قراءة في كتاب
جمال العتّابي: حجر صغير.. شهادة روائي عاش في قلب العاصفة
أعادت إليّ مذكرات حنون مجيد (حجر صغير) السنوات الأولى لعلاقتنا التي تمتد إلى ثمانينات القرن الماضي، يوم كان بيننا ما هو أعمق من الصداقة: رفقة عمر ومعنى إنساني لا يقاس بالسنوات. كان الأدب نافذتنا، نحلم بعالم أكثر عدلاً وجمالاً، بوطن يولد فيه الأطفال بغبطة وفرح، بلا حروب.
كانت مكتبته التي تطل على شارع فسيح على مقربة من منزله، على بُعد خطوات، بمثابة ملاذ أمين يجمعنا نحن الأصدقاء: عجيل نعيم، عبد الإلهالحسني، وآخرين من كتاب وأدباء، يتوافدون على المكتبة الصغيرة بين الحين والآخر، صارت المكتبة بيتاً ثانياً لنا، نتحاور فيها، نتبادل الكتب، تلك الزاوية من المكتبة التي نستريح فيها، كانت لنا وطناً وسط اتساع الحرائق، هناك نلتقي، نتحاور، نقرأ، نسمع الأخبار، نضحك، نحزن، وحين يشعر المكان بالملل منا، أو يضيق بأنفاسنا، نعبر الشارع إلى منزل حنون، هناك نكمل الحديث وتتجدد الجلسة. هكذا كانت الرفقة الصادقة قادرة على مقاومة الزمن الصعب، وحنون المهووس بالصداقات، كان يمتلك القدرة من بيننا أن يبعث الحرارة فيها، كلما خفتت، أو خبا وهجها.
من هنا، من تلك الذكريات، بدأت قراءتي لمذكرات حنون مجيد "حجر صغير"، الصادر عن اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين عام 2025، لا بوصفه سيرة ذاتية فحسب، بل شهادة إنسانٍ عاش في قلب العاصفة، وظلّ يكتب كما يعيش: بصدقٍ، وهدوءٍ، وإيمانٍ بأن الأدب هو الشكل الأرقى للمقاومة.
كانت السنوات ثقال، لكأن البلاد مدفن لما طوته الحروب، في سنوات الحصاركانت الأفواه تمضغ الحصى والغبار، أي جوع تفصّد في الضلع، دقّ مسامير في الجلد أورثت أطفالنا قرحاً، ونقصاً في الهيموغلوبين.
اعتدت إطلالة حنون مجيد الصباحية في تلك السنوات، كان يدخل عليّ محمّلاً ببعض كتبه، يحملها في حقيبة تنوء من حملها كتفاه الواهنتان، في مكتبي الصغير بشارع المتنبي. يفرشها برفق على طاولة من حديد، ويختار بعض العناوين، ثم يروح في عمق الشارع ليعرضها على رصيف الشارع للبيع،ثم يترك البقية عندي لليوم التالي، كان حنون مجبراً على ذلك، كانت إحدى وسائله للعيش، ليأكل ويواصل الحياة بكرامة في زمن لا يرحم؟ كان المكتب يتحوّل، في تلك الأيام، إلى ملتقى أصدقاء ومثقفين، نثرثر، نشرب القهوة، ونتبادل الكتب المستنسخة سرّاً، نمرّرها من يدٍ إلى أخرى، وكم من مرةٍ عرضتنا تلك اللقاءات إلى إحراجات مع السلطة، لكنها كانت تمنحنا شعوراً بالحرية لا يوازيه شيء.
يتحدث حنون عن تلك السنوات بألم: لم تكن الخسارة في بيع الكتب، أنك بعت شيئاً من متاعك، أو من ممتلكاتك، ولا لأن المبيع منه شيئ حي ناجيته وناجاك، وصار إبنك أو أخاك أو حتى سيدك، إنما حين تغدو بائع كتب، ستنتزع هويتك يوماً أو أياماً نحو هوية أخرى، قد تكون كريهة إلى نفسك، لأن فيها مساومة، وفيها حلفان، وفيها كذب وبهتان، ثم ها أنت تعرض نفسك أمام الأنظار أحمرها وأخضرها، وقد تلوذ حياءً أو خجلاً من بعضها، ثم أنك لا بد جعت كثيراً لكي تبيع كتبك، ثم لتسد شديد جوعك ستختار الكتب السمينة: مقدمة ابن خلدون، البداية والنهاية، المفصل في تاريخ العرب..وغيرها الكثير على شاكلتها.
