عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أحمد فاتح: كيف تولد القوانين الجديدة عشوائية أكبر داخل المجتمع

من القواعد المستقرة في فقه القانون، أن التشريع ما وضع إلا ليكون أداة لضبط السلوك الإنساني، ووسيلة لفرض السكينة والاستقرار في كنف الدولة. غير أن الملاحظ في واقعنا التشريعي المعاصر، أن حمى إصدار القوانين والقرارات المتلاحقة باتت تنتج مفعولاً عكسياً، يحاكي في جوهره نظريات الفيزياء حول "الإنتروبي" أو عشوائية الأنظمة المغلقة؛ فكلما تضخمت النصوص وتكاثرت دون دراسة حقيقية لروح الواقع، تولدت عنها فوضى عارمة تخلخل الطمأنينة الاجتماعية والقانونية.

إن الإفراط في التشريع، والاندفاع نحو صياغة نصوص استثنائية أو ترقيعية لمواجهة أزمات وقتية، غالباً ما يأتي على حساب انسجام المنظومة القانونية واستقرارها. هذه الحالة التي نسميها "الفوضى القانونية المنظمة"، تجعل المواطن والمكلف بالخدمة العامة في حيرة من أمرهم أمام نصوص متضاربة، ينسخ بعضها بعضاً بغموض، أو يفتح أبواب التأويل والاجتهاد في مورد النص؛ وهو الأمر الذي حذر منه القضاء دوماً، كون النص الواضح لا يحتمل اللبس، والعدالة لا تستقيم مع الضبابية.

وعليه، فإن التضخم التشريعي العشوائي يقود حتماً إلى إضعاف هيبة القانون؛ إذ يتحول من وسيلة لتحقيق الإنصاف وحماية المكونات والروابط الاجتماعية، إلى عبء يربك أجهزة إنفاذ القانون والقضاء على حد سواء. فالقوانين الفضفاضة، التي تولد في مناخات الاستعجال السياسي أو الإعلامي، تخلق بيئة خصبة للتجاوز والتهرب من المسؤولية الجنائية والمدنية.

إن المشرّع الحصيف هو من يدرك أن جودة التشريع تكمن في صرامته، ووضوحه، وقلة تعديلاته، ومراعاته للبعد الإنساني والواقعي الملموس. ومن هنا، نرى أن الحد من هذه "العشوائية المجتمعية" يتطلب العودة إلى رصانة البناء القانوني، والكف عن ممارسات التشريع الانفعالي؛ فالقانون يجب أن يظل ملاذاً للأمن والاستقرار، لا مصدراً لإنتاج الفوضى وإرباك حياة الناس.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم