عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: اليوم العالمي للفتاة

ثمة مجتمعات لا تخشى على مستقبلها من الجهل بقدر ما تخشى من امرأة تعرف، ولا ترتبك أمام عقول أبنائها بقدر ما ترتبك أمام فتاة تتعلم كيف تفكر خارج الأسوار

وأخطر القيود ليست تلك التي تطوق المعصمين، بل تلك التي تزرع في العقول حتى يعتاد أصحابها الأسر، ويظنوا أن الأبواب المغلقة هي حدود العالم، وأن الطاعة فضيلة حتى حين تهدر الكرامة، وأن التنازل عن الحق هو الثمن الذي ينبغي دفعه كي ينالوا رضا المجتمع.

هكذا تبدأ الحكاية في مجتمعات كثيرة؛ فتاة تولد ولديها الحق في الحلم، ثم تكبر محاطة بأسئلة لم يخترها عقلها، ومحظورات لم يختبرها وعيها، وأحكام تسبق أفعالها لمجرد أنها أنثى.

في اليوم العالمي للفتاة، لا أريد أن أقدم كلمات احتفالية عابرة، بل أن أطرح سؤالا يستحق أن يقلق كل مجتمع يدعي التقدم: كيف يمكن لأمة أن تحلم بمستقبل مختلف، بينما تخشى أن تمتلك فتياتها عقولهن كاملة؟

إلى كل فتاة، أقول:

 لست أقل عقلا أو قيمة أو أهلية لأنك أنثى، ولست مطالبة بالاعتذار عن صوتك، أو تبرير طموحك، أو استئذان أحد كي تكون لك شخصية مستقلة.

 إن إنسانيتك ليست منحة اجتماعية، وحقوقك ليست مكافأة، وحياتك ليست ملكية مشتركة يحق للآخرين التصرف فيها باسم العائلة أو العرف أو الخوف مما سيقوله الناس.

إن أخطر ما تفعله الثقافة الإقصائية بالفتاه أنها لا تكتفي بفرض القيود عليها، بل تحاول إقناعها بأن هذه القيود جزء من طبيعتها، وأن حريتها خطر، واستقلالها تمرد، وعقلها الذي يسأل مشكلة ينبغي تهذيبها. وحين تنجح هذه الثقافة في جعل الفتاة تخاف من أفكارها قبل أن تخاف من عقاب الآخرين، تكون قد نقلت السجن من الخارج إلى الداخل.

إلى كل فتاة:

 اقرئي، لا لتكرري ما يقوله الآخرون، بل لتكتشفي كيف تفكرين أنت

 تعلمي، لا لتثبتي أنك جديرة باحترام أحد، بل لأن المعرفة حقك، ولأن عقلك يستحق أن ينمو.

 اسألي، حتى حين تكون الأسئلة مزعجة،

وراجعي أفكارك كلما ظهرت أمامك حجة أقوى،

 ولا تجعلي الخوف من الاختلاف يحرمك متعة اكتشاف الحقيقة.

 ابني استقلالك، واحترمي ذاتك، ولا تسمحي لأحد أن يختصر وجودك في مظهرك أو دور اجتماعي واحد.

لست مطالبة بأن تكوني نسخة من أحد، ولا أن تخوضي معركة لا تنتهي لإثبات أنك تستحقين ما يستحقه الآخرون بالفطرة. يكفي أن تدركي أن لك الحق في أن تصنعي حياتك، وأن تخطئي وتتعلمي، وأن تختاري وتراجعي اختيارك، وأن تتخذي قراراتك دون أن تتحولي إلى متهمة كلما مارست حقا مشروعا.

العلم والثقافة ليسا زينة عقلية للفتاه، بل من أهم أدوات استقلالها؛ فالمعرفة تمنحها القدرة على الاختيار، والاستقلال الاقتصادي يوسع قدرتها على حماية خياراتها، والوعي بحقوقها يجعلها أقل قابلية للاستغلال أو الابتزاز باسم الحب أو الشرف أو التقاليد.

ولذلك، لا يكفي أن نفتح أبواب المدارس والجامعات أمام الفتيات، ثم نغلق أمامهن أبواب المشاركة والقرار. لا يكفي أن نشجعهن على النجاح، ثم نطلب منهن إخفاء طموحهن حتى لا يشعر أحد بالتهديد. فالتعليم الحقيقي ليس شهادة تعلق على الجدار، وإنما قدرة على إدارة الحياة، ومساءلة السلطة، وتحمل مسؤولية الاختيار، والمشاركة في صنع المجتمع.

