب المهام الصعبة الكامنة في تحليل العقل التدميري وتفكيكه. وهو اضافة الى ذلك لا يشغل نفسه فقط في كشف القوى الذاتية ولا الشروط الاجتماعية التي تشكل السلوك التدميري، بل ينتهج المقاربة الاجتماعية والتاريخية لكي يضع هذه النزعة على طاولة التشريح الشامل، يحلل الانسان العنيف المنقاد بتكريس الذات بكل تجلياتها، فللعقل التدميري شأن في فرض سلطته على تمثلات الذات الواقعية المختلفة. ويشمل النقد ايضا لسوء استخدام وسائل التواصل من قبل العقل التدميري. فالذات والواقع في حالة تنافذ اتصالية وتشاركية في الافكار والاشياء، خاصة مع هيمنة الشبكات، بكل انواعها على حياتنا. فهيمنة عصر الشبكات في ابعادها التنافذية والتواصلية والتشاركية، ترتكز بشكل اساسي على (التعارف) المتعدد الابعاد، في الانشاء والتلقي والتمثيل واعادة الاتصال، تستند فيها الى عقل تداولي، يستبطن طاقة تدميرية هائلة، وقدرة تفكيكية عالية (7).

 4. تخليص الاسلام من تهمة العنف: عبر ادخال مفهوم العقل التداولي الذي تنتهجه الجماعات العنفية؟ وهو يذهب الى تبني طروحات كانتية (ضرورة الخروج من قصوره الذي تسبب فيه)، واعتقاده بان المسبقات العقلية السلمية والاصلاحية هو الذي يسكن البشر، مخالفا في ذلك دعوى المفكر الفرنسي جان بوديار الذي يفترض وجود (المتخيل اللاواعي الذي يسكننا جميعا) لينبهنا سريعا الى صناعة الشخص التدميري، ولم يقل الفرد، لان هذه القدرة على التدمير ليست امكانية مركوزة لدى الانسان في طبعه المحض، بل ان العقل البشري لديه قدرة على تلقي واكتساب مبادئ وقضايا وطرق عيش تشكل بنيته العقلية وفاهمته ثم بنية كيانه النفسي وشخصيته، فهو كائن بشري مصنوع ومهيأ ومعد في بيئة مخصوصة ليكتسب القدرة على التدمير، يكتسبها من العالم المحيط به(8). فيذهب الى تعرية وكشف السياق الذي ينخرط به الانسان التدميري. ففي ضوء المعطيات الميدانية تتعامل جماعات العنف مع موجودات الحياة على نحو تداولي وعملي مما توفره الحضارة والعمران لتنقض بهذه الادوات نتاج الحضارة على العمران مسوغة ذلك ببنية مفاهيمية للعقل التدميري وجهازه المصطلحي.  لقد حاول في الفصل المنعقد "حاجتنا للعقل المدني" ان يرجع النزعة التدميرية الى سوسيولوجيا الحرب، فيجعل العقل التدميري هو نتاج العقل العسكري او الحربي، أي ان (الثقافة العسكرية) التي تسربت مفرداتها الى مجمل الصناعات الثقافية بل وحتى الالعاب فصار الفرد المتلقي (ولنتذكر التلقي قدرة عقلية)، {محاط بالكثير من المعلومات والصور المرئية المُرسلة اليه تمارس ضغوطا كثيرة على وعيه وذاكرته وفاهمته وكيانه النفسي"(9)، فانتجت نوعا آخر هي "ثقافة المقاومة"(10)، وهي ثقافة موجه للمعتدي اصلا، لكنه انصرف عنه هدفه الحقيقي. هنا ينبهنا الى مسالة خطرة في كيفية تحويل ثقافة المقاومة المتوجه للمعتدي اصلا الى "فعل المقاومة الزائف"(11)، الذي يأكل اخضر الحياة ويجلد النفس والكيان والأهل والمجتمع، ويدمر موجودات الوطن واستراتيجيات الحاضر والمستقبل معا. ثقافة المقاومة الزائفة تؤدي الى "عسكرة المجتمع"، الذي يتحول الى حق وواجب مقدس للمواطنين كافة ومبرر بعقيدة ما. فنشهد هذه الأيام دعوات لإعادة التجنيد الإجباري. هذه الثقافة تُعلي من ذهنية التمجيد، فتقود الى تمجيد النظام القائم وتحمل لواء المقاومة ضد اي محاولة للإصلاح الديموقراطي او اصلاح مؤسسات الدولة من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية، وهذه الذهنية تقوم على:

1. استعلاء أيديولوجي وتعصب عقائدي.

2 . استحواذ سلطوي.

3. مكانة اجتماعية او أدوار سياسية.

4 . نفعية فردية او جماعية. حيث يمثل كل فرد جزءا من هذا النظام، يقوم في جوهره على التبعية ويعتبرها قضية مبدأ وشرف، وحتى ان كان لا يؤيد محتوى هذه التعليمات، ما دامت تساعد في الحفاظ على النظام القائم. فتصطبغ الحياة اليومية بثقافة المقاومة في السلم كما في الحرب. فهو بمشروعه المهم في أنسنة التدين ومركزية الانسان في الفكر الحديث من خلال دعوته " هيا الى الإنسان". يوجه نقده للا معقولية النظام الاجتماعي الممهد الى النزعة التدميرية، فيؤسس لمنهج "نقد التمركز الإستعلائي" الذي يمارسه العقل التدميري.

***

د. سليم جوهر

......................

ملاحظة: الاقتباسات من كتاب (نقد العقل التدميري، رسول محمد رسول).