استفتِ قلبك وأن أفتوك..
هذا الشعار المهم يجب حمله مع القوانين والتشريعات الدينية، فالضمير الأخلاقي هو الأساس والبوصلة لخطى الإنسان، لأن الحكم الفقهي ظاهري في غالبيته قد لا يصيب الواقع، وهو يفيد إبراء الذمة يوم القيامة فيما اذا اتبعنا الحكم الخاطىء، فنكون معذورين أمام الله تعالى، لكن في الحياة الدنيا نحن غير معذورين حين نسيء لأحد ونأكل حقوقه بحجة أن المفتي قال ذلك.. المفتي يعطي الحكم بعنوانه الأولي العام، ولايعلم ملابسات قضيتك الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، أنت من تشخص موضوع مسألتك، وتقع عليك مسؤولية تحقيق العدالة، ولذلك بعض الأحيان المكلف يتلاعب بموضوعه لتضارب المصالح، كمثال: الولاية الجبرية للأب، يقول المفتي: اذا وجد الأب أن مصلحة الطفل تقتضي البقاء مع الأم فيجب ابقاؤه معها حتى وان تزوجت وبلغ الطفل السابعة، هنا يضع الحق بيد الأب في تقرير مصلحة الطفل، لكن قد تتضارب مصلحته مع مصلحة المحضون، فقد لايريد الانفاق عليه، فيخدع نفسه فيقرر أخذ الطفل من أمّه.
فالأب هنا بيده السلطة التي تجعله المتحكم في القرار فيصدر قراره بناء على مصلحته، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، فيكيّف الوقائع بما يخدم مصلحته الشخصية، ثم يختبئ خلف الفتوى ليمنح قراره غطاءً شرعياً..
بينما في هذه المسألة يجب الرجوع للقاضي الذي تعينه الدولة لأحقاق حق المواطن بغض النظر عن الفتوى الفقهية المستمدة من فقه الفرد، لا فقه الدولة أو المحتمع، فالفقه هنا يتعامل مع افراد متفرقين وليس بينهم الا علاقات الابوة والأمومة والبنوة والزوجية والقرابة.
فأعطت للرجل صلاحيات واسعة في أتخاذ القرارات بشأن الأبن، مع افتراض حسن نيته وعدالته. فلا وجود لمصلحة الأسرة مثلا، لأن هو لايفهم هذه الجماعة، الا من خلال عناوين معينة المذكورة بالكتب الفقهية،فهو يتعامل مع افراد: الاب، الزوج، الأم، الوارث، الدائن، المدين. فلا ولاية للقاضي او الدولة في مراعاة حقوق المواطنين خارج حق الأب والأم والجد على الطفل.
ركز الفقه الفردي على الحقوق الفردية والعلاقات المباشرة، أكثر من تركيزه على مفهوم المؤسسة الاجتماعية كالأسرة بوصفها كيانا كاملا فهي لاتظهر كوحدة احتماعية ذات مصلحة عامة، بل كمجموعة حقوق متقابلة بين أفراد يمتلكون سلطات متفاوتة
أن التجربة الإنسانية تثبت أن السلطة حين تجتمع مع المصلحة الخاصة تحتاج دائما الى رقابة خارجية، لأن الإنسان يميل الى تبرير أفعاله، خاصة عندنا يمتلك سندا دينيا أو قانونيا يخفف عنه تأنيب الضمير.
من هنا تظهر ضرورة الانتقال من فقه الفرد الى فقه الدولة والمجتمع التي يمكنها أن تقيم محاكم خارج ما أنتجه الفقه الفردي من منظومة حقوقية.
المشكلة ليست بالدين أو الفقه نفسه بل بالنزعة الفردية حين تم نقلها بكل تصوراتها لتكون قانونا عامل يشمل الدولة، بلا آليات جديدة تراعي كيان المجتمع والدولة.
إن وجود سلطة قضائية مستقلة عن مصالح الافراد لايناقض الدين بل يحمي المقاصد الأخلاقية للدين من التلاعب الفردي، بينما الأن – كما يلاحظ في العراق – أن المحكمة ذاتها تطلب نصوصا موحدة للجميع تستمد من الفقه الفردي نفسه لتقرر على ضوئه القرار القضائي أو القرار التمييزي، فلا تخرج قرارات السلطة القضائية عن فتاوى وتفسيرات الفتوى الفردية نفسها. فالقضاء أصبح هنا مجرد إدارة ملفات إدارية، وإلزام تنفيذي على المكلف، فلم تعد الفتاوى خاصة بالامتثال الفردي، بل يجبر على تنفيذ الفتوى الفقهية، التي صارت قانونا عاما ينفذ في كل واقعة تقريبا.
إن الدولة الحديثة لم تنشأ فقط لتنظيم السلطة، بل أيضا لمنع الأفراد من أن يكونوا خصوما وحكاما في الوقت نفسه، لكن الفقه المقنن بقى يعطي الحق للأب -في هذا المثال المذكور - أن يكون هو الخصم والحكم عندما جعلت سنا معينا محددا للطفل للانتقال من حضانة الأم المنفصلة عن الأب، إلى الأب، دون البحث الكافي في كل حالة حول مصلحة المحضون. فالقضاء هنا تحول الى أداة تنفيذية فقط ما رسمه الفقه الفردي الخاص بإبراء الذمة الأخروي
في الفقه الإسلامي؛ الإنسان قد يكون معذورا أمام الله تعالى إذا اتبع فتوى خاطئة عن حسن نية، لكن ذلك لايلغي الضرر الذي يقع على الناس في الحياة الدنيا. فالظلم باقٍ حتى لوامتلك الظالم فتوى تبرر فعله. لذلك الضمير الأخلاقي النابع من القلب هو الأساس، وهذا مايذكره الحديث المنسوب للنبي ص: (استفت قلبك وأن افتاك الناس وأفتوك). فالقلب يعرف العدالة، استفت قلبك وهو ليس بديلا عن الفقه بل رقيب عليه من الداخل يمنع الناس من تحويل الأحكام الشرعية الى أدوات سلطة والتهرب من المسؤولية، وطلم الناس باسم الشريعة، ومن بعد ذلك تأتي الدولة بقوانينها الرادعة والملزمة إذا تاه الفرد عن بوصلة أخلاقه، وكان الفقه يخاطب الفرد فقط. بفقه ظاهري ينفع يوم الحساب في إبراء الذمة ولايفيد الحياة الدنيا بالضرورة.
***
ا. د. بتول فاروق
النجف ٢٥/ ٦/ ٢٠٢٦







