من الرضا الى المرونة وصولا الى المعنى، سنرى أي منها يلامس حياتنا اكثر؟ كل شخص يختار مساره الخاص به في الحياة نحو تحقيق ذاته، مسترشدا بنموذجه Paradigm الفريد للحياة. ان الرغبة بإيجاد معنى للحياة يأتي من الداخل. فكيف نختار لإستكشاف ذاتنا الحقيقية؟ بالطبع، نحن نريد التمتع بالحياة، وفي نهاية حياتنا، نريد ان نشعر اننا مقتنعون بخياراتنا وبالكيفية التي نعيش فيها .
النموذج او البردايم A paradigm يُعرّف كاطار من المعتقدات والقيم والأفكار التي تشكل طريقتنا في رؤية العالم. نموذجنا يؤثر على خياراتنا ويحدد شكل حياتنا. هناك عدد كبير من النماذج في الحياة تتراوح من المنظور العدمي الذي يركز على انعدام المعنى في الحياة وعدم الثقة بالأخرين، الى اتجاه اكثر تأملاً يركز على البحث عن معنى أعمق للحياة.
هنا سنعرض ثلاثة نماذج، نتأمل في أي منها سيكون أساسيا عند الاختيار لنعيش حياتنا.
1- نموذج القناعة والرضا
حالة الرضا عادة تُعرّف بحالة الهدوء واليسر وقبول موقف المرء في الحياة. هذا الاتجاه يساعد الشخص للشعور بالأمان والثقة عند التعامل مع العالم الخالي من اليقين. انه يمكن أيضا ان يساعد في تجنب المقارنة المستمرة مع حياة الاخرين (وممتلكاتهم) والذي عادة يقود الى الشعور بعدم القناعة بحياة المرء وعدم السعادة وتدنّي احترام الذات.
مع ذلك، عندما يقول لك شخص ما "انا أتمنى ان تجد الرضا"، قد تُترجم كقرار ذاتي يعتمد على التقدير الشخصي بان حياته أرقى مما انت تعيش فيه. هو يعتقد انه يفضّل لو تختار حياة "اكثر أمانا" و "اكثر استقرارا"، تسترشد وتُحكم بحاجاته هو وبخيارات القيمة والخوف الخاصة به، وليس بخياراتك.
ان نقطة الضعف في نموذج البحث عن الرضا هو ان عدم القناعة بالحياة هي في الحقيقة ضرورية ومفيدة للتعلم والنمو واكتشاف الذات. فمثلا، الشعور بالضعف يحفز الشخص لتقوية بدنه من خلال التمارين، والشعور بعدم الانتماء يدفع المرء للبحث عن ظروف جديدة تلامس روحه عن قرب، كذلك سوء فهم العالم يدفع المرء ليكون منفتح الذهن وبالتالي يتعلم مفاهيم جديدة.
عندما يصل المرء الى سن التقاعد او فوق الستين، سيفكر في الكيفية التي تطورت بها خياراته في الحياة. هل سيختار حياة تبدو وكأنها تتسع او حياة تبدو روتينية، تتقلص وحتى تضمر؟ هذا السؤال يتعدى قائمة الامنيات، او السؤال عن الفعاليات التي يريد الشخص ممارستها في سنواته الأخيرة الى سؤال أعمق واكثر وجودية: "كيف تختار وتستطلع ذاتك الحقيقية في سنواتك الاخيرة؟".
نموذج المرونة
الحياة لا يمكن برمجتها، لأنها تتدفق كالنهر، التفاف وتقلّب، تتغير بسرعات مختلفة، أحيانا تبدو اكثر استقرارا، بينما في أوقات أخرى يُقذف بنا وسط تيارات هائجة. في الحقيقة، الحياة تتغير، لكننا عادة نقاومها، نريد ان تبقى الأشياء ثابتة كما هي ونحاول تصميم حياتنا والسيطرة عليها لكي لا يحدث التغيير.
