قراءة في كتاب
عبد اللطيف الحاج اقويدر: ثناء على الجيل الجديد يتخطى مقولة صراع الأجيال

جاء كتاب ثناء على الجيل الجديد في أزيد قليلٍ من مئتي صفحة، موزعة على سبعة فصول، وكل فصل يتضمن عدداً من المقالات، وعنوانُه جاذب لافت، تخطى به الكاتب مقولة "صراع الأجيال"، ليطرح بدلَها مقولة "ثناء على الجيل الجديد"، تفطَّن بذكائه إلى أنَّ تجسير الهوَّةِ بين الأجيال، وتجنيب الصراع بينها يأتي عن طريق "الإحسان" الذي يستعبدُ القلوب، فكيف يكون وقْعُه وصداه إذا كان هذا الإحسانُ يُسْدى إلى فلذات الأكباد وبقايا الآباء، و"الثناءُ" رأسُ الإحسان.
جرتْ عادة المجتمعات الإنسانية أنْ يُمدح الأسلاف بما بذلوا وقدموا لأجيال أولادهم وأحفادهم، وغدا هذا تقليداً أخذ صفة الإطلاق. أراد عبد الجبار الرفاعي تصويب هذه القاعدة لإحقاقِ عدلٍ وتوجيهِ بوصلةٍ، فالثناء اعترافٌ لمُنجزٍ فيه خصوصيةٌ، وهو ليس متعلقاً بسنٍّ معيَّنةٍ، وتخصيصُها للفئات العمْرية المتقدمة، فيها ـ إلى جانب الاعتراف ـ رمزية وتعويضٌ معنوي، وكانتْ رؤيةُ الرفاعي أنَّه إذا استحقَّت الثناءَ فئاتٌ شبابيةٌ ما زالتْ تتدرجُ في مقتبل الحياة تتهيَّأ لتلج معتركها، فما المانع الذي يحول دون إظهار الفرح بذلك والاعتراف بهم، وإسداء آيات الثناء لهم، وقد ورد ذلك في مقدمة كتابه مؤكِّداً بأنَّها شهادتُه وقناعتُهُ نابعتيْن من تراكم تجاربه، فلا هو يقدم وروداً ونياشين، ولا هو يجامل مجاملةً غير مستحقَّةٍ، اعترافه وثناؤه على الأبناء تفرضه معطياتٌ موضوعيةٌ.
"ثناء على الجيل الجديد" عنوانُ فصله الأول، تضمَّن خمسَ مقالات، تحدثَ فيها عن واقع جيل الآباء الذي كان موبوءً بتلوثات السياسة والإيديولوجيا والانتكاسات ص24، وواقع الجيل الجديد المعقَّد المتشابك المنفتح على مصراعَيْ العالم والحياة، فيعيشُهما عياناً على المباشر وافتراضاً عبر مختلف الوسائط، ويدرك الكاتبُ أنَّه من الطبيعي أن تنتج هذه الوسائل معاييرها القيميَّة الخاصة ص27، وأن تفرض نمط حياتها، إذْ لا حياد في الحياة، وإذا كان جيلُ الآباء قد نشأ في فضاء تربوي يتَّسمُ بالعنف تعاملاً، وبالتلقين تعلُّمًا، فإنَّ الجيل الجديد لا يتحرَّجُ من إعلان رفضه استخدام العنف معه، واشمئزازه من أساليب التدريس البالية، فقد يسَّرتْ له وسائل الاتصال سبلَ المعرفة وأنواع أساليب التلقِّي، يفي منها ما يحتاجه، وبأيِّ كيفية يريدُها، ويأسف الكاتبُ من عدم تحلِّي الجيل القديم بشجاعة الاعتراف بثغرات أساليب التربية والتعليم لعصره، ولا بما حُظيَ به الجيل الجديد من سلاسة وتنوُّع ومرونة، وأن رهان الرقي والتطور معقود بناصيته، وإذا كانت صورة الدين لدى جيل الآباء هو ما "صنعه ـ له ـ علم الكلام القديم وفقه التكفير" ص45، فإنَّ الجيل الجديد بما له من التنوُّع يسعى بما توفره له وسائط الاتصال على التعرُّف على الصورة المغرية لله تعالى، صور النور والرحمة والحب والبهجة، كما أدرك إمكانية تجاوز فتاوى تحريم الفنون، التي هي ليستْ أكثر من تجلياتِ الإنسان تعبيراً وتواصلاً مع الطبيعة والإنسان.
