عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

هدى جاب الله: حين تتصارع القيم خلف الخبر

المعضلات الأخلاقية في مهنة الصحافة

قراءة في فلسفة الأخلاق التطبيقية للممارسة الصحفية

جامعة الفيوم: لا يقتصر دور الصحفي على نقل الوقائع فحسب، بل يمتد إلى اتخاذ قرارات معقدة تتطلب موازنة دقيقة بين قيم متعارضة. فكل خبر يُنشر هو في جوهره قرار يحمل في طياته توتراً حقيقياً بين الحق في المعرفة وواجب عدم الإضرار، وبين الشفافية وكرامة الإنسان. من هذا المنطلق، لا ينبغي فهم أخلاقيات المهنة كمجرد قائمة من المحظورات والمباحات، بل باعتبارها "أخلاقيات القرار الصحفي"؛ وهي مقاربة في الأخلاق التطبيقية تختبر قدرة الصحفي على الحكم الرشيد حين تتصادم مبادئ مشروعة، وحين لا يكون الخيار بين الخير والشر، بل بين قيمتين لكل منهما مبرراتها. لنطرح السؤال الجوهري: ليس فقط "هل ينبغي أن ننشر؟"، بل "كيف نبرر أخلاقياً ما قررنا نشره، أو ما آثرنا حجبه؟

لا تكمن المعضلة الأخلاقية في الصحافة في أن الصحفي لا يعرف الفرق بين الصواب والخطأ، وإنما أن عليه أحيانًا أن يختار بين قيمتين أخلاقيتين تبدوان كلتاهما جديرتين بالاحترام. فقد يكون نشر الحقيقة واجبًا، لكن نشرها في توقيت معين أو بطريقة معينة قد يلحق الضرر بأشخاص لا ذنب لهم. وقد تكون حماية المصدر السري التزامًا مهنيًا وأخلاقيًا، لكنها قد تتعارض مع مقتضيات القانون أو مع حق المجتمع في معرفة الحقيقة. وقد تكون حرية التعبير حقًا أساسيًا، لكن ممارستها قد تتحول إلى إساءة أو تحريض أو انتهاك لكرامة الآخرين. هنا تظهر الطبيعة الحقيقية للمشكلة الأخلاقية في العمل الصحفي: إنها ليست مواجهة بسيطة بين الخير والشر وإنما مواجهة بين قيمتين قد تكون لكل منهما مشروعية أخلاقية.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى أخلاقيات الصحافة باعتبارها مجموعة من القواعد المهنية التي يتعين على الصحفي الالتزام بها فحسب، وإنما باعتبارها مجالًا من مجالات الأخلاق التطبيقية، يختبر قدرة الإنسان على اتخاذ القرار المسؤول عندما تتعارض المبادئ وتتعدد النتائج المحتملة. فالصحفي لا يسأل فقط: هل أمتلك معلومة صحيحة؟ بل يسأل أيضًا: هل ينبغي أن أنشرها؟ وما الذي قد يترتب على نشرها؟ ومن الذي يتحمل عواقبها؟ وهل يكفي أن يكون الخبر صحيحًا حتى يصبح نشره مبررًا أخلاقيًا؟.

أولًا: الشفافية المطلقة أم النشر المسؤول؟

تقوم الصحافة على حق الجمهور في المعرفة، وتستمد جانبًا كبيرًا من شرعيتها من قدرتها على كشف ما تحاول المؤسسات أو أصحاب المصالح إخفاءه. لكن هل يعني ذلك أن كل معلومة صحيحة ينبغي نشرها؟ وهل الشفافية تعني الكشف عن كل شيء دون استثناء؟ هنا تظهر المفارقة بين الشفافية بوصفها قيمة ديمقراطية، والنشر المسؤول بوصفه التزامًا أخلاقيًا يراعي النتائج المحتملة لإتاحة المعلومات.

تقدم واقعة نشر وثائق البنتاجون عام 1971 مثالًا تاريخيًا واضحًا على الصراع بين حق الجمهور في المعرفة ومحاولات السلطة تقييد هذا الحق باسم الأمن القومي. فقد حصلت صحيفة نيويورك تايمز على مجموعة من الوثائق السرية التي كشفت حقيقة التدخل الأمريكي في فيتنام، وأظهرت الفجوة بين ما كانت تعرفه الإدارة الأمريكية عن الحرب وما كانت تعلنه للرأي العام. وعندما حاولت الحكومة وقف النشر، لجأت الصحيفة إلى القضاء، حتى انتهت القضية بحكم المحكمة العليا الأمريكية في قضية New York Times Co. v. United States، الذي رفض فرض الرقابة المسبقة على نشر الوثائق. وتكشف هذه الواقعة أن السرية الحكومية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة تحمي السلطة من المساءلة، وأن الصحافة قد تجد نفسها مطالبة بكشف الحقيقة تحديدًا عندما تكون الجهات صاحبة المصلحة في إخفائها, فالشفافية حق، والنشر المسؤول هو الطريقة الأخلاقية لممارسة هذا الحق، وليس نقيضًا له.

تكشف هذه الواقعة أن الشفافية ليست قيمة منفصلة عن المسؤولية، بل إن ممارستها تضع الصحفي أمام توتر أخلاقي بين حق الجمهور في المعرفة ومسؤوليته عن النتائج المترتبة على النشر. فثمة فرق بين كشف المعلومات التي يحتاج إليها المواطن لمحاسبة السلطة، وبين نشر معلومات قد تعرض حياة أشخاص للخطر دون أن تضيف شيئًا جوهريًا إلى المصلحة العامة.

ثانيًا: حرية التعبير أم مبدأ عدم الإضرار؟

تعد حرية التعبير من الشروط الأساسية لوجود صحافة مستقلة، لكن الحرية لا تعني أن كل ما يمكن قوله ينبغي قوله، ولا أن حق الصحفي في التعبير يلغي حقوق الآخرين في الكرامة والاحترام وعدم التعرض للإيذاء. وهنا نواجه سؤالًا فلسفيًا قديمًا يتجدد في الممارسة الصحفية: أين تنتهي حرية الفرد عندما تبدأ حقوق الآخرين؟, إن حرية التعبير لا تفقد مشروعيتها لمجرد أنها تثير الخلاف، لكنها تصبح موضع مساءلة أخلاقية عندما تتحول إلى وسيلة للإضرار بالآخرين أو الانتقاص من كرامتهم.

ثالثًا: الصحافة غير الربحية أم الاستقلال عن الممول؟

تبدو الصحافة غير الربحية، للوهلة الأولى، نموذجًا قادرًا على تحرير العمل الصحفي من ضغوط السوق والإعلانات، لأنها لا تجعل تحقيق الأرباح غايتها الأساسية. غير أن التحرر من سلطة المعلن لا يعني بالضرورة التحرر من كل أشكال التأثير؛ فالمؤسسة التي لا تعتمد على الإعلانات تحتاج إلى تمويل بديل، وقد يأتي هذا التمويل من مؤسسات مانحة أو أفراد أو جهات لها مصالح اقتصادية أو سياسية أو فكرية.

وهنا لا تكون المشكلة في تلقي التمويل ذاته، فاستمرار الصحافة يحتاج إلى موارد مالية، وإنما في الشروط التي تحكم هذا التمويل، وفي قدرة المؤسسة على الاحتفاظ باستقلالها التحريري. فالصحافة التي ترفض الإعلان التجاري قد تقع تحت تأثير الممول، والصحافة التي ترفض التمويل الخارجي قد تجد نفسها عاجزة عن الاستمرار. ولذلك فإن النزاهة لا تتطلب أن تعمل المؤسسة الصحفية دون موارد، وإنما أن تكشف مصادر تمويلها، وألا تمنح الممول حق تحديد ما ينشر وما يحجب. فالاستقلال الصحفي لا يقاس بمصدر المال وحده، وإنما بمدى قدرة الصحفي على اتخاذ قراره دون أن يتحول إلى أداة في خدمة من يدفع.

وتكشف هذه الحقيقة عن معضلة حقيقية: فالصحافة المستقلة تحتاج إلى المال كي تستمر، لكن المال قد يتحول، إذا غابت الضمانات، إلى مصدر جديد للتأثير في القرار التحريري. وليس معنى ذلك أن التمويل الخارجي يفسد الصحافة بالضرورة، أو أن كل جهة مانحة تسعى إلى توجيه المحتوى، وإنما أن المؤسسة الصحفية مطالبة بأن تكشف مصادر تمويلها، وأن تضع حدودًا واضحة تفصل بين حق الممول في دعم العمل الصحفي وحقه المرفوض في توجيهه. فهل تستطيع الصحافة أن تكون مستقلة وهي تعتمد ماليًا على الآخرين؟ أم أن استقلالها لا يُقاس بمصدر التمويل، وإنما بقدرتها على منع المال من التحول إلى سلطة على الحقيقة؟ إن المشكلة ليست في أن يحتاج الصحفي إلى المال، فهذه حاجة واقعية لا يمكن إنكارها، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها الحفاظ على مصدر التمويل أهم من الحفاظ على حق الجمهور في المعرفة. عندئذ لا يعود الممول مجرد طرف يدعم الصحافة، بل قد يصبح طرفًا يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد حدود الحقيقة التي تصل إلى الجمهور.

رابعًا: البحث عن الحقيقة أم احترام الخصوصية؟

قد يرى الصحفي أن حياته المهنية تقوم على الاقتراب من الوقائع التي لا يريد أصحابها الكشف عنها، وأن مهمته تقتضي أحيانًا اختراق المساحات المغلقة للوصول إلى معلومات تهم المجتمع. لكن الحقيقة ليست ملكًا عامًا بكل تفاصيلها، والإنسان لا يفقد حقه في الخصوصية لمجرد أنه أصبح شخصية عامة أو موضوعًا للتغطية الإعلامية.

وقد أعادت وفاة الأميرة ديانا عام 1997 فتح النقاش حول حدود تدخل الصحافة في الحياة الخاصة، بعد ملاحقة المصورين لها ولرفيقها دودي الفايد في باريس، وما أعقب الحادث من جدل واسع حول سلوك المصورين والصحافة الصفراء.ومن المهم هنا عدم اختزال أسباب الحادث في ملاحقة المصورين وحدها؛ فقد انتهت التحقيقات إلى مسؤوليات أخرى تتعلق بالسائق وسرعته وحالته. لكن الواقعة كشفت بوضوح حجم التدخل الإعلامي في الحياة الخاصة، وأسهمت في إعادة النظر في قواعد الخصوصية والملاحقة الصحفية في بريطانيا.

والسؤال الذي تطرحه هذه الواقعة هو: هل كل ما يمكن الوصول إليه يستحق أن يتحول إلى مادة للنشر؟ إن معرفة تفاصيل الحياة الخاصة لشخص ما لا تعني بالضرورة أن الجمهور يحتاج إليها. وهناك فارق أخلاقي بين الكشف عن سلوك خاص لشخصية عامة عندما يكون مرتبطًا بممارسة سلطتها أو بمصلحة المجتمع، وبين تحويل حياتها الشخصية إلى مادة لإشباع فضول الجمهور. فالمصلحة العامة ليست هي نفسها فضول العامة، والخلط بينهما أحد أخطر مصادر الانتهاك الأخلاقي في الصحافة.

ومن منظور كانط، لا تكمن خطورة انتهاك الخصوصية في مجرد كشف تفاصيل الحياة الشخصية، وإنما في احتمال تحويل الإنسان إلى وسيلة لإشباع فضول الجمهور أو تحقيق المكاسب الإعلامية، بدلًا من احترامه باعتباره غاية في ذاته.

خامسًا: الكاميرا الخفية أم نزاهة وسائل جمع المعلومات؟

تزداد المعضلة تعقيدًا عندما لا يكتفي الصحفي باحترام حدود الخصوصية، بل يلجأ إلى وسائل استثنائية لجمع المعلومات، مثل انتحال الشخصية أو التسجيل السري أو استخدام الكاميرا الخفية. فقد تكون هذه الوسائل ضرورية لكشف ممارسات لا يمكن الوصول إليها بالطرق التقليدية، لكنها قد تنطوي في الوقت نفسه على الخداع والتعدي على حقوق الآخرين.

ومن أشهر الأمثلة التاريخية قضية برنامج «PrimeTime Live» الذي بثته شبكة ABC الأمريكية عام 1992، بعد أن حصل اثنان من منتجي البرنامج على وظائف في متاجر تابعة لسلسلة Food Lion، واستخدما كاميرات خفية لتوثيق ممارسات تتعلق بالتعامل مع الأغذية. وقد أثارت القضية نزاعًا قضائيًا حول الوسائل التي استخدمها الصحفيان، وانتهت محكمة الاستئناف إلى تأييد بعض المسؤوليات القانونية المتعلقة بالتعدي على ممتلكات المؤسسة والإخلال بواجب الولاء الوظيفي، مع رفض جانب من التعويضات التي قضت بها المحكمة الأدنى.

تكشف القضية أن صحة ما يكشفه التحقيق لا تمنح الصحفي تلقائيًا شرعية استخدام أي وسيلة للوصول إليه. لكن رفض كل وسائل التوثيق السري قد يمنح المؤسسات القوية فرصة لإخفاء ممارسات لا يمكن كشفها بالمقابلات والتصريحات الرسمية. لذلك فإن المعيار الأخلاقي ينبغي أن يقوم على الضرورة والتناسب: ألا تُستخدم الكاميرا الخفية إلا عندما تكون هناك مصلحة عامة جوهرية، وتتعذر الوسائل الأقل تدخلًا، وأن يظل التوثيق أمينًا للواقع دون افتعال أو تضليل. فالغاية المشروعة لا تجعل كل وسيلة مشروعة، كما أن التمسك بالوسائل التقليدية وحدها قد يحول الصحافة إلى ناقل لما تسمح به المؤسسات بالكشف عنه.

سادسًا: حماية المصادر السرية أم الالتزام بالقانون؟

تقوم العلاقة بين الصحفي ومصدره السري على الثقة، وقد تكون هذه الثقة الشرط الوحيد الذي يسمح بكشف معلومات تتعلق بالفساد أو إساءة استخدام السلطة. فإذا لم يطمئن المصدر إلى أن هويته ستظل محمية، فقد يمتنع عن تقديم معلومات يحتاج إليها المجتمع. ومع ذلك، قد يجد الصحفي نفسه أمام أمر قضائي يطالبه بالكشف عن هوية مصدره، فيصبح مطالبًا بالاختيار بين التزام قطعه على نفسه، وبين الاستجابة للقانون.

وقد تجسدت هذه المعضلة في قضية الصحفية الأمريكية جوديث ميلر عام 2005، عندما رفضت الكشف عن مصدر سري أمام هيئة المحلفين الكبرى في التحقيق المتعلق بتسريب هوية موظفة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية فاليري بليم. وقضت الصحفية 85 يومًا في السجن بسبب رفضها الإفصاح عن المصدر، قبل أن توافق على الإدلاء بشهادتها بعد حصولها على إعفاء شخصي وطوعي من التزام السرية من جانب المصدر.

لا تتعلق القضية فقط بحق الصحفي في حماية مصادره، بل بمستقبل الثقة التي تقوم عليها المهنة. فإذا أصبح الوعد بالسرية قابلًا للتراجع عند أول ضغط، فقد يفقد الصحفيون القدرة على الوصول إلى المعلومات التي لا يستطيع أصحابها تقديمها بأسمائهم. لكن حماية المصدر ليست أيضًا امتيازًا مطلقًا يسمح بإخفاء كل شيء، بصرف النظر عن طبيعة المعلومة أو خطورتها أو الدوافع التي تقف وراء تسريبها. ومن ثم، فإن حماية المصدر مسؤولية أخلاقية تستلزم التحقق من دوافعه، وتقدير الضرر الذي قد يتعرض له، وعدم منح السرية إلا عندما تكون لها ضرورة حقيقية. وبالتالي فإن حماية المصادر (وليس منح السرية للمعلومة) تعبر عن  تعارض الواجب المهني مع الالتزام القانوني.

سابعًا: احترام القانون أم مقاومة الظلم القانوني؟

قد يبدو احترام القانون مبدأ لا خلاف عليه في العمل الصحفي، لكن المشكلة تظهر عندما يتعارض القانون مع حق المجتمع في المعرفة، أو عندما تستخدم السلطة التشريعات لتقييد الصحافة ومنع الكشف عن تجاوزاتها. وهنا ينبغي التمييز بين احترام القانون باعتباره ضرورة لتنظيم الحياة العامة، وبين افتراض أن كل ما يسمح به القانون عادل، أو أن كل ما يمنعه غير مشروع أخلاقيًا.

تظهر ضرورة ألا يختزل الصحفي أخلاقه في مجرد الامتثال القانوني، وألا يتخذ في المقابل من استقلاله المهني مبررًا لتجاهل القانون. فالقانون يضع حدودًا ملزمة، لكن الأخلاق تطرح سؤالًا أوسع: هل يؤدي الالتزام بهذا القانون في موقف معين إلى حماية العدالة أم إلى إعاقة تحقيقها؟ إن احترام القانون لا يلغي حق نقده، كما أن نقده لا يمنح الصحفي حصانة من المسؤولية عن أفعاله.

ولا تتوقف المعضلات الأخلاقية للصحافة عند حدود العلاقة بين الصحفي والمؤسسة أو الجمهور، بل تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بالمعايير التي ينبغي أن تحكم التغطية الإعلامية في مجتمعات مختلفة ثقافيًا وقيميًا.

ثامنًا: الأخلاق النسبية والتعددية أم الأخلاق العالمية؟

لا تعمل الصحافة في مجتمع واحد متجانس، وإنما تتوجه إلى جماهير تختلف في ثقافاتها ومعتقداتها وتصوراتها عن الكرامة والحرية والعدالة. وما قد يعده مجتمع ممارسة مقبولة لحرية التعبير قد يراه مجتمع آخر اعتداءً على معتقداته أو هويته. وهنا تظهر المفارقة بين احترام الخصوصيات الثقافية، والإيمان بوجود مبادئ أخلاقية عامة ينبغي أن تسري على البشر جميعًا.

فإذا تبنت الصحافة نسبية أخلاقية مطلقة، فقد تجد نفسها عاجزة عن إدانة انتهاكات حقوق الإنسان بحجة اختلاف الثقافات. وإذا تبنت تصورًا جامدًا للأخلاق العالمية، فقد تتحول إلى أداة لفرض نموذج ثقافي واحد على المجتمعات الأخرى. والمطلوب هو التمييز بين احترام التنوع الثقافي، وبين التنازل عن المبادئ الأساسية التي تحمي الإنسان من الإذلال والعنف والتمييز. فالتعددية لا تعني أن كل الممارسات متساوية أخلاقيًا، والكونية لا تعني أن ثقافة واحدة تمتلك حق تعريف الأخلاق نيابة عن الجميع.

من تعارض القيم إلى مسؤولية القرار الصحفي

تكشف هذه المفارقات مجتمعة أن الصحفي الذي يسعى إلى ممارسة مهنته بنزاهة لا يتحرك داخل منظومة أخلاقية بسيطة، وإنما يواجه شبكة من الالتزامات التي قد تتعارض في المواقف العملية. فهو مطالب بالبحث عن الحقيقة، لكنه مطالب أيضًا بتقليل الضرر. وعليه أن يحمي مصادره، لكنه لا يستطيع تجاهل القانون. ومن حقه أن يمارس حرية التعبير، لكن عليه أن يحترم كرامة الآخرين. وهو يحتاج إلى التمويل كي يستمر، لكنه مطالب بألا يصبح تابعًا لمصادر تمويله.

وهنا تبرز أهمية فلسفة الأخلاق التطبيقية؛ لأنها لا تقدم للصحفي إجابات جاهزة بقدر ما تمنحه القدرة على تحليل الموقف، وتحديد القيم المتعارضة، وفحص النتائج، والتمييز بين الحق والمصلحة، وبين ما هو قانوني وما هو أخلاقي. فالقرار الصحفي المسؤول لا يصدر عن قاعدة واحدة معزولة، وإنما عن موازنة عقلانية بين الحقوق والواجبات، مع الاعتراف بأن بعض القرارات تظل صعبة حتى بعد استنفاد كل وسائل التفكير الأخلاقي.