نحن نعتقد لو بقينا في نفس البيت وفي نفس مكان العمل وبنفس المهنة، ونحافظ على نفس الأصدقاء، فسنكون قادرين على تجنب التعامل مع التغيير. لكن حالة الوضع الراهن هي مجرد وهم، حتى لو اردنا البقاء في نفس الحال، فان كل شخص وكل شيء آخر حولنا يتغير.
وكما أعلن الفيلسوف اليوناني هيرقليطس، بان الحياة في تدفق دائم، المواقف تتغير، وسنكون بحاجة الى اتجاه جديد للحياة. اختيار نموذج المرونة يساعدنا في الاستعداد والازدهار اثناء الأوقات الصعبة مثل الصراعات السياسية، وتغيير القواعد، والتضخم، والمجاعة، وفقدان الثروة المالية، والطقس والحرائق والحوادث، كلها أشياء خارجة عن مقدرتنا ولا نستطيع التحكم بها.
المرونة تستلزم الاعتقاد بانك يمكنك جعل الأشياء أفضل لنفسك بدلا من ان تكون ضحية يائسة لظروفك. وكما يشير الطبيب النفساني الشهير فيكتور فرانكي، بان القضية ليست حول ما يحدث لنا، وانما حول كيفية استجابتنا لما يحدث هو المهم (1). اذا كنت مرنا، تستطيع الشفاء بسرعة اكبر وتتكيف للمواقف الجديدة. سيكون بمقدورك ان تختار كيف تفكر وتشعر وأيضا ماذا تعمل.
نموذج المعنى
اكتشف فيكتور فرانكي اثناء الحرب العالمية الثانية ان امتلاك شعور بالمعنى هو العامل الأهم للبقاء. لكنه لاحظ "حتى اكثر الناس الذين يمتلكون وسائل الحياة اليوم هم ليس لديهم معنى يعيشون من أجله (2).
نحن نستطيع العثور على المعنى في أي لحظة، ونستطيع أيضا العثور على المعنى عندما نتراجع خطوة الى الوراء ونتأمل في الصورة العامة لحياتنا. في كتابه طريقة The OPA (3)(الحروف O,P,A كل واحد يرمز الى عنصر من العناصر الثلاثة) عرض المؤلف صياغة يسهل فهمها لإيجاد المعنى في ثلاثة عناصر لحياتنا: التواصل مع الاخرين بشكل هادف، الانخراط بهدف أعمق والتأثير الإيجابي في العالم، واحتضان كل الحياة بما فيها صحتنا والشعور الإيجابي.
لنسأل انفسنا،" ما هو الشيء الأكثر أهمية في حياتنا، وكيف يمكننا ان نضع هذه العناصر الهادفة في صلب حياتنا اليومية؟ لنتذكّر ان الرغبة بالمعنى تأتي من الداخل. انها تأتي من امتلاك تناغم عميق مع جوهر هويتنا، يتجاوز واجباتنا والادوار والالقاب والنقود والملكيات. ان امتلاك فهم عميق لذاتنا – معرفة ذاتنا ومعرفة مصادرنا للمعنى – سوف يساعدنا في تجاوز العواصف التي تعترض طريقنا.
كل شخص لديه نموذجه الخاص في العيش وفي البحث عن الإنجاز: البعض يختار التحفز بالرضا، والبعض الاخر يختار المرونة، بينما آخرون يختارون المعنى. نختار ما يصلح لنا، ويجب ان نتذكر تجنّب نموذج حياة الآخرين. لأنها حياتهم وخيارهم.
***
حاتم حميد محسن
...............
Three Paradigms of living, Psychology today, October 2, 2026
المصادر:
1- أليكس باتاكوس، ايلين دوندون (2017). سجناء افكارنا: مبادئ فيكتور فرانك لإكتشاف المعنى في الحياة والعمل، الطبعة الثالثة. اوكلاند- كاليفورنيا، دار نشر بيريت كوهلر.
2- المصدر السابق.
3- باتاكوس و دوندون E(2015) . طريقة OPA: إيجاد المتعة والمعنى في الحياة اليومية والعمل. دالاس – تكساس: دار بينبيلا للنشر.








