قضايا
عبد الحسين الطائي: الإنسان في فلسفة الفارابي للدكتور إبراهيم العاتي
عرض المجلد الأول (208) من موسوعة الموسم الهولندية، إسهامات د. إبراهيم العاتي البحثية التي تضمنت العديد من مجالات المعرفة، ومشاركاته في المؤتمرات والندوات وحصيلة إنتاجه الفكري والتأثير الثقافي ودوره في إعادة قراءة التراث بمنهجية حديثة عكست طبيعة مشاريعه البحثية وشبكة علاقاته العلمية المعرفية الأمر الذي جعله يُصنّف ضمن الأكاديميين الموسوعيين.
أَمّا المجلد الثاني، الذي أشرف على تحريره وتوثيقه الأُستاذ محمد سعيد الطريحي رئيس تحرير الموسوعة، فقد خُصِص لأبرز مؤلفات د. العاتي، مع رؤية موضوعية إلى أهمية نتاجه العلمي وتأثيراته في الحقول البحثية المختلفة للأجيال الجديدة من الباحثين، التي تُظهر التوازن بين النزعة التأملية الذاتية والرغبة في تقديم شهادة معرفية راقية تؤكد بأن التكوين الموسوعي لم يكن نتيجة تراكم معرفي عشوائي، بل نتاج رؤية منهجية واعية تسعى إلى بناء معرفة متطورة تتداخل فيها عناصر التوثيق العلمي والتحليل المنهجي والتأمل الذاتي ومدى أهمية طروحاته الفكرية في كيفية التفاعل مع التيارات الفكرية المختلفة في إطار بنية معرفية حديثة قادرة على التعامل مع الظواهر الاجتماعية والثقافية المعقدة.
اتسمت مؤلفات العاتي بأهمية تحقيق التوازن بين الوفاء للتراث الفكري والانخراط في أسئلة الحاضر، فهي لا تتعامل مع التراث بروح جامدة، بل باعتباره مخزوناً معرفياً قابلاً لإعادة القراءة، لذلك نجد في كتاباته دعوة إلى تجديد أدوات الفهم والتأويل بإطار خطاب معرفي يواكب التحولات الاجتماعية والفكرية. والتحليل النقدي لديه لا يقتصر على مراجعة الأفكار السائدة، بل يمتد إلى مراجعة آليات التفكير ذاتها، مما جعل مؤلفاته أقرب إلى مختبر فكري تتفاعل فيه المفاهيم ويتم صياغتها باسلوبه الذي امتاز بلغة تجمع بين الدقة العلمية والثراء البلاغي. والنص مشحون بالمصطلحات الدقيقة لديه دون أن يفقد سلاسته التعبيرية، بحيث تُظهر كتاباته مهارة في توظيف البلاغة لخدمة الفكرة.
تضمن المجلد الثاني ثلاثة مؤلفات مهمة للدكتور إبراهيم العاتي، أولها: (الإنسان في فلسفة الفارابي)، الذي يُعدّ قراءة فلسفية منهجية لفكر الفارابي الذي تميز بطابعه الإنساني (أهم ما يميز الفارابي عن غيره من الفلاسفة، هو الطابع الإنساني الذي طَبَعَ به فلسفته، حيث لا يخلو فيها باب واحد من اهتمامٍ بالإنسان أو تحليل لسلوكه ومعاشه وعلاقته بالأغيار)، العاتي، المقدمة ص22. الكتاب عمل موسوعي صدر عام 1998م عن دار النبوغ للطباعة والنشر في بيروت، سعى العاتي من خلاله إلى إبراز دور الفلاسفة في تعظيم قيمة الإنسان كمعجزة إلهية كبرى، مؤكداً بأن الفارابي أهم الفلاسفة المسلمين الذين انخرطوا في فهم الإنسان وموقعه في الكون والفكر الإسلامي من خلال مقاربة شاملة لرؤية الإنسان في فلسفته، من كل الأبعاد العضوية والنفسية والعقلية والأخلاقية والاجتماعية، بالإطارالإسلامي في فهم الإنسان ككائن مفكر وفاعل ضمن النظام الكلي للوجود.
بهذا يمكن القول بأن فلسفة الإنسان عند الفارابي مشروعاً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً في آن واحد، فهو يرى أن الإنسان لا يكتفي بالوجود البيولوجي فقط، بل يسعى إلى الكمال الفكري والأخلاقي، ما جعله كائناً اجتماعياً يعتمد على التناغم مع قيم الحقيقة والخير لبناء الحياة المثلى. لم يكتفِ الكتاب بعرض فلسفة الفارابي بشكل نظري فحسب، بل محاولة تحليلها ضمن سياقها الفكري، وفي كيفية إسهامها في بناء صورة متكاملة عن الإنسان تفوق المقاربات الأخرى في التراث الإسلامي، لأنها تربط بين العقل، والأخلاق، والسلوك الاجتماعي.
