لتغيير بنية الجامعة ودورها الوظيفي
تبوأت الجامعة منذ قدم الزمان مكانة الصدارة في المجتمعات؛ إذ تُعدّ مركز إشعاع لكل جديد في الفكر والمعرفة، بل المنبر الذي تنطلق منه أفكار العلماء وتتبلور فيه آراء المفكرين الأحرار ورواد التنوير والتطور والتغيير. كما تتضمن رسالة الجامعة المعاصرة متابعة مسيرة الفكر الإنساني، والاستفادة من كل جديد في حقول العلوم والمعارف، والاستثمار الأمثل لطاقات منتسبيها من أساتذة وطلاب في خدمة المجتمع وتنميته.
لذا، أصبحت الجامعة ضرورة أساسية من ضرورات الحياة المعاصرة وتطورها، وتتمثل هذه الضرورة في التحول الذي لا بد أن يصاحب برامجها الاستراتيجية، ووظائفها، ومستوى انتشارها. وتحتل الجامعة دوراً أساسياً وملحاً في مواجهة تحديات العصر ومتطلباته، من خلال نشر المعارف وتوسيع آفاقها وتخصصاتها لاستقبال الأجيال الشابة لمواكبة التحديث والتطور العالمي، بوصفها أداة رئيسية للتنمية من خلال ارتباطها الوثيق بالمجتمع وتلبية احتياجاته عبر إنتاج المعرفة.
يمكن القول إن النظرة التقليدية للجامعة قد تغيرت جذرياً؛ فلم تعد محصورة في الأبعاد التعليمية والبحثية فحسب، بل اتسعت لتشمل خدمة المجتمع وتطلعاته، والمساهمة الفاعلة في حل المشكلات الناجمة عن التغيرات الاجتماعية، والثقافية، والعلمية، والسياسية، محلياً وعالمياً. ومن هنا، أصبحت الجامعة أرقى مؤسسات المجتمع وأهمها، بوصفها حاضنة للخصائص العلمية والثقافية والاجتماعية التي تتجاوز مجرد التدريب المهني إلى المساهمة الفاعلة في التغيير المجتمعي، عبر تخريج أجيال شابة تحمل مشروع التغيير، إذا ما تشبعت بمعاني الحرية والفكر العلمي، وزودت بالمعارف والمهارات التي تمكنها من تحليل الظواهر ومعالجتها نحو التحول الإيجابي.
وعليه، فقد اتسعت وظائف الجامعة اليوم، مما يلزمها بالخروج من دائرة الرتابة وعقم التقاليد لتمتد أنشطتها إلى المجالين المجتمعي والمعرفي (العلمي). ففي المجال المعرفي، تقع عليها مسؤولية التفاعل المستمر مع أحدث منجزات العلم عالمياً وتوظيفها في التجديد والتطوير؛ وفي المجال المجتمعي، يتصل دورها بتصدر المشهد الريادي والتنويري في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بوصف التعليم العالي أداة جماهيرية فعالة قادرة على احداث الحراك الإيجابي. إن تلبية الاحتياجات العاجلة للمجتمع وتوجيهه نحو المستقبل تُعدّ من أولى مهام المؤسسة الجامعية التي تسهم بصورة علمية ومنهجية في تشكيل بنية الوعي الاجتماعي والثقافة النقدية، وتقديم الرؤى والبدائل العلمية الناجعة.
إلا أن المتأمل لبرامج التعليم العالي في جامعاتنا الوطنية يلاحظ أنها ما زالت بعيدة كل البعد عن هذه الصورة المثالية؛ فلم تكن جامعاتنا يوماً وسيلة حقيقية للتغيير، بل إن نمطية التعليم والإدارة فيها تعمل - للأسف - على إعادة صياغة الفكر دون تغييره، بمعنى أنها تسهم في تكرار إنتاج السائد بدلاً من توجيه العقول نحو استكشاف الجديد.
ولاحظوا هنا كيف تعتمد سياسات القبول الجامعي أدنى المعدلات لدخول الطلاب الأقسام والكليات الإنسانية والاجتماعية، ككليات الآداب والحقوق والتربية، رغم أن الأخيرة تتحمل مسؤولية إعداد جيل المعلمين لمرحلة ما قبل الجامعة (التعليم الأساسي والثانوي)، ومن ثم فإن إشكالية التعليم الجامعي مرتبطة وثيقاً بخلل المنظومة التعليمية برمتها. كما أن طرائق التدريس والتقويم ما زالت أسيرة لأسلوب التلقين المكرس في التعليم المدرسي والجامعي على حد سواء، إذ تخلوا البرامج من الأسلوب الحواري والفكري الذي يحفز الطلاب على الابتكار والمبادرة وإبداع الحلول غير المسبوقة.
علاوة على ذلك، تركز كثير من برامج التعليم على المحتوى التقني والنفعي البحت على حساب التفكير الإبداعي العقلاني. فنلاحظ حصر الاهتمام بالأقسام العلمية والتقنية وتفضيل الطلاب المتميزين لها، وهو اتجاه يبدأ مبكراً في المرحلة الثانوية ويؤدي إلى إقصاء المواد المحفزة على التفكير كالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وعدم إدراجها ضمن المتطلبات العامة للجامعة كما هو متبع في الجامعات العريقة عالمياً. ولسنا ندري ما مبرر غياب العلوم الاجتماعية مثل الفكر التربوي، والفلسفة، وعلم الاجتماع كمتطلبات جامعية عامة؟ فالتعليم الحقيقي هو الذي يحرر القدرات الذهنية والإبداعية، ويهتم بالجانب الوجداني والاجتماعي إلى جانب المعرفة التقنية. وكثيراً ما نجد الطالب المتفوق دراسياً يفتقر إلى مهارات التواصل وخلق العلاقات الاجتماعية، وحين يتخرج يتحول إلى مجرد موظف نمطي عابر لا يترك أثراً فكرياً أو مجتمعياً واضحاً.
إن التوسع الكمي في إنشاء المؤسسات التعليمية، وتعدد الوزارات والهيئات المعنية بالتعليم، وحركة الاستثمار النشطة في التعليم الخاص والأهلي التي تفتقر غالباً إلى أبسط المعايير الأكاديمية والالتزام بالمناهج، لم تحدث أي نقلة نوعية منشودة. ومن هنا تبرز ضرورة إعادة النظر في برامج التعليم الجامعي وربطها بمتطلبات المجتمع المادية والمعنوية، وتوجيه أبحاث طلاب الدراسات العليا نحو حل مشكلاته الراهنة.
فالمتأمل لكشاف الرسائل والأطاريح العلمية في مكتبات الدراسات العليا – كجامعة عدن مثلاً – يلاحظ أن غالبية الأبحاث تتناول سيرة شعراء وأدباء عاشوا في قرون خلت، أو مشكلات مجتمعية بعيدة عن الواقع الراهن (كجنوح الأحداث في بلغاريا، أو تسرب التلاميذ في روسيا، أو الحركة العمالية في نيكاراجوا، أو الدمقرطة في ألمانيا... إلخ)، وهي أبحاث غير مترجمة ولا ذات صلة مباشرة ببيئتنا المحلية. ويعود ذلك إما لغياب التوجيه والإشراف الأكاديمي الحقيقي، أو للتخلف الإداري والتقني السائد، مما يبتسر الدراسات العليا لتصبح مجرد وسيلة شكلية للحصول على الشهادة أو مكافأة مالية للمشرف.
تتفاقم هذه الإشكالات بتناقضات إدارية صارخة، تمثلت في تولي أكاديميين مناصب قيادية (كعمادة الكليات) بتخصصات بعيدة كل البعد عن طبيعة تلك الكليات (مثل تكليف متخصص في الحقوق عميداً لكلية التربية)، إضافة إلى تدريس مواد تخصصية خارج نطاق التخصص العلمي للمدرس، وذلك في ظل غياب المعايير الأكاديمية الصارمة واعتبار المحسوبيات والولاءات جانباً في التعيين وتوزيع المدرسين.
إن هذه المعطيات تفرض علينا سؤالاً مشروعاً: فهل يحق لنا أن نتساءل عن مآلات التعليم في جامعتنا؟ وهل آن الأوان لمراجعة جذرية جادة ببعديها العلمي والموضوعي؟
إن الإجابة تضعنا أمام مسلمة لا محيد عنها: لا بديل عن التغيير الجذري والشامل لهذه المؤسسة العريقة.
***
أ. د. فضل عبد الله الربيعي
أستاذ علم الاجتماع - كلية الآداب / جامعة عدن / اليمن