في هذا الكتاب، يقدّم حنون مجيد سيرةً تستعيد تفاصيل عمرٍ طويلٍ من التحوّلات، منذ طفولته في العمارة، إلى رحلته نحو بغداد، مروراً بمراحل التعليم والنضال والسجن والعمل الثقافي. في كل فصل من فصوله ثمة دهشةٌ وصدمةٌ ومفارقة، وثمة إنسانٌ يلتقط المعنى من أكثر التجارب قسوة.
من الهجرة إلى العمارة إلى الوشاية اللاحقة، ومن مدرسة المهدية إلى ثورة 14 تموز 1958، ومن الاعتقال والسجن إلى تجربة السفر إلى الخارج، ثم إلى اكتشاف التنظيم الحزبي، وتدهور الوضع السياسي والأمني ـ يكتب مجيد سيرته كمن يعيد ترتيب حجارة الذاكرة واحدةً بعد أخرى، في مواجهة النسيان.
في فصول أخرى، يتحدث عن مسؤولياته الجديدة: محرّراً للثقافة في الصحف العراقية، مسؤولاً عن سلسلة "الموسوعة الصغيرة، ثم أميناً عاماً لاتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، وهي مواقع تؤكد اتساع تجربته وصلابته الأخلاقية، ووعيه بأن الثقافة موقف قبل أن تكون مهنة. لا يخلو الكتاب من لقطاتٍ إنسانية مؤثرة: إصابته بالسكري والكوفيد، الاحتفاء به عند بلوغه الثمانين، واستقباله جثمان الشاعر مظفر النواب، ثم الموقف الفارق حين رفض مقابلة صدام حسين، في لحظةٍ تختصر كلّ ما يمثّله هذا الكاتب من نزاهة واستقلالٍ وشجاعةٍ أدبيةٍ نادرة.
كتب حنون مجيد مذكراته "حجر صغير" بتفصيل إنساني جميل وبلغة السارد المحترف، لغة عذبة بلا تكلّف، هادئة، مكثفة، مدهشة بلا افتعال، تتدفق كما تتدفق الحياة في روح من عاشها بالصدق كلّه، وعاد يرويها بالحنين كلّه.عنوان المذكرات يلخّص الفلسفة الداخلية للكتاب: الحجر رمزٌ للصبر والمقاومة، لكنه أيضاً أثرٌ من روحٍ لم تُكسر، محفوظ في موضع القلب، شاهداً على ما كان. كلّ حجرٍ في سيرة حنون مجيد هو حكاية، وكلّ حكايةٍ شهادة على قدرة الإنسان على البقاء مخلصاً لذاته، وسط عواصف السياسة وتقلبات المصير.
لم يكتب مجيد لنفسه فقط، بل كتبنا جميعاً، نحن أبناء ذلك الجيل الذي امتلأ بالتحديات والأحلام والخسارات، كتب حنون كما عاش بشجاعة وصدق التجربة، بعين لا تزال ترى في الكتابة خلاصاً وفي الصداقة مأوى.
دوّن حنون سيرته بوعي روائيٍّ لا يخضع للتسلسل الزمني الصارم، بل اعتمد على تداعي الذاكرة. فالزمن عنده ليس خطّاً مستقيماً، بل دائرة تتداخل فيها الأصوات والوجوه، ليغدو النص أكثر قرباً من الرواية في حيويته وتنوّعه.
في النهاية، "حجر صغير" ليست سيرة ذاتية، بل سيرة وطنٍ يُروى بصوت إنسان لم يتخلَّ عن إيمانه بالحياة، بهذا العمل، يثبت حنون مجيد مرة أخرى أن الكتابة ليست ترفاً، بل ضرورة ووجود.
***
جمال العتّابي







