دافعُ الإنسانُ أحيانًا بكلّ حزمٍ وشراسةٍ عن عالمٍ نسجَ معه ألفةً وتناغمًا وانسجامًا، وإن كان ذلك العالمُ سجنًا، وليس بالضرورة ذا قضبانٍ أو حراس.
إنما هو سجنٌ من صنع يديه؛ جدرانُه من التوقُّعات المكرَّرة، وسقفُه من الخوف العميق من المجهول، وأرضيته من قناعةٍ خاطئةٍ مفادُها أنَّ:
«الألم المعهود أهون من الأمل الذي قد يخيب»
يُسمِّي القيودَ عاداتٍ، والخنوعَ صبرًا، والجمودَ استقرارًا. يُدافع ليحمي توازنه النفسي من الانهيار؛ فيحوِّله في وعيه إلى مكانٍ يألفه، ويشعر فيه بأنَّه موضعُ ترحيبٍ لا نفي.
ليُصبحَ هوَ نفسَهُ جزءًا من جدرانه، لا يَعرِفُ أين تنتهي الزنزانة وأين يبدأ هو. فيرسم ابتسامةً مُتقنةً لا ترتجف في وجوهٍ تنبضُ نفوسُها بالسموم؛ لا لأنَّه لا يراها، بل لأنَّه أدركَ مبكرًا أن مواجهةَ السموم تتطلَّبُ طاقة ومواجهة قد لا يكون مستعدًا لدفع ثمنها، ويُغدقَ التسامحَ على من لا يستحقُّه؛ ليس كرمًا، بل هروبًا من خيبةٍ ستكون أشد وقعًا من الصمت.
ويتحمَّلُ عبءَ عملٍ ينهك الجسدَ والروحَ معًا؛ كل يومٍ يُعطيه جزءًا من عمره، ولا يسترد منه سوى ما يكفيه ليُكرِّرَ نفسَ الشيء غدًا.
يُسمِّي راتبهَ أمانًا، وروتينه نظامًا، ويقول لنفسه: «لو غامرتُ لربما خسرتُ هذا القليل»
لا يدرك أن أكثرَ ما خسره هو الجرأةُ على أن يكونَ غيرَ ما هو مُتوقَّعٌ منه أن يعيشَ لا ليأكلَ وينامَ فقط، بل ليُحِسَّ أنّ للحياة معنىً يتجاوزُ السقفَ الذي اعتادَه.
ويُطيل النقاشَ مع فكرٍ منغلقٍ جامدٍ، لا حفنة هواء يأتي من غرفه يأتي منه ولا نقطة واحدة من نور الشمس تضيء ظلمته .
يمضي في الجدال ساعاتٍ وأيامًا، يحاول أن يبني جسرًا من المنطق فوق هاويةٍ لا قاعَ لها.ليقنعَ الطرفَ الآخر، ويقنعَ نفسَهُ، أنَّ وقته لم يضعِ سُدًى، وأن هناك أملًا ولو بعيدًا.
وحين يفشل، لا يُعترف بالهزيمة؛ بل يُعيد تفسيرَ الهزيمةِ لتصبحَ صبرًا على تغييرٍ بطيءٍ وقد تحدث المُعجزة.
هو لا يعلم أنَّ الأبوابَ المُغلقةَ من الداخل لا تُفتحُ من الخارج بحسن النوايا، أو الدعاء والابتهال.
في كلّ هذه الحالات، يتحول الوعي؛ الذي كان من المفترض أن يكون بوصلةَ التحرُّرِ؛ إلى مخدرٍ ذاتيٍّ يحقنه في عروقه كلّ يوم . يُعيد طلاءَ الجدران بألوانٍ يختارها بعناية؛ لونُ الأمل الزائف، لونُ الطمأنينة المُستعارة، لونُ: «كلُّ شيء على ما يرام».
يُزيِّن القيودَ حتى تُشبه الحُليّ، ويغنِّي في الظلام حتى لا يسمعَ صوتَ السكوت الذي يملأ المكان.
كالطائر السجين بين قضبان قفصه، حين يرقب طائرًا آخر يحلِّق في رحابة السماء، فيقول في نفسه، بكل يقين: «مسكينٌ هذا الطائر... لقد جُنَّ».
ليس دفاعه هذا مجرَّد درءٍ للشعور بالنقص أو الحسرة، بل لأنَّ قفصه يقيهٍ من قسوة العالم الخارجي؛ يضمن له الأمان والبقاء، ويؤمِّن له طعامًا وحمايةً من المفترسات. عالمٌ محدود المساحة، لكنّه معلوم التفاصيل، لا تُفاجئه فيه طارئة، ولا يتهدِّدهُ فيهِ ما يجهل عواقبه.
لقد برمج عقله على أنَّ السعي إلى التغيير أو الخروج من القفص عبثٌ لا طائل منه، وقد يجلب ألمًا أشدَّ وجعًا ووطأة. وخوفًا من المغامرة في المجهول، يرى في الحرية خطرًا لا يُحتمل، وفي انعدام الاستقرار هلاكًا محقّقًا. يقنع نفسه، كل صباح، بأن البقاء في القاع أكثر أمانًا، ويتَّخذ من احتمال السقوط ذريعةً كي لا يحاول النهوض أصلًا.
ولا يُلام على اختياره؛ فالحرية مسؤولية جسيمة، وليست كل النفوس مهيَّأةً لتحمُّل كلفتها. لذا، يفضِّلُ دفءَ القضبان التي ألِفها على رحابة الفضاء التي تُرْبكه.
القفص يمنحه أمانًا لا يحتاج فيه إلى الطيران، والسماء تمنحه حريةً لا تضمن له ألَّا يسقط. هناك، دفءٌ يُنسيه القضبان؛ وهنا، اتِّساعٌ يُذكّره بأنّ الطيران مسؤوليته، وأن السقوط ثمنٌ محتمل للأجنحة.
ربما المفارقة الأشدّ مرارةً أن الإنسان لا يكتفي باختيار قفصه، بل قد يُمضي عمره في توسيعه وترميم قضبانه، كي لا يضطرَّ يومًا إلى السؤال عمَّا ينتظره خلفها.
وحين يكتمل القفص على مقاسه، قد يظنُّ أنَّه صمَّم لنفسه بيتًا، لا سجنًا. فليس كلُّ قفصٍ يحتاج إلى مفتاح، ولا كلُّ بابٍ مفتوحٍ يعني أنَّ أحدًا سيعبره. بعضُ القضبان تسقط من حولنا، وتبقى قائمةً في داخلنا.
ربما المفارقة الأشدّ مرارةً أن الإنسان لا يكتفي باختيار قفصه، بل قد يُمضي عمره في توسيعه وترميم قضبانه، كي لا يضطرّ يومًا إلى السؤال عمَّا ينتظره خلفها. وحين يكتمل القفص على مقاسه، قد يظنُّ أنَّه صمَّم لنفسه بيتًا، لا سجنًا. فليس كلُّ قفصٍ يحتاج إلى مفتاح، ولا كلُّ بابٍ مفتوحٍ يعني أنَّ أحدًا سيعبره.
بعضُ القضبان تسقط من حولنا، وتبقى قائمةً في داخلنا.
***
عبد الحق طوع - مدريد