و"التربية خيارها الحصانة لا المنع" عنوان الفصل الثاني الذي تضمن ثلاث مقالات، يعترف فيها بأنَّ تكنولوجيات الاتصال قد شكلت تحديا للمجتمعات الإنسانية كلِّها لا على مجتمعاتنا فحسب، فقد أحدثتْ تصدُّعات في سلَّم القيم ص50، نتيجة الصدمة العنيفة التي أحْدثتْها في منظومتيْ الأسرة والعلاقات الاجتماعية، ففكَّكت روابط التلاحم بين أفراد العائلة الواحدة، وفرضتْ على كلٍّ منهمْ نفياً انعزالياً، وبلبلتْ فيهم عواطفهم وأفكارهم ولغتهم ورؤاهم، بل إنها تكاد تشكِّل خطراً وجودياً على الفرد في سلامته الجسدية أو النفسية على ما نقله خبراء الطب والعلاج، ومع ذلك فهي الشرُّ الذي لا بد منه، ومع ذلك فهي الإفراز الطبيعي لعصرها عصرِ حقوقِ الإنسان والحريات وعصرِ إشاعة المعرفة والتعليم، في حينٍ كانت عصورُ الآباء عصورَ الرُّكود والسمع والطاعة.
و"الاستثمار في الحب صعبٌ" عنوان الفصل الثالث، وهو أوسعُ فصلٍ بسبع مقالات خصَّصها لعاطفة "الحب" الذي جفَّ معينُه أو يكاد، و"الحبُّ" في مشروع الرفاعي هو حجر الزاوية وأسُّه، يسوقُه رفيقَ دربٍ في الحياة، وزاد عملٍ للحياة الأخرى، وقد وردت مقالاته تباعاً على النحو الآتي: "الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان"، و"ويترجم القلب كلمات الحب بمعنى واحد"، و"مكافأة الحبِّ الحبُّ ذاتُه"، و"الاستثمار في الحب صعب"، و"حبُّ الإنسان طريقٌ لحب الله"، و"الإيمانُ بلا حب ورحمة عنيفٌ"، و"الكراهية ليست طارئة"، فالحب يُشحِن النفوسَ طاقةً وراحةً وسعادةً، يُشعِر الإنسان بكينونته ويُحفزه على العطاء، ومن غرس حبّاً جناه، والحبُّ الأكبرُ هو حبُّ الله الأبدي المشرقُ على القلوب الذي لا يعتوره كدرٌ، بخلاف صورة الألوهية في الإيمان الصراطي الذي اعتقد به جيلُ الآباء ورِثه عن الأسلاف، صورةٌ ظلمانية لا تراه إلا محصوراً بها دون غيرها، ومن خرج عن دائرتها لم يستحق الفوز ولا السعادة، بل قد يُسحق كما فعلت المجموعات الإرهابية التي روَّعت ودمَّرتْ وقتلتْ باسمه تعالى.
"الصمت الحكيم" هو فصل الكتاب الرابع بستِّ مقالاتٍ، ذكَّرَنا فيها الرفاعي بتلك القاعدة الذهبية التي ردَّدناها صغاراً دون إدراك أبعادها "إذا كان الكلام من فضَّةٍ فإنَّ السكوت من ذهب"، لم يغر الكاتبَ ذهبُ السكوت بل أغراه أَلَقُ الصمت ونفاستُه، وبين السكوت والصمت فرقٌ نوعي، فالصمتُ كلامُ الحكماء والعقلاء ومتنوري الثقافة. الصمتُ إرادةٌ ولغةٌ وفلسفة وفنٌّ وملجأ، ألا يقال "نلوذ بالصمت". هو حاجزٌ يمنع التهور، ويصونُ أرواحاً، ويُشْرِقُ على أرواحٍ، والصمتُ أنواعٌ ودرجاتٌ، وتتَّخذه بعض مدارس التأمل طريقاً لاستجلاب الراحة للروح، وليس الصمت بالأمر الهيِّن ولا هو في متناول الجميع، لا يستطيعه إلا من ملك إرادته، وأنَّى له بملكها؟ وليس الصمتُ نقيض الكلام بل هو نقيض الثرثرة، فقد أراد حكيمٌ قديماً أن يستوثق من قيمة إنسانٍ يجهله، فقال:" تكلَّمْ لأراك"، فالكلام هو الرجل، ولكنَّ الذي يعجِزُ عن أنْ يُصغيَ يعجزُ أن يصمُتَ، ومن أتقنَ فنَّ الصَّمت أتقن فنَّ الكلام، فكم من متكلِّمٍ لا يكونُ كلامه إلاَّ أذى، وكم من كلمةٍ أودتْ إلى مقبرة أو مستشفى، لذا لفتَ الكاتبُ النَّظر إلى ضرورة تشجيع "تنمية ثقافة يمكن تسميتها بِـ "اقتصاديات الكلام" تتعلق بكمية الكلام وشكله ومضمونه وكيفيته" ص139.
