لم يعد ممكناً الاستمرار في رعاية "الأوهام الثقافية" التي شيدتها نخبنا على مدى عقود. إن ما نسميه "تراجع الخطاب الثقافي" ليس مجرد انحسار في الكم، أو حالة عابرة من فقر الإبداع، بل هو انهيارٌ بنيوي في الجوهر، وسقوطٌ مدوٍ للأقنعة التي كانت تخفي خلفها خواءً فكرياً مزمناً. نحن اليوم أمام مشهدٍ ثقافيٍ عارٍ، فقدت فيه الكلمة قدرتها على التأثير، وصار المثقف -الذي كان يوماً "ضميراً للواقع"- مجرد "موظفٍ في شركة علاقات عامة"، يزين القبح، ويبرر الرداءة، ويغلف الانهيار بخطابٍ طنّانٍ لا طائل منه.
إن "سقوط الأقنعة" ليس حدثاً طارئاً، بل هو النتيجة المنطقية لمسارٍ طويلٍ من الخيانة المعرفية. لقد بدأت الحكاية حين تحولت الثقافة من "مشروع للتحرر" إلى "وسيلة للظهور". في البدايات، كان المثقف يمتلك "المسافة النقدية"؛ تلك المسافة التي تسمح له بأن يرى العطب في بنية الدولة والمجتمع، وأن يعبر عن ذلك بجرأةٍ لا تعرف المهادنة. أما اليوم، فقد ذابت هذه المسافة. صار المثقفُ جزءاً من "الآلة"؛ آلة الجوائز التي تُمنح وفق معايير المحاصصة والشللية، وآلة المهرجانات التي تُقام لتجميل وجه السلطة، وآلة الولاءات السياسية. وهكذا، فقدَ الخطابُ الثقافي "استقلاليته"، وتحول إلى "صدى" لأهواء مراكز القوة التي باتت تفرض شروطها على الفكر والإبداع.
التراجع في الخطاب الثقافي العربي ليس غياباً للمواهب بقدر ما هو غيابٌ لـ "المعايير". عندما تغيب المعايير النقدية الموضوعية، يسود "المتنمرون" و"المدّاحون". لقد شهدنا في السنوات الأخيرة صعود ظاهرة "المثقف الانطباعي"، ذلك الذي يمتلك فائضاً من العدوانية ونقصاً فادحاً في المنهج. هذا "المتنمر الثقافي" لا يقرأ النص، بل يقرأ الحسابات. إنه يمارس "الرقابة" على زملائه، ليس انطلاقاً من رؤيةٍ فكرية، بل من غريزةٍ اقصائيةٍ تحاول أن تنفي "الآخر" لتضمن لنفسها مكاناً تحت الضوء. إن سقوط القناع هنا يعني كشف الوجه الحقيقي لهذا الخطاب: خطابٌ يحمي "التفاهة" لأنها تشبهه، ويحارب "العمق" لأنه يفضح بساطته ومحدوديته.
وما يعمق من هذا المأزق هو "ارتهان المثقف للأيديولوجيا". فبدلاً من أن تكون الأيديولوجيا أداة لتحليل الواقع وتفكيك تناقضاته، تحولت إلى "أيقونة" للتقديس. لقد صار المثقف يكتب ليؤكد انحيازه المسبق، لا ليصل إلى الحقيقة. هذا "الإخلاص الأعمى" للأطر الجاهزة هو الذي جمد طاقة التفكير، وجعل الخطاب الثقافي يكرر نفسه في حلقةٍ مفرغة. إننا نكتب اليوم نصوصاً لا تلامس جرح الواقع، بل تنشغل بـ "تنميقِ الجروح" وتغطيتها بكلماتٍ منمقةٍ تليقُ بمنابرِ الاستهلاك الثقافي، لا بمنابر التغيير.
وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى "سلطة الغوغاء" في الفضاء الرقمي. إن سقوط الأقنعة قد كشف أيضاً عن عجز النخب عن مواجهة "ديماغوجية التواصل". صار الخطاب الثقافي يُصاغ على مقاس "التريند"، حيثُ تُختزلُ القضايا الكبرى في تغريدة، ويُحاكمُ الفكر بناءً على شعبيته لا على عمقه. لقد انحاز المثقف للجمهور على حساب الحقيقة، خوفاً من "النبذ الرقمي"، فأصبح خطاباً باهتاً، يرضي الجميع، ولا يغير شيئاً. إن "سقوط القناع" هنا يعني اعترافنا بأننا صرنا نهتم بـ "عدد المعجبين" أكثر من اهتمامنا بـ "صلابة الفكرة".
أضف إلى ذلك، مأزق "اقتصاد الثقافة"؛ إذ باتت دور النشر والجوائز العربية خاضعة لمنطق الربح السريع. لقد تحولت الثقافة إلى "سلعة"، وأصبح الكاتب "منتجاً" يكتب وفقاً لمتطلبات السوق. إن هذا "التشييء" للمثقف وللنص أدى إلى انحطاط نوعي في الخطاب، حيث أصبحت القيمة تُقاس بالمبيعات، لا بالعمق المعرفي. المؤسسات الثقافية التي كان يُفترض بها أن تكون حاضنة للنقد والجدل الحر، تحولت في كثير من الأحيان إلى "شركات للعلاقات العامة"، تسوق أسماء محددة وتغيب أخرى لأسباب غير ثقافية، مما خلق "تنميطاً" في الذائقة العامة، ومنع بزوغ أصوات جديدة ومختلفة.
إننا أمام استحقاقٍ أخلاقيٍّ وجوديّ: إما أن يعود الخطاب الثقافي إلى "جذوره النقدية"، يمتلك الشجاعة لقول "لا" في وجه الرداءة والفساد الفكري، وإما أن نترك الساحة لمن يظنون أن الصراخ هو بديل عن الفكرة. إننا بحاجة إلى "ثورة في الكتابة"؛ ثورة تعيد الاعتبار للمعرفة كفعلٍ مقاوم، لا كفعلٍ استعراضي. نحتاج إلى مثقفٍ لا يخاف من عزلته، ولا يسعى لإرضاء "الجوقة".
إن سقوط الأقنعة هو في جوهره فرصة؛ فرصة لنرى الواقع كما هو، لنعترف بأننا في أزمة، ولنبدأ -بشجاعةٍ لا تعرف الخوف- في بناء خطابٍ جديد يليق بآلام الناس وطموحاتهم. خطابٌ لا يجمّل الواقع، بل يشرّحه، ولا يبرر الانكسار، بل يفكك أسبابه. إن التاريخ، يا صديقي، لن يحفظ سوى تلك الأصوات التي تجرأت على التعري أمام الحقيقة، ورفضت أن تختبئ خلف أقنعةٍ -مهما كانت جميلة- فإنها لا تحجبُ حقيقةَ العطبِ الذي ينهشُ جسدَ ثقافتنا. إن المسؤولية تقع اليوم على عاتق من لا يزال يؤمن بأن الكلمة يمكن أن تكون فعلاً تغييرياً، لا مجرد زينةٍ في فضاءٍ يمتلئ بالضجيج.
***
دكتور أحمد فاتح محمد








