لاريب أن المذكرات ليست مجرد استرجاعٍ لما مضى، ولا هي أرشيفٌ شخصي للأحداث والذكريات، بل هي—حين تكتب بوعيٍ فلسفي—شكلٌ من أشكال بناء الذات وهي تفكر في نفسها، والفيلسوف حين يقترب من المذكرات لا يطلب منها أن تحكي حياته فحسب، بل أن تكشف كيف تتكوّن الحياة حين تُفهم وتُعاد صياغتها وتدخل في نظامٍ من المعنى..
من هنا تكتسب المذكرات قيمتها الأدبية والفكرية معًا، حيث لا تسجّل التجربة بوصفها وقائعاً خامةً، بل تمنحها مسافةً تجعلها قابلةً للتأمل، وتحوّل الزمن إلى مادةٍ للوعي، واللغة إلى أداةٍ لإعادة تركيب الوجود.
عند القراءة الفلسفية للمذكرات، السؤال الأول ليس، ماذا وقع؟ و إنما، كيف يصير ما وقع قابلًا لأن يُفهم ويُروى ويُعاد تأليفه في الذاكرة؟ لأن المذكرات، كما تقترح الدراسات الحديثة، تقوم على “الحقيقة السردية” لا على النقل الحرفي وحده؛ أي أن ما فيها من صدق لا ينفصل عن طريقة التشكيل، وعن موقع الراوي من ذاته ومن عصره، وعن مقدار المسافة بين التجربة لحظة وقوعها والتجربة لحظة تدوينها، لذلك يلتقي الفيلسوف بالمذكرات عند منطقة دقيقة، منطقة الفعل الذي يصبح معنى، والحدث الذي يتحول إلى دلالة، والذات التي لا تُدرك إلا وهي تعيد رواية نفسها.
أولاً الحقيقة:
في المذكرات، لا تُفهم الحقيقة بوصفها تطابقًا بسيطًا مع الواقع، بل بوصفها صدقًا سرديًا، أي الكيفية التي يعيد بها الكاتب ترتيب خبرته بحيث تصبح قابلة للفهم والتأمل، حيث المذكرات لا تقدم وقائع مجردة، بل وقائع بعد أن دخلت في أفق الذاكرة والاختيار والإعادة، فيكون ما يهم الفيلسوف ليس “الحدث” وحده، بل المسافة التي تفصل الحدث عن صياغته، لأن هذه المسافة هي التي تكشف ماذا أراد الكاتب أن يقول عن نفسه وعن عصره..
ثانياً اللغة
اللغة في المذكرات ليست أداة نقلٍ شفافة، بل وسيلة لتشكيل الذات وهي تفكر، ثم إن المذكرات الجيدة لا تقول كل شيء، بل تعرف ما الذي يجب أن يظهر وما الذي يجب أن يبقى في الهامش، وما الذي يمكن أن يُلمح إليه بدل التصريح به. ومن هنا تأتي القيمة الفلسفية للغة المذكرات، أنها لا تصف الحياة فقط، بل تُنظّمها، وتمنحها إيقاعًا، وتحوّل الشذرات إلى بنية، والخبرات المتفرقة إلى قصة قابلة للإدراك. عبر هذا المعنى، تتقاطع اللغة مع الفلسفة لأنها تُظهر أن الذات لا تملك نفسها قبل أن تتكلم عنها..
ثالثاً الخيال
الخيال في المذكرات لا يعني اختلاقًا مضادًا للحقيقة، بل يعني القدرة على إعادة تخليق التجربة في صورة سردية تمنحها معنىً أوسع. فكل كتابة ذاتية، حتى حين تدّعي الصدق الكامل، تنتقي وتقصي وتوازن بين ما يُقال وما يُترك، وبين ما يظهر وما يُخفى؛ وهذا الاختيار نفسه جزء من الحقيقة لا نقيض لها. ومن ثم فإن الخيال هنا يعمل بوصفه قوة تنظيمٍ للذاكرة، لا بوصفه هروبًا من الواقع. إنه يربط بين الشظايا، ويمنح التجربة شكلًا يسمح لها بأن تُفهم بعد أن كانت مجرد تتابعٍ للأيام..
رابعاً الزمن
الزمن هو العنصر الأعمق في المذكرات، لأنه يحدد موقع الذات وهي تعود إلى نفسها. فالمذكرات تُكتب من نقطة لاحقة، من حاضرٍ ينظر إلى ماضٍ لم يعد حاضرًا إلا في أثره، ولذلك فهي كتابةٌ تُحوّل الزمن إلى وعي.
فالإنسان لا يكتب ماضيه لأنه انتهى، بل لأنه لم ينتهِ في داخله؛ والمذكرات تحاول أن تصوغ هذا الامتداد بين ما مضى وما بقي مؤثرًا في الحاضر، وبالتالي تصبح المذكرات فلسفية لأنها لا تتعامل مع الزمن كتعاقبٍ ميكانيكي، بل كتجربة تتكثف فيها الذاكرة والندم والتحول وإعادة الفهم..
خامساً الذات
أما الذات، فهي في المذكرات ليست جوهرًا ثابتًا، بل كائنًا يتكوّن داخل الحكي، حيث المذكرات لا تقول، "هذه أنا"، بمعنى الاكتمال، بل تقول: "هذا ما صرت إليه حين رويت ما عشته"..
