الإعلام والدولة وادعاء حراسة الفضيلة
ليست كل الأخطار التي تهدد المجتمعات قادمة من جماعات التطرف الديني، وليست كل أشكال تخريب الوعي ترتدي ثياب الأيديولوجيا أو تتحدث بلغة التكفير والتحريم. فثمة خطر آخر لا يقل تأثيرا، وربما يتسلل إلى الوعي الاجتماعي بصورة أكثر نعومة واتساعا
خطر يصنعه الخطاب المنفلت، واللغة العدوانية، وتحويل الإهانة إلى وسيلة للحضور، والشتيمة إلى أداة لإثبات القوة والنفوذ.
ومن هنا تبدو ظاهرة المستشار الشتام المنتشر بالإعلام هذه الأيام جديرة بالتوقف والتأمل، ليس بسبب خلافاته الشخصية، ولا بسبب معاركه المتكررة مع خصومه، وإنما بسبب ما يطرحه خطابه العلني من أسئلة تتعلق بمستوى اللغة التي نقبل أن تتصدر المجال العام، وبالمعايير التي نمنح على أساسها بعض الشخصيات حق التأثير في وجدان المجتمع.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الشتيمة إلى خطاب، والتشهير إلى وسيلة للتعبير والإهانة إلى بديل عن الحجة، وعندما يصبح الصراخ أعلى قيمة من العقل، ويصبح الانتصار في المعركة اللفظية أهم من الوصول إلى الحقيقة
والأخطر من صاحب الخطاب نفسه هو الأثر الذي يتركه في المتلقين؛ فالمجتمع لا يتعلم من الكتب وحدها، ولا تتشكل أخلاقه من المناهج الدراسية والخطب الرسمية فقط، بل يتعلم أيضا من الشخصيات التي يمنحها حضوره الإعلامي والجماهيري مساحة واسعة من التأثير
لا اتحدث عن مجرد ألفاظ نابية تخرج في لحظة غضب، وإنما عن نمط من الخطاب العام يضعف الحدود الفاصلة بين الاختلاف والعدوان، وبين النقد والإذلال، وبين حرية التعبير وانتهاك كرامة الآخرين.
كيف نطالب أبناءنا باحترام الآخرين، ونعلمهم أن الاختلاف لا يبرر الإهانة، ثم نترك المجال العام مفتوحا أمام نماذج تجعل من الإهانة مادة للفرجة، ومن الخصومة الشخصية عرضا جماهيريا يوميا
أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع هو أن يفقد حساسيته تجاه القبح، وأن يعتاد اللغة العدائية حتى لا تعود تثير استغرابه، وأن تصبح الشتيمة مشهدا عاديا، بل مادة للضحك والتداول والإعجاب أحيانا.
لقد واجهنا طويلا خطاب التطرف الذي يحتكر الحقيقة باسم الدين، ويصادر حق الآخرين في الاختلاف، ويقسم المجتمع إلى معسكرات متناحرة. لكن مواجهة هذا التطرف لا تكتمل إذا تجاهلنا أن هناك أشكالا أخرى من الاستبداد تمارس سلطتها باللغة، وتفرض حضورها بالصراخ، وتتعامل مع المختلف باعتباره خصما ينبغي سحقه لا إنسانا ينبغي احترامه.
هل يجوز أن تتحول كرامة الإنسان إلى ثمن تدفعه القنوات مقابل نسب المشاهدة؟
لماذا تبدو الدولة عاجزة عن وضع حدود واضحة لهذه الظاهره؟
لماذا لا تتحول القواعد المهنية والقانونية إلى ممارسة مؤسسية مستقرة ومتسقة؟
لماذا ينصب هذا الشخص نفسه حارسا للفضيلة و قاضي على ضمائر الناس؟
كيف يمكن للإنسان أن يقدم نفسه باعتباره مدافعا عن الأخلاق والقيم، بينما يتضمن خطابه العلني، في مناسبات موثقة، ألفاظا وإهانات تتعارض مع أبسط قواعد الاحترام الإنساني؟
انتشار هذا النمط من الخطاب واستمراره يستحقان المساءلة
من يجيب على هذه الأسئلة؟؟
مصر التي نحلم بها لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى مزيد من العقول التي تعرف كيف تفكر وتختلف وتحاور
***
ابتهال عبد الوهاب








