عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: الحب في المدرسة الفرويدية

صراعٌ ما بين أعمق عُقد البشرية

(نحن لا نكون قط أضعف عرضة للمعاناة مما حين نحب، ولا قط أشد عجزاً عن السعادة مما حين نفقد موضوع حبنا أو نفقد من نحب)... سيغموند فرويد- كتاب قلق في الحضارة (Civilization and Its Discontents) نُشر عام 1930.

مقدمة لفهم البنية الفكرية لمدرّسة التحليل النفسي تتطلب تفكيك الافتراض المركزي الذي بنيت عليه؛ فـ سيغموند فرويد لم ينظر للإنسان باعتباره كائناً عقلانياً خالصاً يحركهُ الوعي والإرادة الحرة، بل بوصفه ميداناً لصراع خفي بين قوى غريزية عملاقة ورغبات مكبوتة تسكن "اللاوعي". الفلسفة الفرويدية تتأرجح بين الحتمية البيولوجية والاقتصاد النفسي، حيث تُدار الحياة البشرية بدوافع غير قابلة للمحو تُعرف بـ "الغرائز" (Trieb)، وأبرزها دافع الحياة ودافع الموت. من هنا، لا يُدرس أي سلوك بشري أو شعور إنساني بمعزل عن جذوره الغريزية ومساراته المعقدة داخل الجهاز النفسي، مما يجعل فهم مفاهيم كـ "الحب" و"العقد" مدخلاً أساسياً لكشف البناء الخفي للشخصية الإنسانية

الإطار المفاهيمي للحب عند فرويد (الاقتصاد الليبيدي)

يغوص التحليل النفسي الفرويدي في أعماق الاقتصاد الليبيدي للحب رافضاً أي تصور ميتافيزيقي أو مثالي للعاطفة الرومانسية، ليختزلها في حركة ديناميكية لطاقة غريزية حية تُعرف بـ الليبيدو، والتي تتحرك باستمرار صعوداً وهبوطاً بين الداخل والخارج في محاولة مستمرة من الجهاز النفسي لتحقيق التوازن وسط عالم مليء بالإحباطات والتوترات. في بداية المسار الوجودي للإنسان، تتمركز هذه الطاقة حصراً في الذات ضمن ما يُعرف بـ النرجسية الأولية، حيث يكون الفرد هو موضوعه العاطفي الوحيد، ولا وجود لاعتبار حقيقي للآخر إلا كصورة باهتة أو امتداد تكميلي لإشباع الحاجات البيولوجية البحتة. ومع التقدم في النمو والنضج، تفرض الواقعية الاقتصادية للنفس وطأة ضغوطها، فتضطر الأنا إلى تحرير جزء من هذا المخزون الليبيدي الضخم وتوجيهه نحو الخارج، لتستقر هذه الطاقة على موضوع خارجي محدد؛ سواء كان شريكاً عاطفياً، أو فكرة، أو حتى منظومة قيمية. هنا، يتحول الحب بمعناه الفرويدي إلى عملية استثمار طاقي وإزاحة دقيقة لمسار الرغبة، بحيث يضحى الشريك عبارة عن محطة خارجية تركد فيها طاقة الليبيدو المركزة. وهذا يفسر لِمَ يكون الارتباط العاطفي العميق محفوفاً دائماً بخطر الانهيار أو الألم؛ إذ إن سحب هذه الطاقة أو فقدان موضوعها الخارجي يعيد توجيهها بعنف نحو الداخل، مهدداً الأنا بانهيار نرجسي مدمر أو باكتئاب عميق ينتج عن عودة الليبيدو المتضخمة لتتمركز حول ذات عاجزة عن استيعاب حجم الفقدان أو التحرر من أسر الاستثمار القديم. وبذلك، يصبح الحب في جوهره الفرويدي صراعاً اقتصادياً مستمراً بين الرغبة في حماية الذات من خلال تقليص التعلق بالخارج، وبين الضرورة الغريزية الجامحة للاندماج مع الآخر عبر تضحية جزئية بالطاقة الليبيدية المتمركزة حول الأن

الجذور اللاواعية وعقد الطفولة (أوديب نموذجاً)

تنتقل البنية الفكرية للتحليل النفسي في تفكيكها لظاهرة الحب من التجريد الاقتصادي للطاقة إلى مسرح الحياة النفسية العميقة، حيث يُفكك الارتباط الرومانسي ليكشف عن كونه محاولة مستمرة لإعادة إنتاج دراما الطفولة المبكرة بعيداً عن أي تصور ساذج للصدفة أو التوافق العقلاني البحت. يرسخ هذا الاتجاه القناعة بأن الوعي العاطفي للإنسان محكوم بشبكة معقدة من الرغبات المكبوتة والمخاوف المتأصلة في "عقدة أوديب" للذكور أو "عقدة إلكترا" للإناث، حيث لا يختبر الطفل العاطفة بوصفها بريئة ونقية، بل بوصفها رغبة تملكية وإقصائية تستهدف الوالد المفضل في مواجهة الوالد الآخر الذي يمثل منافساً حقيقياً وتهديداً وجودياً. يترك هذا الصراع المبكر بصمة أبدية على الجهاز النفسي تدفع الإنسان في مرحلة البلوغ للبحث بلا وعي عن شخص يمثل "البديل الرمزي" لموضوع الحب الأول، لتصبح العلاقة العاطفية في الكبر مجرد محاولة لإعادة تمثيل ذلك السيناريو القديم أملاً في الحصول على القبول والإشباع المفقود. غير أن هذا البحث يظل محفوفاً بالتوتر الداخلي، والخوف من الفقد، والشعور الدفين بالذنب المرتبط بـ "عقدة الخصاء" والتهديدات الرمزية للاوعي، الأمر الذي يجعل الغيرة، والتملك، والخوف من الهجر مكونات خفية تتداخل بلا فصل مع مشاعر المودة عند الوقوع في الحب. وعليه، يتحول الحب الرومانسي الناضج في مدرسة فرويد إلى ساحة معركة خفية تتأرجح بين رغبة التحرر واستعادة فردية الذات وبين الحنين الدفين للعودة إلى دفء الطفولة وحماية الوالدين، مما يفسر الطبيعة المعقدة للعلاقات البشرية التي غالباً ما تتأرجح بين النشوة العارمة والانهيار النفسي العمي

ثنائية الحب ونقيضه في التحليل النفسي

تتجاوز المقاربة الفرويدية للبنية العاطفية الثنائيات البسيطة التي تحصر نقيض الحب في الكراهية المطلقة وحدها، لتقدم فهماً هيكلياً معقداً يتوزع عبر ثلاثة أبعاد متمايزة تعكس تطور الجهاز النفسي واستجاباته المتتالية للواقع. يبرز في البعد الأول اللامبالاة أو الحياد (Indifference) بوصفه النقيض التاريخي والأنطولوجي الأقدم للحب، حيث لا يشعر الكائن في بدايات الوجود النفسي ومرحلة النرجسية الأولية بأي ارتباط تجاه العالم الخارجي، لتتمركز الذات حصراً بوصفها مركز الكون وغايته بينما تقع البيئة والآخرون في منطقة من الفراغ النفسي والتجاهل المطلق. ومع نمو الأنا وإدراكها لصدمات الواقع الخارجي ومصادر الإزعاج، يظهر النقيض الثاني متمثلاً في الكراهية (Hate) ارتباطاً بجدلية اللذة واللاذة، لتتجه الأنا نحو كل ما يحقق لها الإشباع وتتجنب أو تقصي كل ما يهدد استقرارها. أما البعد الثالث فيتمثل في وضعية التبادل بين "أن يحب الإنسان" في مقابل "أن يكون محبوباً"، وهي ثنائية تعكس سعي الأنا المستمر لتلقي الطاقة الليبيدية وتغذية نرجسيتها بقدر ما تسعى لمنحها. وتتوج هذه الأبعاد بظاهرة "ازدواجية المشاعر" (Ambivalence) التي تؤكد التواجد المتزامن للحب والكراهية تجاه نفس الموضوع، مما يفسر التحولات الدراماتيكية والانقلابات الحادة في العلاقات البشرية حين يتحول التعلق العنيف إلى خصومة عميقة بفعل آليات الدفاع النفسي

حتمية الحب واستحالة الانسلاخ البشري

تتوج المنظومة الميتاپسيكولوجية الفرويدية بتأكيدها الحاسم على أن الحب ليس مجرد خيار عاطفي عابر أو رفاهية اجتماعية قابلة للاستغناء، بل هو قيد بيولوجي ونفسي أصيل في بنية الكائن البشري يستحيل الانسلاخ منه كلياً. يتأسس هذا الاستنتاج على الصراع الأبدي بين الغرائز الكبرى، وتحديداً التوتر المستمر بين دافع الحياة إيروس (Eros) المتمثل في النزع نحو التجمع، والتوحد، وبناء الروابط عبر استثمار الطاقة الليبيدية في الآخرين، وبين دافع الموت ثاناتوس (Thanatos) الذي يعمل صامتاً على تفكيك الكيان النفسي والجسدي وإعادته إلى حالته الأولى غير العضوية. في خضم هذا الصراع، يبرز الحب باعتباره أعظم أسلحة إيروس وأكثرها كفاءة في صد قوى الفناء والعدوان ومقاومة شعور الإنسان بالوحدة الوجودية المطلقة. من هذا المنطلق، تصبح محاولة الانسلاخ التام عن شباك التعلق واهية ومستحيلة، فلو اختار الفرد العزلة ورفض الانخراط في العلاقات حمايةً لذاته، فإن طاقة الليبيدو لا تفنى بل ترتد بوحشية نحو الداخل لتتجسد في أعراض عصابية واضطرابات مدمرة. وعليه، يظل الحب الثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان نظير بقائه النفسي واكتماله العضوي؛ إنه التوتر الأبدي المحرك للوجود البشري بين ألم التعلق وخطر الفقد في مهب توازنات دقيقة تحكمها الرغبة في الحياة والنزوع الخفي نحو الموت.

***

ئاريان علي

 

في المثقف اليوم