هنا تتجلى فكرة أساسية، أن الإنسان يعرف نفسه حين يضعها في السرد، وأن الوعي لا ينكشف دفعةً واحدة، بل عبر العودة المتكررة إلى الماضي وتفسيره وإعادة تأليفه، لذلك يرى الفيلسوف في المذكرات مختبرًا للهوية، "كيف نروي أنفسنا؟" وكيف يتحول الاعتراف أو التلميح أو حتى الصمت إلى أداةٍ لبناء صورة الذات؟
هكذا عندما تتجمع هذه الأسئلة الخمسة داخل المذكرات، يتبين أن هذا الجنس الأدبي ليس هامشًا على الفلسفة، بل أحد أكثر الأماكن التي تتفحص فيها الفلسفة علاقتها بالإنسان، فالحقيقة فيه غير منفصلة عن المنظور، واللغة جزء من التكوين، والخيال رافعة للمعنى، والزمن مادة للوعي، والذات مشروعٌ سرديٌّ لا يكتمل إلا بالكتابة، بهذه العناصر تصير المذكرات كتابةً عن الحياة وكتابةً في الحياة في آنٍ واحد؛ فهي لا تحكي ما جرى فقط، بل تكشف كيف يصير ما جرى قابلًا للفهم، وكيف تتشكل من التجربة مادةٌ للتفكير..
رحلتي الفكرية أنموذجا
لدى المفكر عبد الوهاب المسيري في رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر، المذكرات تبلغ ذروتها بوصفها كتابةً تكشف أن السيرة ليست مجرد حكاية حياة، بل طريقة في التفكير بها، و الدكتور المسيري لا يقدّم حياته كوقائع متتابعة، وإنما يجعلها مسارًا يتكشف فيه تشكّل الوعي وتحولات المنهج وتغير الأفق المعرفي؛ ولذلك يصرّ منذ البداية على أنها ليست “سيرة ذاتية” بالمعنى التقليدي، بل “سيرة غير ذاتية وغير موضوعية”، وحين يعلن أنه يستبعد ما لا علاقة له بـ“تطوري الفكري”، فإن قيمة الحدث لا تعود إلى وقوعه، بل إلى قدرته على إضاءة التحول الداخلي، أي إن الحقيقة هنا لا تُقاس بما جرى، بل بما كشفه الجريء عن مسار الوعي. ومن ثمّ فإن الزمن في هذا النص ليس تعاقب سنوات، بل تاريخ تكوّن: من البذور إلى الجذور إلى الثمر، أي من الإمكان إلى الترسخ إلى النضج..
وعلى المستوى اللغوي، تتخذ العبارة وظيفة فلسفية دقيقة؛ حيث المفكر المسيري لا يكدّس الوقائع، بل يصوغها بحيث تظلّ دالة على ما وراءها، حتى تبلغ الجملة حدًّا من الكثافة يلخصه قوله: “إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”. وهذه الكثافة ليست أسلوبًا فقط، بل موقفًا معرفيًا، فكل اتساع في الرؤية يستلزم اقتصادًا في القول، لأن المعنى العميق لا يُستعرض بل يُلمَّح. أما الخيال، فيعمل هنا بوصفه أداة تنظيم للذاكرة، لا بوصفه تزيينًا لها؛ إذ تتحول الوقائع الشخصية إلى بنية سردية تكشف علاقات الفكر بالخبرة، وتُظهر كيف يتكون المنهج من الاحتكاك بالحياة لا من التأمل المجرد وحده.
وبالتالي تنكشف الذات عند المفكر المسيري لا كهوية ناجزة، بل كوعي في صيرورة، يتعلم من أخطائه، ويعيد ترتيب نفسه داخل السيرة كما يعيد المفكر ترتيب أدواته داخل النظرية. لذلك يكتب عبارةً يمكن عدّها مفتاحًا أخلاقيًا وفلسفيًا لنصه “المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل لا يستحق لقب المثقف”..
المذكرات هنا لا تروي حياة مفكر فحسب، بل تعرض الفلسفة وهي تُصاغ في الداخل، وتُختبر في الواقع، وتتحول إلى موقف..
مستخلص
إن المذكرات، حين تكتب بهذا العمق، لا تعود مجرد نوعٍ أدبيٍّ يجاور السيرة والاعتراف، بل تصبح وسيلةً لفهم كيف يبني الإنسان وعيه بنفسه وبالعالم، حيث تمنحه مسافةً من ماضيه، وتردّ له حياته بوصفها معنىً لا مجرد وقائع، وتكشف أن الفيلسوف لا يعيش تجربته ثم يكتبها فقط، بل يكتبها لكي يعرفها، ويعيد ترتيبها لكي يصير قادرًا على التفكير فيها. ومن هنا تكمن قيمة المذكرات الفلسفية، أنها لا تقول لنا من كان صاحبها فحسب، بل كيف صار ما صار إليه، وكيف تحولت الحياة عنده إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة، والمعرفة إلى شكلٍ من أشكال التكوين المستمر..
وعند المسيري، تبلغ هذه الفكرة ذروتها؛ لأن حياته المكتوبة لا تشرح فكره فقط، بل تُظهر أن الفكر نفسه لا ينفصل عن سيرةٍ تتخلق ببطء، وأن الوعي لا يُبنى إلا حين يجرؤ صاحبه على أن يرى ذاته كرحلة، لا كجوهرٍ منتهٍ..
(انتهى)
***
مراد غريبي