ولا تعني المساواة أن تدخل المرأة في حرب مع الرجل، ولا أن تثبت تفوقها عليه، بل أن تتحرر العلاقة بينهما من منطق السيادة والخضوع. فالرجل الذي يرى في تعليم المرأة تهديدا لمكانته لا يدافع عن الأسرة، بل عن امتياز يخشى فقدانه. أما العلاقة الإنسانية الناضجة، فلا تقوم على عقل يأمر وعقل يطيع، وإنما على شخصين يملك كل منهما حق التفكير والاختيار والاختلاف.

ومن هنا تأتي أهمية الرؤية العلمانية للدولة والمجتمع؛ إذ لا يجوز أن تتحول المعتقدات أو التفسيرات الدينية أو الأعراف الاجتماعية إلى أدوات لانتقاص حقوق النساء أو فرض الوصاية على ضمائرهن. فالإيمان شأن شخصي يحترمه القانون، أما الحقوق والمواطنة فينبغي أن تقوم على المساواة والكرامة الإنسانية، لا على جنس الإنسان أو مقدار امتثاله لتوقعات الجماعة. ولا تعني العلمانية مصادرة الإيمان، بل تعني ألا يستخدم أي اعتقاد ذريعة لحرمان مواطن من حق أصيل، أو لفرض تصور واحد للحياة على الجميع.

إن المجتمع الذي يحترم الفتاة لا يكتفي بحمايتها من العنف، بل يحمي حقها في المعرفة والعمل والمشاركة، ويضمن لها الأمان الذي يسمح لها بالنمو دون خوف، والقانون الذي يصون كرامتها، والفرص التي تجعل نجاحها مرتبطا بقدراتها لا بجنسها. فكم من فتاة تملك الموهبة، لكنها تحاصر بالفقر أو الزواج المبكر أو التمييز أو الخوف من حكم الآخرين؛ وكم من عقل كان يمكن أن يضيف إلى المعرفة الإنسانية، لولا أن المجتمع قرر مسبقا أن بعض الأحلام لا تليق بأصحابها.

وفي اليوم العالمي للفتاة، ينبغي ألا ننسى ملايين الفتيات اللواتي ما زلن محرومات من التعليم، أو يواجهن العنف والاستغلال والتمييز.

 إن الاحتفاء الحقيقي بهن لا يكون بالشعارات، بل بإزالة العقبات التي تحول دون أن يعشن حياة آمنة، وأن يقررن مستقبلهن، وأن يشاركن في بناء عالمهن بوصفهن مواطنات كاملات الحقوق.

إن أعظم هدية يمكن أن نقدمها للفتاة ليست كلمات الإعجاب، بل مجتمعا لا تضطر فيه إلى امتلاك شجاعة استثنائية كي تمارس حقوقا عادية. مجتمعا لا يخشى عقلها، ولا يعاقب استقلالها، ولا يجعل كرامتها رهينة رضا الآخرين.

فالمستقبل لا يبنى بنصف عقل، ولا تزدهر الحضارة حين تهدر طاقات النساء، ولا تتحقق العدالة إذا ظلت الحقوق تتغير بتغير جنس أصحابها.

في اليوم العالمي للفتاة، لنجعل رسالتنا أبعد من الاحتفال: لا وصاية على العقل، ولا انتقاص من الكرامة، ولا تمييز في الحقوق بسبب الجنس.

أعطوا الفتاة حقها في المعرفة، ومساحة آمنة للحلم، وحرية السؤال، وشجاعة الاختيار، ولا تضعوا الأسوار أمام عقلها ثم تسألوها لماذا لا تحلق.

 امنحوها تعليما يحرر وعيها، وثقافة توسع أفقها، وقانونا يحمي كرامتها، ومجتمعا لا يعاقبها لأنها تفكر على نحو مختلف. لا تربوها على الخوف من الخطأ، بل على شجاعة المحاولة، ولا تلقنوها كيف ترضي الآخرين، بل كيف تحترم ذاتها وتحترم حقوق غيرها.

أعطوا الفتاة حقها في أن تكتشف العالم بعقلها، لا أن ترث أحكام الآخرين عنه، وأن تخوض الحياة بإرادتها، لا أن تعيش وفقا لخريطة رسمها لها المجتمع

افتحوا أمامها أبواب العلم والفن والفلسفة،

 ودعوها تسأل عن الوجود، وتناقش الأفكار، وتعيد النظر في المسلمات، وتشارك في صناعة المعرفة، بدلا من حصرها في أدوار ضيقة لا تستوعب اتساع إمكاناتها. علموها أن قيمتها لا تتوقف على إعجاب أحد بها، وأن نجاحها ليس تهديدا لأحد، وأن كرامتها لا تقبل المساومة، وأن الحب الذي يطلب منها التخلي عن ذاتها ليس حبا يستحق التضحية. أعطوها الحق في أن تختار طريقها، وأن ترفض ما لا تريده، وأن تقول لا دون أن تتحول إلى متهمة في محكمة المجتمع.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم