عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: جدلية العقل والجسد.. تجربة حدية وجودية

ليس من قبيل المصادفة أن تستقر في الوعي الجمعي مقولات تبدو بديهية حدّ التكرار، «العقل السليم في الجسم السليم»، حتى غدت مع مرور الزمن أشبه بحقيقة نهائية لا تحتاج إلى مساءلة. غير أن التأمل الفلسفي الهادئ يدفعني إلى إعادة النظر في ترتيب العلاقة بين العقل والجسد؛ فالجسد السليم ليس، في تقديري، شرطًا سابقًا للعقل السليم بقدر ما هو أحد ثماره. العقل هو الذي يمنح الجسد معنى العناية، وهو الذي يقرر ماذا نأكل، وكيف نعيش، ومتى نتحرك، ومتى نتوقف، وكيف نواجه إشارات الألم قبل أن تتحول إلى إنذار متأخر. الجسد يحملنا في الطريق، لكن العقل هو الذي يقرر إلى أين نمضي وكيف نمضي. ولهذا فإن مسؤولية الإنسان تجاه جسده تبدأ، قبل كل شيء، من وعيه به.

فالعقل ليس مجرد آلة للتفكير أو مستودع للأفكار، وإنما هو نظام توجيه كامل يضبط إيقاع الحياة ويمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما يبني وجوده وما يقوّضه. ومن دون هذه البوصلة الداخلية يصبح الجسد عرضة لقوى عمياء: شهوة بلا ميزان، وعادة بلا مراجعة، وكسل بلا مقاومة، وتأجيل مستمر لما ينبغي فعله الآن. وقد يمتلك الإنسان المعرفة الكافية بكل ما يضر جسده، لكنه يواصل فعله، وكأن المعرفة وحدها تكفي لإنقاذه. وهنا تكمن المفارقة: أن نعرف ما ينبغي أن نفعله، ثم نعجز عن فعله، وأن نرى الخطر يقترب، ثم نؤجل مواجهته إلى أن يتحول من احتمال إلى واقع. كنت واحدًا من هؤلاء الذين يعرفون، لكنهم لا يفعلون.

ذات صيف بارد قبل عام من الآن تقريبا. كنت أتمشى مع صديقي الدكتور حسين جعفر السقاف في مدينة دنبوش التاريخية. كان وزني آنذاك نحو 118 كيلوغرامًا، وكنت أمشي ببطء واضح. وبعد نحو نصف ساعة من السير بدأت ألهث من التعب، فالتفت إليّ رفيقي وقال جملة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها استوقفتني طويلًا: «أراك غير مهتم بجسمك، وزنك لا يتناسب مع سنك». كانت جملة قصيرة، لكنها أصابت الحقيقة في مكانها تمامًا. قلت له: نعم يا صديقي، أشعر بالتعب حين أمشي أو أصعد الدرج، فضلًا عن الألم في الركبة والقدم. أخذ بيدي إلى مقهى قريب يطل على مجرى نهري، وطلب لي القهوة السادة التي أحبها، ثم بدأ يحدثني عن الجسد الحي، وعن طاقته ووظائفه، وعن مسؤولية صاحبه تجاهه. اتذكر انه قال بما معناه: أن للجسد الحي، من منظور الطبيعة، وظيفة أولى وبسيطة، هي أن تستمر حياة النوع البشري من خلاله. يولد الإنسان، وينمو، ويحب، وينجب، ويعمل، ويرعى أبناءه حتى يكبروا ويقفوا على أقدامهم. وربما تمنحه الطبيعة في هذه المرحلة قدرًا من القوة والشباب والطاقة يعينه على أداء هذه المهمة. لكن الطبيعة، بعد ذلك، تبدأ في الانسحاب منه شيئًا فشيئًا. يشيب الشعر، تضعف العضلات، تقل المرونة، يتغير الجسد، وتظهر علامات الزمن، وكأن الطبيعة تقول للإنسان في صمت: لقد أديت دورك، والباقي عليك.

فبعد أن يؤدي الجسد الإنساني كما هو كل جسد حيواني مهمته البيولوجية تجاه استمرار حياة، نوعه تبدأ مهمته تجاه نفسه. هنا لا ينبغي له أن ينتظر من الطبيعة أن تفعل ما كانت تفعله في مرحلة الشباب. عليه أن يتدخل بوعيه وإرادته: يحافظ على جسده، يحرك عضلاته، ينشط عقله، ينظم غذاءه، ينام بما يكفي، يمشي، يسبح، يحب، يسافر، يضحك، ويخلق لنفسه أسبابًا جديدة للحياة. العمر بعد ذلك لا تمنحه لنا الطبيعة بسهولة؛ نحن الذين ندافع عن وجودنا فيه. وربما تكون الحكمة في النصف الثاني من العمر أن ندرك أن الطبيعة قد أدت جزءًا كبيرًا من وظيفتها معنا، وأن ما تبقى أصبح مسؤوليتنا نحن.

ومنذ تلك اللحظة بدأت أنظر إلى جسدي لا باعتباره شيئًا أحمله معي، وإنما باعتباره أنا نفسي؛ جزءًا من وجودي وحضوري ومسؤوليتي وصحتي ومستقبلي.

وقد جاءت عبارة قرأتها لاحقًا للدكتور وليد الحيالي، رئيس الجامعة الدنماركية العربية في كوبنهاغن، لتمنح هذه الفكرة صياغة أخرى شديدة الكثافة: «كنتُ أنا والصحة نبحث عن المال، والآن أنا والمال نبحث عن الصحة». بدت لي هذه العبارة كأنها تختصر دورة كاملة من دورات الحياة. ففي الشباب نستهلك الصحة بحثًا عن المال، ثم يأتي العمر الذي نبدأ فيه بإنفاق المال بحثًا عن الصحة التي أهدرناها من قبل. وهنا تظهر المفارقة الإنسانية المؤلمة: أننا قد ننجح في جمع المال، لكننا لا نستطيع بالضرورة أن نشتري به ما فقدناه من صحة وعافية.

منذ تلك اللحظة الدنبوشية قررت أن آخذ جسدي على محمل الجد بصرامة لا تعرف المساومة التي أعيشها منذ أن ادركت الخطر في القاهرة الحبيبة.

لن أنسى ما حييت ذلك الصباح القاهري في 2 فبراير 2023، حين حاولت النهوض من سريري فلم أستطع بسبب ألم شديد في عمودي الفقري. حاولت مرة أخرى فسقطت وصرخت من شدة الوجع. كان الألم ينتشر في الجزء السفلي من جسدي كما لو أنها صعقة كهربائية تبدأ من أخمص القدم اليمنى وتصعد إلى منتصف ظهري. في تلك اللحظة شعرت أن جسدي، الذي طالما اعتبرته أمرًا مسلمًا به، قد تحول فجأة إلى سؤال مفتوح وتحدي وجودي يستدعي الاستجابة الفورية بلا مماطلة ولا تأجيل.

وهذا ما جعل ذاكرتي تستدعي مفهوم «المواقف الحدية» الذي درسته طويلًا في الفلسفة الوجودية. فالموقف الحدي هو تلك اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه أمام حدود وجوده، حيث تتراجع الأشياء الثانوية كلها، ولا يبقى أمامه إلا السؤال الأساسي: ماذا سأفعل؟ أقاوم أم أستسلم؟

كان وزني يومها نحو 130 كيلوغرامًا. وكنت أخفي هذه الحقيقة عن عائلتي وأصدقائي، وربما كنت أخفيها عن نفسي قبل الآخرين. لم أكن أريد أن أرى الرقم على الميزان، ولا أن يراه أحد. كنت أتعامل مع جسدي بمنطق التأجيل والإنكار، وأقنع نفسي بأن آلام القدم والظهر عابرة، وأنها ستذهب كما جاءت. لكن ذلك الصباح أسقط كل الأوهام دفعة واحدة. لقد رأيت النجوم في عز الظهر فعلًا!

ترددت طويلًا قبل أن أذهب إلى الطبيب، إلى أن تحاملت على نفسي وذهبت إلى الدكتور المتميز حمدي الكلدي في عيادته بالعشرين. وبعد حوار وفحص أولي أوصى بإجراء تصوير للعمود الفقري بجهاز الرنين المغناطيسي. ومع ذلك، واصلت التأجيل أسابيع أخرى. كنت لا أزال أتعامل مع جسدي بالعقلية اليمنية نفسها: غدًا أفعل، وغدًا أبدأ، وغدًا أذهب إلى الطبيب. وكأن الإنسان يستطيع أن يؤجل الحقيقة إلى ما لا نهاية لكن الألم لا يعرف المجاملة ولا المماطلة.

فحين اشتد آلمي، ذهبت إلى أحد المختبرات الحديثة في أول فيصل، وأجريت الفحص الذي أوصى به الطبيب. دخلت الجهاز الأسطواني شبه عارٍ، مستلقيًا بلا حركة قرابة عشر دقائق، وكأنني جثة تنتظر أن تُقرأ تفاصيلها من الداخل. خرجت وفي يدي نتيجة لم تكن مجرد صورة طبية؛ كانت أشبه برسالة إيقاظ: بداية انزلاق غضروفي.

كانت تلك الأشعة الممغنطة لحظة فاصلة في علاقتي بجسدي إذ لأول مرة أدركت أن الإنسان يستطيع أن ينشغل بالعالم كله وينسى أقرب الأشياء إليه: جسده الذي يحمله كل يوم. قد نكتب عن التاريخ والحضارة والفلسفة والسياسة والإنسان، وننسى أن هذا الإنسان الذي نكتب عنه له جسد يحتاج إلى الرعاية. وقد نبحث عن معنى العالم، بينما نعجز عن صعود درجتين دون أن نلتقط أنفاسنا.

يومها اقترح الدكتور حمدي محاولة علاج الانزلاق الغضروفي دون عملية جراحية، وبدأت تناول بعض الأدوية التي وصفها لي، لكنني شعرت بخمول عام ومشاعر سلبية لم تكن مريحة لي. عندها اتخذت القرار الأصعب: أن أغيّر نظام حياتي نفسه، وأن أخفض وزني، مستلهمًا وصية والدي، رحمه الله: «تعب الصحة ولا تعب المرض» وفي تلك اللحظة الحدية تذكرت نظرية جان بول سارتر (الحرية في موقف) ف" لكي ينجح المرء في الإقلاع عن التدخين، لا يكفي أن يمتنع عن الفعل، بل يجب عليه القيام بما يسميه سارتر "تفكيك التبلور"؛ أي أن يُعيد اختيار ذاته ومشروعه بالكامل دون أن يكون التبغ جزءاً من معاني الأشياء حوله" ف الحرية هنا تظهر في أقصى تجلياتها: الإقلاع عن التدخين هو قرار ببدء حياة جديدة وبناء "أنا" جديدة تواجه العالم مباشرة دون وسيط رمزي، وهو ما يجسد فكرة أن الإنسان يصنع ماهيته باستمرار عبر قراراته الحرة ومسؤوليته على حياته. ومعنى (تفكيك التبلور) هو تجريد الأشياء والمواقف من الرموز الأسطورية أو العاطفية الزائدة التي أضفاها وعينا اليها ، وإعادتها إلى حقيقتها الخام المجردة بهدف التحرر من التبعية لها. إي النظر إلى الأشياء في قاع المعنى. وتلك هي الفائدة التي غنمتها من قراءة كتاب (الوجود والعدم)

أثناء بحث عن طرق علاج الانزلاق الغضروفي

نصحني الخبير بالأدوات الطبية مساعد الطبيب نبيل الشبحي بجهاز شد الظهر من الصين. اتصل بابن أخي، مهيب صالح المحبشي، مدير شركة الاتجاهات الأربعة للشحن والتصدير في كوانجو فأرسل مشكورا لي الجهاز الظاهر في الصورة ادناه. كانت أمارسه التدريب كل صباح ومساء فضلا عن ممارسة السباحة والمشي لمدة ستة اشهر قبل السفر إلى الأراضي المنخفضة هولندا الخضراء.

أتيت هولندا بوزن يقارب 120 كيلوغرامًا فوجدتها فرصة مناسبة لإعادة بناء علاقتي بجسدي بما توفره من ممكنات لوجستية مساعدة. نصحتني الطبيبة الرائعة Laura لورا براون بضرورة تخفيض وزني، ومنحتني نظاما صحيًا التزمت به، إلى جانب برنامج جاد في المشي والسباحة. إذ لم أعد أتعامل مع المشي والسباحة باعتبارهما رياضة عابرة أو نشاطًا ثانويًا، وإنما باعتبارهما جزءًا من عاداتي اليومية في عملية استعادة العلاقة بين عقلي وجسدي.

طبعا لم يكن الطريق سهلًا. فالإنسان لا يغير جسده فقط عندما يغير طعامه؛ إنه يغير عاداته، ومزاجه، ووقته، ونظرته إلى نفسه. كل كيلوغرام ينخفض كان يعني في الحقيقة معركة صغيرة مع عادة قديمة، وكل خطوة إضافية كنت أمشيها كانت بمثابة تصحيح لعلاقة اختلت طويلًا بيني وبين جسدي.

في نهاية هذه الرحلة، لم أعد أنظر إلى جسدي بوصفه مجرد وعاء للروح أو أداة يحملها العقل من مكان إلى آخر، بل بوصفه شريكًا كاملًا في وجودي، وأمانة لا يجوز أن أتنصل من مسؤوليتها. من 130 كيلوغرامًا إلى 90 كيلوغرامًا لم تكن المسافة أربعين كيلوغرامًا فحسب، بل كانت مسافة بين ذاتين: ذاتٍ كانت تؤجل وتبرر وتتجاهل إشارات الجسد، وذاتٍ أخرى قررت أن تنصت، وأن تتحمل مسؤوليتها، وأن تبدأ من النقطة التي ظنت أنها نقطة النهاية. لقد علّمني الألم ما لم تعلّمني إياه صفحات كثيرة من الكتب: أن الجسد يتكلم، وأن علينا أن نصغي إليه قبل أن يرفع صوته، وأن العناية بالصحة ليست بحثًا عن جسد مثالي، بل احترام للحياة نفسها. وفي النصف الثاني من العمر، حين تبدأ الطبيعة في استرداد شيء من قوتها، نكتشف أن الإنسان لا يزال يمتلك قوة أخرى: قوة الوعي والإرادة والاختيار. لا يستطيع المرء أن يوقف الزمن، ولا أن يستعيد شبابه، لكنه يستطيع أن يمنح ما تبقى من عمره معنى مختلفًا. لذلك لم يعد الرقم 90 بالنسبة إليّ مجرد وزن على ميزان، بل علامة على استعادة شيء من الجسد، وشيء من النفس، وشيء من القدرة على الحياة. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي خرجت به: لقد كنت أبحث عن معنى الحياة في الفلسفة والتاريخ والكتب والمدن، ثم اكتشفت أن المعنى يبدأ أحيانًا من أبسط الأشياء: أن تنهض من سريرك، وتمشي، وتتنفس، وتشعر بأن جسدك لم يعد عائقًا أمام الحياة، بل أصبح شريكًا فيها. ولهذا أقول لجسدي اليوم: سامحني لأنني تأخرت في الانتباه إليك، لكنني الآن أراك، وأسمعك، وأتحمل مسؤوليتي تجاهك. لقد كنت أبحث طويلًا عن معنى الحياة، فاكتشفت أخيرًا أن من شروط معناها أن تكون قادرًا على أن تعيشها.

***

د. قاسم المحبشي

في المثقف اليوم