ويمكن أن نستلهم في هذا السياق من فلسفة كانط ضرورة احترام الإنسان باعتباره غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق السبق الصحفي أو زيادة نسب المشاهدة. كما يمكن أن نستفيد من المنظور النفعي في تقدير النتائج المتوقعة للنشر، دون اختزال كرامة الأفراد في حسابات المنفعة العامة. وتضيف أخلاقيات المسؤولية بُعدًا آخر، يتمثل في ضرورة أن يتحمل الصحفي تبعات قراراته، وألا يتعامل مع النتائج الضارة باعتبارها أمورًا خارجة تمامًا عن مسؤوليته.

لكن ثمة قيمة لا تقل أهمية عن هذه المبادئ جميعًا، وهي بناء الثقة بين الصحافة والجمهور. فالجمهور لا يحتاج إلى صحافة تنشر كل شيء، ولا إلى صحافة تحجب ما لا يناسب أصحاب السلطة أو المصالح، وإنما يحتاج إلى صحافة تشرح له لماذا نشرت معلومة معينة، ولماذا حجبت أخرى، وكيف تحققت منها، وما حدود مصادرها، وكيف تتعامل مع أخطائها. فالشفافية الحقيقية لا تقتصر على كشف المعلومات، وإنما تشمل أيضًا كشف الطريقة التي تُنتج بها المعلومات والقرارات الصحفية.

إن الصحافة المسؤولة ليست صحافة بلا أخطاء، ولا صحافة تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وإنما صحافة تمتلك الشجاعة الكافية للبحث عن الحقيقة، والتواضع الكافي لمراجعة أحكامها، والنزاهة الكافية للاعتراف بأخطائها، والمسؤولية الكافية للتفكير في الإنسان الذي قد يتأثر بما تنشره. ربما تكون أصعب ما في مهنة الصحافة أنها تضع الإنسان أمام مسؤولية لا تنتهي بمجرد التأكد من صحة الخبر. فالصحفي قد يمتلك الحقيقة، لكنه لا يمتلك حق التصرف فيها دون مساءلة أخلاقية. وقد يكون صادقًا في نقل ما يعرفه، لكنه لا يكون بالضرورة عادلًا في الطريقة التي يقدمه بها. وقد يدافع عن حرية التعبير، لكنه ينسى أن الحرية التي لا تعترف بكرامة الآخرين تتحول إلى ممارسة للسلطة عليهم. لذلك لا أعتقد أن الصحافة المسؤولة هي الصحافة التي تعرف كيف تنشر فقط، وإنما الصحافة التي تعرف متى تنشر، وكيف تنشر، وما الذي ينبغي ألا تفعله بالإنسان في سبيل الوصول إلى الحقيقة. فليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله بالطريقة نفسها، وليس كل ما نستطيع فعله يصبح مشروعًا لمجرد أننا نمتلك القدرة عليه.

ولعل المعيار الأهم الذي ينبغي أن نحتكم إليه في تقييم أخلاقيات المهنة هو ألا تتحول الحقيقة إلى ذريعة لانتهاك الإنسان، وألا تتحول حماية الإنسان إلى ذريعة لإخفاء الحقيقة. فالصحافة تفقد معناها إذا تخلت عن حق الجمهور في المعرفة، كما تفقد مشروعيتها الأخلاقية إذا نسيت أن وراء كل خبر غير صحيح ؛ إنسانًا قد تتغير حياته بسببه.

إن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا أمام كل صحفي ليس فقط: هل أستطيع نشر هذا الخبر؟ بل: هل أستطيع الدفاع أخلاقيًا عن قراري بنشره، وعن الوسيلة التي حصلت بها عليه، وعن النتائج التي قد تترتب عليه؟إن المسؤولية الأخلاقية لا تتعلق فقط بما يفعله الصحفي، وإنما أيضًا بما يختار ألا يفعله، وما يقرر ألا ينشره، وبالإنسان الذي قد يتحمل نتائج اختياراته. عند هذه النقطة تحديدًا تتحول الصحافة من مجرد ممارسة مهنية إلى ممارسة أخلاقية، ويصبح الصحفي مسؤولًا ليس فقط عما يقوله للجمهور، وإنما أيضًا عما يفعله باسم حق الجمهور في المعرفة.

***

أ. د. هدى محمد عبد الرحمن جاب الله

استاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة

في المثقف اليوم