برع العاتي في تقديم إطار تحليلي رصين يرصد كيف تتأسس فلسفة الإنسان عند الفارابي على تصورات عامة عن المعرفة والوجود، مؤكداً بأن الإنسان عند الفارابي ليس عنصراً منفصلاً في النظام الفلسفي، بل هو نقطة التقاء بين ما هو نظري وعملي. لقد كشفت قراءة العاتي للإنسان في فلسفة الفارابي عن تصور للإنسان بوصفه كائناً عاقلاً، غائياً، مدنياً، متطلعاً إلى الكمال عبر المعرفة، أي الإنسان ليس مجرد موجود بين موجودات، بل هو الكائن الذي يعي نظام الوجود ويسعى إلى التشبه بأسمى مراتبه. ومن خلال هذا الوعي تتحقق سعادته القصوى (فالسعادة غاية، وكمال، وخير، بل هي أجدى الخيرات، وأقربها إلى النفس الإنسانية، وهي الغاية التي تؤثر لأجل ذاتها) العاتي: ص 226. فالكتاب نجح في إبراز الطابع التكاملي لفلسفة الفارابي، حتى وإن ظل المجال مفتوحاً لمزيد من النقد والمقارنة والتطوير.
لقد أجاد العاتي في إبراز علاقة الإنسان بالله عند الفارابي، موضحاً بأنها ليست علاقة وعظية أو تعبدية بالمعنى الفقهي، بل علاقة وجودية معرفية تقوم على التشبه بالعقل الفعّال من خلال تحصيل الكمال العقلي (الوجود والواجب والإمكان من المعاني التي تتصور لا بتوسط تصور آخر قبلها، بل هي معان واضحة في الذهن. وإن عرفت بقول فإنما يكون على سبيل التنبيه عليها لا على سبيل أنها تعرف بمعان أظهر منها)، الفارابي: تجريد رسالة الدعاوى القلبية، نقلاً عن العاتي ص77.
ذكر الفارابي أن الغاية القصوى للإنسان هي السعادة، وهذه لا تتحقق إلا باتصال العقل الإنساني بالعقل الفعّال، أي بالترقي المعرفي والأخلاقي، أي الارتقاء من القوة إلى الفعل في مراتب الإدراك، وجعل الإرادة جنباً إلى جنب مع الاختيار في تحديد طبيعة العمل الخلقي: (فالخير في الحقيقة ينال بالاختيار والإرادة، وكذلك الشرور إنما تكون بالإرادة والاختيار) الفارابي، المدينة الفاضلة، ص97، نقلاً عن العاتي: ص 230.
وأكد العاتي أن الإنسان عند الفارابي لا يُفهم إلا في إطار رؤية كونية شاملة، مؤكداً بأن العالم بنظامه التراتبي ليس مسرحاً محايداً، بل بنية ذات غاية، والإنسان جزء من هذا النظام الغائي. فالوجود عند الفارابي مشدود إلى نظام عقلي، والإنسان كائن قادر على فهم هذا النظام والانسجام معه. فتميز تحليل العاتي في ربطه بين الطبيعة الإنسانية والمدينة الفاضلة، مؤكداً بأن العالم محكوم بنظام، وكذلك الاجتماع الإنساني ينبغي أن يُبنى على نظام عقلي، وبهذا المعنى، يصبح الإنسان كائناً مدنياً بالطبع، لا يكتمل وجوده إلا في إطار جماعي منظم، غايته السعادة المتحققة عبر الفضيلة.
من أبرز معالم الكتاب منهجية تحليل العاتي لبنية النفس الإنسانية لدى الفارابي: نفس عضوية، نفس عقلية، ونفس عاقلة، من خلال عرض تقسيم الفارابي للنفس إلى قوى نباتية وحيوانية وعاقلة، مع إبراز مركزية العقل بوصفه مبدأ التميز الإنساني، مبيناً أن الإنسان ليس مجرد تركيب مادي - روحي، بل كائن يتدرج في مراتب الإدراك، من الحس إلى الخيال إلى العقل المستفاد (وللإنسان من جملة الحيوان، خواص، بأن له نفساً يظهر منها قوى بها تفعل أفعالها بالآلات الجسمانية، وله زيادة قوة بأن يفعل لا بآلة جسمانية، وتلك قوة العقل) الفارابي: عيون المسائل، نقلاً عن العاتي: ص112. لقد وظف العاتي بعض نصوص الفارابي لإظهار الإنسان بأنه يمثل ذات عقلانية تتناغم فيها الروح والعقل والمجتمع، ما يجعل فهم الإنسان لدى الفارابي شمولياً، نظرياً وأخلاقياً وسياسياً، وبذلك امتاز تحليله بالدقة في إظهار أن الكمال الإنساني عند الفارابي ليس أخلاقياً فقط، بل معرفي في جوهره.
