نحو تأسيس عقلاني للتعددية الداخلية
تستند دراسة ظاهرة الصراع والصلح داخل المجتمع الواحد -لا سيما في الكيانات التي تقاسمab الذاكرة والمصير المشترك واكتوت بنيران الانقسامات البينية الحزبية والقومية على مدى عقود - إلى ضرورة تفكيك البنى التحتية للتفكير السياسي والأخلاقي السائد. فالتاريخ المعاصر للحركات والقوى السياسية لم يكن سوى مرآة لصدام إرادات تتغذى على وهم احتكار الحقيقة المطلقة، مما أفضى إلى تكريس "عصبيات حزبية" وأيديولوجيات استئصالية تعاملت مع الآخر كخطر وجودي يجب محوه لا كشريك تفاوض يجب الاعتراف به. من هنا، لا يمكن لأي مشروع تسوية سياسية أو مصالحة مجتمعية أن يكتب له النجاح أو الاستمرار ما لم يستند إلى أرضية فلسفية وأخلاقية صلبة تعيد هندسة المفاهيم المؤسسة للرابطة الاجتماعية. إن الانتقال من ثقافة "الإلغاء المتبادل" إلى ثقافة "التفاوض العقلاني" يتطلب أولاً وقبل كل شيء تقويض الجذور الفلسفية للتعصب، وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه كائناً عاقلاً وحراً قادراً على صياغة العقد الاجتماعي من جديد عبر حوار الند للند، بعيداً عن منطق الغلبة والهيمنة والاستقطاب الأعمى.
الجذور الفلسفية للتسامح: من حتمية الاختلاف إلى عقلانية القبول
يمثل الانتقال من حالة "الاختلاف الوجودي" إلى "قبول الآخر عقلانياً" المنعطف الأبستمولوجي والأخلاقي الأهم في تاريخ الفكر السياسي الحديث. فمن الناحية الأنطولوجية، يُعد التنوع البشري والتعدد الفكري والقومي والسياسي حتمية لا رجعة فيها؛ غير أن الإشكالية التاريخية لم تكمن أبداً في أصل الاختلاف ذاته، بل في كيفية مقاربته وتأويله داخل النسق المجتمعي الواحد. لقد تعامل الفكر الاستبدادي والتعصبي دائماً مع هذا التنوع بوصفه "خطيئة" أو انحرافاً ينبغي استئصاله، بينما ينطلق التأسيس الفلسفي للتسامح من إعادة اعتبار جذرية تنظر إلى التعدد بوصفه الشرط الأساسي لحيوية العقل البشري وتطور المجتمعات.
وفي هذا السياق التأسيسي، شكلت أطروحات الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (John Locke)، خصوصاً في إسهاماته حول التسامح، ثورة مفاهيمية كبرى نقلت مفهوم التسامح من دائرة "المنة السياسية" أو "الهدنة المؤقتة" التي تمنحها السلطة وفق أهواءها، إلى دائرة الواجب العقلي والحق الإنساني الأصيل. لقد أدرك لوك بعمق استحالة إكراه الضمائر أو فرض القناعات الفكرية والسياسية بالقوة المادية، لأن الإيمان أو الولاء الفكري والسياسي هو فعل باطني وعقلي حر لا يولد في أروقة الإكراه ولا يُستتب بالقمع القانوني أو الأمني. وعند إسقاط هذه المقاربة على واقعنا المجتمعي والسياسي المعاصر -حيث تتصارع الأحزاب والقوى والتيارات ضمن الفضاء القومي والوطني الواحد- فإن أطروحة لوك تقدم لنا مبرراً عقلياً قاطعاً يفيد بأن محاولة إقصاء الآخر أو فرض رؤية حزبية أو قومية أحادية بالقوة هي خرق سافر لطبيعة العقل الإنساني وشرود عن العقلانية السياسية.
غير أن هذا التأسيس الكلاسيكي لجون لوك وجد صداه النقدي والساخر في أطروحات فولتير (Voltaire)، الذي رفع لواء المعركة ضد التعصب الأعمى واحتكار الحقيقة المطلقة. لم يكن دفاع فولتير عن التسامح مجرد تنظير بارد، بل كان صرخة وجودية في وجه العقل المتكلس الذي يحول الخلاف الفكري إلى حرب إلغاء شاملة. يقرر فولتير أن البشر كائنات خطاء بطبيعتها، ولذلك فإن الخطأ الأول للتعصب يكمن في توهم العصمة واحتكار اليقين. وعند تطبيق هذه الرؤية على تاريخنا الحزبي والسياسي الممتد لنحو قرن من الصراعات العبثية، نكتشف أن الآفة الكبرى التي مزقت النسيج الاجتماعي لم تكن سوى استبداد اليقين الحزبي والتعصب الأيديولوجي الذي يرفض مجرد الاعتراف بوجود الآخر، ناهيك عن محاورته.
من هنا، لا يعود التسامح في هذا الفصل مجرد قيمة أخلاقية مسالمة أو ترفاً فكرياً، بل يتحول إلى "عقلانية قبول" صارمة؛ عقلانية تدرك أن بقاء المكونات والأحزاب وتماسك المجتمع الواحد مرهون بالانتقال من منطق "الحرب الاستئصالية" إلى منطق "الاعتراف المتبادل بحق الاختلاف". فالقبول العقلاني للآخر هو التجسيد الحق للوعي التاريخي الناضج الذي يتعلم من جراح الماضي ليصوغ عقداً اجتماعياً جديداً، يصبح فيه الاختلاف الحزبي أو القومي غنىً حضارياً لا مبرراً للتمزق والإبادة المعنوية.
فلسفة الاعتراف عند أكسل هونيث: تجاوز التسامح السلبي إلى العدالة الهوياتية
على الرغم من الأهمية الكبرى للتأسيس الكلاسيكي لمفهوم التسامح عند لوك وفولتير، إلا أن الاكتفاء به في المعالجات السياسية والاجتماعية المعاصرة قد يوقعنا في فخ "التسامح السلبي"؛ وهو تسامح غالباً ما يُمارس بنوع من التعالي أو التحمل القسري، حيث تنظر جهة نافذة أو حزب مهيمن إلى الآخر باعتباره عبئاً يجب تحمله شريطة صمته، لا شريكاً أصيلاً في صياغة المجال العام. ومن هنا تبرز الحاجة الماسة للانتقال إلى مستوى أعمق وأكثر رصانة، وهو ما تقدمه "فلسفة الاعتراف" (The Theory of Recognition) عند الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني أكسل هونيث (Axel Honneth)، أبرز ممثلي الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت النقدية.
ينطلق هونيث من أطروحة مركزية مفادها أن الصراعات المجتمعية والسياسية الكبرى لا تنشأ فراغاً، ولا تفسرها وحدها المصالح الاقتصادية المادية الصرفة، بل تغذيها في عميق جوهرها "معاناة الازدراء" (Pathologies of Recognition)؛ أي ذلك الشعور الدفين والمستميت بأن الهوية، أو الحزب، أو التيار، أو المكون القومي يتعرض لتهميش ممنهج، أو إنكار لمكانته، أو استخفاف بتاريخه ونضالاته. وحين تتعرض جماعة بشرية أو حزب سياسي عريق لتجربة الازدراء أو الإقصاء الاعتباري، فإن ردة فعلها لا تكون مجرد غضب عابر، بل تحولاً نحو صراع وجودي عنيف تدافع فيه عن كرامتها وبقائها المعنوي والمادي.
ولتحليل هذا البعد، يؤسس هونيث نظريته على ثلاثة أبعاد أساسية للاعتراف، تنعكس بوضوح على بنية الصلح والتفاوض داخل المجتمع الواحد:
البعد الأول: الدعم القانوني والمساواة الحقوقية
لا يمكن لأي تسوية داخلية أن تستقيم إذا شعر أي طرف بأنه مواطن أو شريك من الدرجة الثانية. يتطلب الاعتراف القانوني هنا إقراراً دستورياً ومؤسسياً بحقوق جميع الأطراف المتنازعة (سواء كانت أحزاباً سياسية، أو تيارات فكرية، أو مكونات قومية)، بحيث يُنظر إلى الجميع باعتبارهم متساوين أمام القانون وفي الفضاء العام، دون استئثار بالسلطة أو احتكار لشرعية تمثيل الوطن.
البعد الثاني: الاحترام الأخلاقي للذات
يتعلق هذا البعد بالاعتبار المعنوي؛ فلكل جماعة سياسية أو قومية رصيدها النضالي وتاريخها الذي يجب احترامه. إن محاولة تشويه الخصم الحزبي أو التبرير لإلغائه وتخوين رموزه التاريخية هو تدمير مباشر لشروط التفاوض. الاحترام الأخلاقي يلزم الأطراف بالتعامل مع الخصم كذات عاقلة ومسؤولة، لا كعدو وجودي يجب محوه.
البعد الثالث: التضامن الثقافي والسياسي والتقدير الاجتماعي
وهو البعد الأعمق الذي يعالج جذور الأزمة البينية؛ حيث يكتسب الأفراد والجماعات شعوراً حقيقياً بقيمتهم عندما تجد خصوصياتهم الثقافية والفكرية والسياسية تقديراً وإسهاماً فاعلاً في بناء المجتمع. التضامن هنا يعني أن تنوع الأحزاب والتيارات ليس عيباً بنيويّاً، بل هو "رأسمال رمزي" يغني التجربة الديمقراطية المشتركة.
وعند إسقاط نظرية هونيث على واقعنا الحزبي والسياسي، الممتد لعقود من الصراعات والتقاطعات المريرة في العراق وعموم منطقة الشرق الاوسط، يتضح جلياً أن فشل محاولات الصلح السابقة كان ناتجاً عن اختزالها في "تسويات فوقية" هشة وصفقات سياسية تكتيكية، تفتقر إلى العدالة الهوياتية. فحين نستحض الذاكرة السياسية العراقية، وما تلاها من مخاضات وتقاطعات بين القوى الوطنية والقومية والإسلامية، وصولاً إلى تعقيدات المشهد الكردستاني بصراعاته البينية التاريخية وتفاعلاته الإقليمية الممتدة من إشكاليات سلاح حزب العمال الكردستاني وتجربة الحركة في سوريا، وصولاً إلى الفراغ المستدام ومخاطر الانهيار في الإقليم والمنطقة، نرى بوضوح كيف تكلست هذه الأزمات نتيجة غياب الاعتراف المتبادل. إن الصلح الحقيقي والعميق لا يتحقق إلا برد الاعتبار للآخر المغاير، والاعتراف بأن أمن واستقرار المجتمع الواحد لا يقوم على إلغاء الذاكرة أو محو المخالف، بل على بناء منظومة متكاملة من الاعتراف المتبادل، تصبح فيها الاختلافات الحزبية والقومية رافداً للتكامل لا مبرراً للاقتتال والتمزق، لتتحول تلك الجغرافيا الملتهبة من حقل حروب استئصالية إلى فضاء رحب للسلام والعيش المشترك.
3. أخلاقيات الحوار والتواصل عند يورغن هابرماس: أفق التوافق العقلاني إذا كانت الجذور الفلسفية للتسامح قد وضعت الأساس الأخلاقي لتقبل الاختلاف، وفلسفة الاعتراف عند هونيث قد عالجت جروح الكرامة والازدراء الهوياتي، فإن الانتقال من التأملات النظرية إلى الممارسة الفعلية للصلح والتفاوض يتطلب هندسة إجرائية دقيقة للكيفية التي يتواصل بها البشر. وهنا تبرز مساهمة الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas)، أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت المعاصرة، من خلال مشروعه الرائد في "نظرية الفعل التواصلوي" (Theory of Communicative Action) وأخلاقيات المناقشة.
ينطلق هابرماس من نقد جذري للعقلانية الأدواتية أو البراغماتية الضيقة، التي تسيدت التاريخ السياسي والحزبي الحديث، حيث يُنظر إلى الحوار لا باعتباره أداة للفهم، بل كوسيلة للهيمنة والسيطرة وإفحام الخصم. يرى هابرماس أن العقل البشري في جوهره ليس عقلاً أحادياً منغلقاً على ذاته، بل هو "عقل تواصلوي" يتجلى بوضوح عندما يتوجه الأفراد والجماعات نحو التفاهم المتبادل لا نحو فرض الإرادات. وفي بيئة الصراع الداخلي -حيث تتحكم العصبيات الحزبية والذاكرة الجمعية المشحونة بندوب الصراعات الممتدة لعقود- تنغلق الأطراف غالباً داخل "مونولوجات" استئصالية تعطل لغة العقل وتستبدل بها لغة القوة والتعبئة الإعلامية الهادفة إلى الإلغاء.
لتجاوز هذا المأزق، يطرح هابرماس مفهوم "موقف الكلام المثالي" (Ideal Speech Situation)؛ وهو نموذج معياري تخيلي ولكنه ضروري لتنظيم أي عملية صلح أو تفاوض ناجحة. يشترط هذا الموقف توفر شروط تواصلية صارمة تضمن نزع فتيل الهيمنة، وتتمثل في:
- تكافؤ فرص الخطاب: ألا يحتكر طرف سياسي أو حزبي نافذ المنبر لوحده، بل يُمنح الجميع حق الكلام وطرح الرؤى دون وصاية أو استعلاء.
- التحرر من الإكراه: أن تُدار طاولة الصلح بمعزل عن الضغوط المادية، أو التهديدات الأمنية، أو الابتزاز السياسي والإعلامي، بحيث يكون الحاكم الوحيد هو قوة الحجة لا حجة القوة.
- الصدقية وقصدية التفاهم: أن يتجه المتفاوضون إلى طاولة الحوار بنية صادقة للوصول إلى حقيقة مشتركة ومصلحة عليا، لا بهدف تسجيل النقاط أو خداع الخصم.
وعند إسقاط هذه البنية الفلسفية على واقعنا الحزبي والسياسي المعقد - سواء على مستوى القوى الوطنية والداخلية، أو في امتداداتها الإقليمية المأزومة - فإن مقاربة هابرماس تقدم لنا التشخيص والدواء معاً. إن الأزمات المستحكمة والحروب الإعلامية العبثية ما هي إلا نتيجة لانهيار الشروط التواصلية العقلانية. وبناءً عليه، فإن الصلح والتفاوض الحقيقيان لا يتحققان عبر صفقات الغرف المغلقة أو التوازنات الهشة المؤقتة، بل يتطلبان تأسيس فضاء عمومي ديمقراطي حُر، يتحول فيه "صراع الأحزاب والعصبيات" المهدِم إلى "صراع فكري عقلاني" من أجل السلام، تُصاغ فيه الإرادة المشتركة على أساس التراضي، ليغدو الحوار هو الملاذ الأخير لإنقاذ المجتمع من أتون التمزق المستدام.
***
ئاريان علي