"لا تراث خارج التاريخ" هو الفصلُ الخامسُ، الذي تضمَّن مقالاتٍ معرفية عميقة تشير إلى علاقة السلطة بالمعرفة، وقد امتلكت السلطةُ في تاريخنا القديمِ معرفتَها، وصنعت لها علماءَ وفقهاءَ يسوِّغون سياساتها ومشاريعها، وقام باحثون في العصر الحديث بقراءة هذه المعرفة التراثية باستعمال إحدى الطريقتيْن: إمَّا دراسة إحيائية أو دراسة تجديدية، أما الدراسة الأولى فتكرارية اجترارية لا تفيدُ إلَّا قليلاً، وأمَّا الدراسة الثانية فكاشفة لأنها سائلةٌ عن بنيتها الأساسية التي ترتكزُ عليها ص155. 156. تقومُ هذه الدراسةُ بتفكيك البنية التحتية للتراث مستثمرةً أدوات ومناهج ومقاربات هذا العصر من مدارس الفلسفة وتياراتها، وعلوم الإنسان والاجتماع واتجاهاتهما ونظرياتهما ص157، وتكشَّفَ لها أنَّ ما درجتْ عليه القرون تسميها ديناً وإيماناً كان في جزءٍ منه لا يعْدو أن يكون مقولة سياسيةً تلبسُ لباساً دينياً، فكثيرٌ من المرويات والأحاديث هيَّأ "الإسناد" لها طريقاً نحو الدين، والإسنادُ ذاتُه في حاجةٍ إلى جرحٍ وتعديلٍ، كما أنَّ تضخُّمَ الفقه يعود إلى "حجِّية الخبر الواحد"، الذي تحوَّل من رأيٍ إلى قاعدةٍ أصوليةٍ بفعلِ فاعلٍ، ومردُّ هذا الاكتشاف يعود إلى خبرة هذا العصر، إلى ميشال فوكو الذي توصَّل إلى أنَّ كلَّ سلطة تُنتج معرفة من جنسها وتحميها وكذا العكس ص162، فلا غرابة أن تطغى القراءة السلفية على المشهد الديني الإسلامي، وهي قراءة مغلقةٌ معطِّلةٌ للعقل، ورؤيا لا تنتمي للعصر ولا للواقع 167، ولا غرابة أنْ "يتسيَّد التراثُ المتشدِّدُ ويُقصَى التراث العقلاني".
أما الفصل الأخيرُ، فعودٌ على بدءٍ إذْ يقدِّمُ " تحية للجيل الجديد"، الذي اكتشفَ منه وجهاً مشرقاً في إحدى ندواته الأخيرة في مصر، التي جرى عنها الاعتقاد أنَّها انطفأتْ وانكفأتْ، ودخلتْ في نومٍ سباتي، لكنَّه اكتشف جيلاً جديداً يحدوه نشاطٌ حثيثٌ ورؤيا مشرقة تجاه وطنه، وراقه شوقهم إلى المعرفة والتواصل، وأسِف على تغييب أسماء مفكرين وفلاسفة وكتَّابٍ مشهوداً لهم بعمق الفكر وغنى المعالجة.
***
عبد اللطيف الحاج اقويدر
كاتب جزائري
..................
* كتاب: ثناء على الجيل الجديد، تأليف: د. عبد الجبار الرفاعي. منشورات تكوين، الكويت، ودار الرافدين، بيروت. ط1، 2024.