ويرى العاتي أن نظرية المعرفة عند الفارابي تمثل محوراً جامعاً بين الإلهيات والأنثروبولوجيا، فالمعرفة ليست مجرد تمثل ذهني، بل تحقق وجودي يرقى فيه الإنسان إلى مرتبة أعلى من الكمال. وأن الإدراك يبدأ بالحس، ثم يتوسطه الخيال، لينتهي إلى التجريد العقلي، حيث يصبح العقل مستعداً للاتصال بالعقل الفعّال. وبهذا المعنى، المعرفة ليست نشاطاً منفصلاً عن الوجود، بل صورة من صور التحقق الوجودي(تنقسم المعرفة عند أبي نصر الفارابي إلى ثلاثة أقسام أو درجات هي: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، والمعرفة الذوقية أو الإشرافية. وهذا التقسيم لا يعني أن هناك انفصالاً بينها، بل هي متصلة ويكمل بعضها بعضاً) العاتي: ص 136.
يمثل كتاب العاتي جهداً أكاديمياً رصيناً في قراءة الإنسان في فلسفة الفارابي قراءة شمولية، تكشف قوة التحليل في إبراز الترابط البنيوي بين المعرفة والسعادة، وتداخل الميتافيزيقا بالأنثروبولوجيا، والمعرفة بالأخلاق، والسياسة بالوجود، وقوته الأساسية تكمن في: وحدة الرؤية المنهجية، والتحليل الدقيق للنصوص الفارابية، وإبراز مركزية الإنسان داخل النسق.
لقد أسهم مؤلف العاتي في إثراء النقاشات الفكرية عبر تقديم قراءات جديدة لموضوعات تقليدية بطرح أسئلة منهجية حول طبيعة البحث العلمي، وتعزيز الحوار بين التخصصات المختلفة. وبذلك يشكل كتاب العاتي إضافة نوعية لما يحمله من محاولة جادة لتجديد الخطاب المعرفي. ويمثل إضافة مهمة للدراسات الفارابية، لأنه قدم تحليلاً فلسفياً عميقاً لفكر الفارابي في موضوع الإنسان بعيداً عن السرد التاريخي أو التقديم السطحي. سلّط الضوء على كيفية تفاعل الفلسفة الإسلامية مع قضايا الإنسان الكبرى مثل العقل، السعادة، الاجتماع، والأخلاق. استخلص فيه القيم الإيجابية للإنسان، موضحاً رأي الفارابي كفيلسوف: بأن هناك ثلاثة أبعادٍ تحدد تصوره للإنسان هي: بُعْدٌ إلهي وكوني، وبُعْدٌ ابستمولوجي، وبُعْدٌ أخلاقي اجتماعي وسياسي، بحيث هذه الأبعاد الثلاثة يكمل بعضها بعضاً، وتبرز طبيعة التكامل بين الفلسفة والدين في تحديد موقع الإنسان في الكون والوصول إلى السعادة.
ساعد الكتاب الكثير من الباحثين في فهم الأبعاد المعرفية والوجودية للفكر الفارابي من منظور عربي– إسلامي معاصر، يمكن اعتباره جسراً معرفياً بين التراث الفارابي العميق وبين القراءات المعاصرة لقضايا الإنسان في الفكر الإسلامي، إنه قراءة فلسفية تغوص في عمق سؤال الإنسان: مَنْ هُوَ؟ وكيف يتحقق ككائن عاقل وأخلاقي في عالم الفكر والحياة ؟. بهذا، يبقى هذا الكتاب مرجعاً أكاديمياً مفيداً لمعرفة الفلسفة الإسلامية، فلسفة الإنسان، أو تاريخ الفكر الإسلامي.
تكشف قراءة كتب د. إبراهيم العاتي عن مشروع فكري يسعى إلى بناء معرفة نقدية واعية بذاتها وبسياقها التاريخي، فبين المنهجية الرفيعة واللغة البليغة، تتشكل تجربة معرفية تدعو المتلقي إلى التفكير والمراجعة، وتؤكد أن كتابات العاتي الأكاديمية ليست مجرد نقل للمعرفة، بل إعادة خلق لها في ضوء أسئلة جديدة تتسم بطابع الإثارة، أي تتحول الكتابة لديه من مجرد سرد معرفي إلى ممارسة نقدية تسعى إلى الكشف عن البنى العميقة للأفكار.
***
د. عبد الحسين صالح الطائي
أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا







